|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
غابة الحق في دار حمّاض ـــ ثائر طحان بينما أقطع الحارات في حي العقبة وأتجاوز الأزقّة وأمشي في السراديب باحثاً عن المعهد الفرنسي للشرق الأدنى للاستماع إلى محاضرة الدكتور نضال الصالح أيقنت أنّ حداً لن يحاول الوصول إلى هذا المكان, لكنني فوجئت عند وصولي إلى المعهد (دار حمّاض) بعدد من أساتذة كلية الآداب, وطلاب الدراسات العليا, وضيوف حلب من الأشقاء العرب الذين جاؤوا للمشاركة باحتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية, وعدد من المهتمين بالحركة الثقافية في حلب. بدأ الدكتور "نضال الصالح" محاضرته التي ألقاها في (قاعة عبد الرحمن الكواكبي) تحت عنوان: (فكر التنوير في الرواية العربية "فرنسيس المراش" أنموذجاً) بقوله: أهدي ما سأقول إلى حلب التي, يُمارَس بحقّها ظلم كبير ضمن الاحتفال بها عاصمةً للثقافة الإسلاميّة, أهدي إلى حلب دراسة عن أوّل رواية فنّية عربية, وهي للمفكر الحلبي" فرنسيس المراش". بدأ الدكتور (الصالح) بحثه ممهداً لأهمية دور الرواية العربية في الفكر التنويري, ورأى أنّه مهما يكن صحيحاً أنّ الرواية العربية "ولدت داخل عمومية تنويرية", فإنّ الأكثر صحّة, أنّ الروائيين العرب الروّاد, أمثال: ناصيب اليازجي, وعلي مبارك ورفاعة الطهطاوي, وفرح أنطون, وفرنسيس المراش, وميخائيل الصقال, وأحمد فارس الشدياق, سبقوا مفكري التنوير, أمثال عبد الرحمن الكواكبي, وأحمد أمين, وعلي عبد الرازق, وقاسم أمين, في تعبيرهم عن تلك الحركة, أو في التمهيد لها على نحو أدق, ويؤكد ذلك صدور الأعمال الروائية التي يمكن الاصطلاح عليها باسم "روايات التنوير العربي" قبل صدور أعمال المنوّرين العرب الفكرية, كما يؤكّد ذلك أنّ معظم هؤلاء المنورّين كان يمارس الكتابة الروائية, وأنّ معظمهم أيضاً, قد توسّل بهذا الفنّ, أي: الرواية, للتعبير عن أفكاره التنويرية, وأتى الدكتور (الصالح) على ذكر بعض تلك الروايات, فمنها: رواية رفاعة رافع الطهطاوي: "تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز" (1834), ورواية أحمد فارس الشدياق: "الساق على الساق في ما هو الفارياق" (1852), وروايتا فرنسيس المراش: "غابة الحق" (1856) و"درّ الصدَف في غرائب الصُّدف"(1872), وروايتا فرح أنطون: "الدين والعلم والمال" (1903) و"الوحش الوحش الوحش أو سياحة في أرز لبنان" (1903). وقد بيّن المحاضر أنّ جلّ ما تطمح إليه هذه المحاضرة هو التعريف بالدور الذي نهضت به بواكير الجنس الروائي العربي في حركة التنوير العربية, وإلى استجلاء الإرهاصات الأولى لهذه الحركة كما تتجلى في أعمال الروائيين العرب الرواد, ومثل لذلك برواية "غابة الحق", التي رأى أنها تعكس ذروة ما وصلت إليه تلك الحركة من استلهام لأفكار عصر التنوير الفرنسي ولمبادئ الثورة الفرنسية, وشيئاً من التحول السياسي في الدولة العثمانية. وقد عرض الدكتور "الصالح" لتعريف موجز بحياة كاتب رواية "غابة الحق" "فرنسيس المرّاش", فهو فرنسيس فتح الله مرّاش, ولِدَ في حلب, سنة 1836م, لأسرة عريقة في الثقافة, تلقّى علم الطبّ, في حلب, على يدي طبيب إنكليزي لسنوات أربع, غير أنّه فقد بصره, فتفرَغ للتأليف حتى وفاته سنة 1874, عن عمر لا يتجاوز الخامسة والثلاثين. كما تكلم الدكتور "نضال الصالح" بإيجاز على المؤلفات العشر التي أثمرت عن اعتكاف المراش على التأليف في مجالات فكرية وإبداعية مختلفة وهي: "دليل الحرية الإنسانية", "المرآة الصفية في المبادئ الطبيعية", "خطبة في تعزية المكروب, وراحة المتعوب", "غابة الحق", وهي رواية تمتدّ على مئة وثمان وستين صفحة من القطع المتوسط, كانت موضوع المحاضرة الرئيسي. "رحلة باريس", "الكنوز الغنية في الرموز الميمونية", "مشهد الأحوال", "مرآة