جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 28/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الوعي المتعالي ـــ أ.د.يوسف سلامة

عندما نصف الوعي بأنه متعالٍ, فنحن نشير بذلك, أولاً وقبل كل شيء إلى أنه شرط منطقي لابد من توافره حتى يصبح من الممكن للعقل أن يكتشف صور الوعي الأخرى التي يكشف عنها التحليل الدقيق للخبرة الإنسانية.‏

فالتعالي هنا حالة "للوعي مشتركة بين شتى الصور التي يمكن للوعي أن يتعين فيها".‏

وبما أن الوعي المتعالي هو الشرط المنطقي لكل صور الوعي الأخرى, فمن الممكن النظر إليه على أنه نقطة الابتداء التي لا ابتداء قبلها. ذلك لأنه لو كان ثم ما هو قبله أو ما هو فوقه لما كان أولاً. إذ من الممكن رد سائر صور الوعي إلى الوعي المتعالي على اعتبار أنها ثمرة لفاعلية (الخروج من), في حين أنه لا يمكن رده هو إلى غيره أو إلى أي نقطة سابقة عليه, ولهذه الأسباب مجتمعة كان أولاً لا قبل له, وابتداءً لا بدء قبله.‏

وهذا يعني أن كل صور الوعي الأخرى محتاجة إليه وتفسر به في حين أن الوعي المتعالي لا يفسر إلا بذاته, ولا يحتاج في تفسيره إلى أي عنصرٍ تالٍ له أو خارج عن كينونته. كما أنه لا سبيل لتفسيره ما قبله لأنه أولاً إطلاقاً.‏

وسواء أكان الوعي قاراً أم قانعاً أم راضياً أم متمرداً أم واضعاً, فلا سبيل له إلى أيٍّ من هذه الصور أو الأحوال ما لم يكن أولاً وقبل كل شيء متعالياً.‏

وهذا يعني أن التعالي ليس مجرد شرط منطقي أو حالة سلبية للوعي يتحول بعدها إلى هذه الحالة من الفاعلية أو تلك متمثلة في إحدى صور الوعي المذكورة, بل إن التعالي يدل أولاً وقبل كل شيء على أنه طاقة أو فاعلية كامنة أو مُستترة في صميم الوعي أو هو نوعٌ من النشاط أو الفاعلية التي تفض نفسها وتعينها في هذه الصورة أو تلك من صور الوعي وتجلياته.‏

وبما أن الوعي المتعالي ينطوي على طاقة غير محدودة تتعين في صور الوعي الأخرى, فهذا يعني أنه يتسم بالانفتاح التام على عددٍ من المشاهد قد تكون لا متناهية.‏

فلو لم يكن منفتحاً لظل حبيس ذاته, وبالتالي لم يكن من سبيل إلى التعرف عليه أو إدراكه في أحواله المختلفة, فالانفتاح هنا لا يعني المقدرة على الاستماع إلى الآخرين أو إلى الأصوات الأخرى التي قد تكون مختلفة عما تفكر فيه وتنظر إليه بوصفه المثل الأعلى, وبالأحرى إن انفتاح الوعي المتعالي هاهنا يشير إلى أنه البؤرة التي تصدر عنها الطاقة أو الفاعلية في اتجاهات لا يكاد يدركها العد أو الإحصاء. وإذاً فالانفتاح يشير هاهنا إلى جملة الإمكانيات والاحتمالات التي تؤهل الوعي المتعالي لأن تتولد فيه قدرة أو طاقة على (الخروج من).‏

(فالخروج من) هو العلاقة المؤكدة التي تسمح لنا بأن نصف الوعي المتعالي بالانفتاح التام, فلو لم يكن كذلك, لما أمكن لأحد أن يستشعر تعاليه, ولا حتى أن يتبين وجوده.‏

ولما كان (الخروج من) ليس متجهاً صوب احتمال واحد, بل احتمالات لا متناهية, كان هذا الوضع شاهداً مؤكداً على أن الانفتاح جزء من الماهية الانطولوجية للوعي المتعالي بما هو كذلك.‏

على أن هذا الانفتاح الذي يسم به (الوعي المتعالي) ـ والذي يمكن النظر من خلاله إلى (الخروج من) على أنه صورته الكلية ـ يمكن النظر إلى القصدية على أنها يقينية الأول فـ (الخروج من) لا يتوجه صوب الفراغ ولا صوب العدم, بل لابد له أن يستهدف أمراً ما أو حالةً ما أو وضعاً ما.‏

وبذلك تكون أول تعينات (الخروج من) قائمةً في (قصدية الوعي) التي لا تعني سوى شيءٍ واحد هو أن الوعي لا يوجد منفصلاً عن موضوع ما إنه يتجه دوماً صوب فكرة أو عاطفة أو هوى وحتى صوب المتخيل من الموضوعات أو الموجودات.‏

وعلى ذلك, فإذا كان (الوعي المتعالي) من حيث هو شرطٌ منطقي لكل صور الوعي الأخرى, لا سبيل إلى اكتشافه إلا بتعينه في حركة (الخروج من ) فإن هذا الخروج من ذاته ليس بشيءٍ إلا التعبير عن (القصدية) باعتبارها الفعل الأعم الذي تلتقي فيه صور الوعي المختلفة, لا فرق في ذلك بين صور الوعي الايجابية والسلبية على حدٍ سواء. ذلك أن صور الوعي السلبية ذاتها, إن هي إلا نوعٌ من محاولةٍ يستهدف الوعي من وراءها التنكر لفاعلية الإيجابية, غير أن فعل التنكر هذا ينطوي في الحقيقة على الفاعلية الإيجابية ذاتها حتى وهو يحاول طمس هذه الفاعلية والتنكر لها والتهرب من ماهية الوعي الجوهرية, ونعني بها الفاعلية القصدية للوعي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244