الحنساء", "درّ الصَّدَف في غرائب الصُّدَف", وأخيراً: "شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة". وقد ألمح إلى أنّ وعي المرّاش قد تفتّح, وكتب معظم نتاجه المشار إليه آنفاً, في ظلّ تيّار إصلاحي عاصف وقف في وجه الجهل العثماني, لذلك فإنّه كان من الطبيعي أن تصطدم محاولات التنوير بمعوّقات, منها اتهام المرّاش بـ "الكفر" و"التجديفِ", و"العصيان". غير أنّ المرّاش لم يأبه بذلك واستمر في مسيرته التنويرية على نحوِ دلّ على جرأة وشجاعة نادرتين. بعد مضي نصف ساعة تقريباً على بدء المحاضرة أوجز الأفكار التنويرية في رواية "غابة الحق" واختصر كثيراً من بحثه في هذا المجال, وركز على جانب البناء الروائي. وبدا له أنّ الفكر التنويري في هذه الرواية يتسم بتكامليته, على الرغم من أنّ المرّاش لا يضيف, في هذه الرواية جديدا إلى أفكار المنورّين الفرنسيين, لكنه يجعلها صالحة لإطار العصر والمحيط الذي يعيش فيه. ثمّ انتقل المحاضر إلى وصف البناء الروائي في "غابة الحقّ", فقد اشتملت على مقدّمة وثمانية فصول. ورأى أنّ هذا التجزيء للمحكي الروائي ينبئ عن ذهنية تنظيمية, لكنه لا يحررها من تقاليد الجنس الروائي التي طبعت مجمل أعمال الروائيين العرب الروّاد. إذ تهيمن عليها أسلوبية السرد المباشر, الذي يقدّم الأحداث من خلال زاوية نظر الراوي العالم بكل شيء, ويعطيها تأويلاً معيّناً يفرضه على القارئ, ويدعوه إلى الاعتقاد به. وعلى الرغم من أنّ المرّاش يسمّي نصّه كتاباً "كتاب غابة الحق" فإنّ الدكتور "الصالح" يرى أنّ النصّ يفصح عن انتمائه إلى الجنس الروائي منذ مقدّمته التي يظهر فيها التخييل, الذي يصل إلى حد "الرؤيا" التي تنطلق من الوعي بالواقع إلى الوعي بالممكن. ومما رآه داعماً للعنصر الروائي في "كتاب غابة الحق" أنه ينهض على "الحكاية داخل الحكاية" كحكايتي قائد جيش التمدّن عن مواجهة هذا الجيش للملك الظالم, وحكاية العبد ياقوت داخل حكاية وزير محبّة السلام عن مملكة العبودية, ثمّ حكاية أخيه مرجان داخل حكاية ياقوت نفسها. وبذكاء وحرفة التفت الدكتور "الصالح" إلى أنّ تقنية, الحكاية داخل الحكاية, تنتج "المفارقات السردية", التي تتجلّى عبر مظهر سردي محدّد, هو "الاسترجاع", فإنّ حكايتي ياقوت ومرجان خاصة تنتجان نوعاً مميّزاً من تلك المفارقات, هو "الاسترجاع الخارجي", أي ما تظلّ سعته كلّها خارج سعة الحكاية الأصل, أو ما كان حقله الزمني غير متضمَّن في الحقل الزمني لهذه الحكاية, والذي يتجاوز, في هذه الرواية, وظيفته الإخبارية إلى أداء وظيفة تفسيرية تعلي من شأن مهمّة التنوير المميّزة للنصّ. وفي إشارته إلى لغة الرواية, يجد المحاضر أنها لغة الأدب في العصر لغة استعاد الأساليب الأدبية العربية القديمة, ولا سيّما أسلوب السجع, كما في وصف الروائي لملكة الحكمة. وقد علّل كثرة المفردات المعجمية بأنها من السمات الإحيائية المميّزة للغة الرواية, ودلّل على ذلك بكثير من الأمثلة. كما رأى أنه من المهمّ الإشارة, إلى ولع ظاهر بالوصف التزييني الزائد على الحاجة. وأشار إلى أن الرواية تحفل بتنوع السرد, والشعر, والإخباريات. وهذا يشير إلى ثقافة الروائي الواسعة واطّلاعه على تاريخ الأمم والملوك, وأساطير اليونان والرومان, كما ملأ الروائي نصّه بإشارات كثيرة إلى معارفه الطبية, كما في قول ملكة الحكمة معلّلةٌ عدم موافقتها على إرادة ملك الحرية في شنق الملك الظالم وسجن أحفاده وعبيده: "إيّاك أن تفعل هكذا... لئلا نكون كالطبيب الذي يُسرع إلى سفك الدم حالاً في الحميّات الخبيثة بدون ملاحظة المزاج والبنية". وختم المحاضر بحثه بالتأكيد على طغيان خطاب الأقوال على خطاب الأفعال في الرواية, ومسوّغ ذلك ارتهان المحكي برمّته إلى نمط "المؤلّف الضمني" الذات الثانية للروائي الذي يختار موقف المشارك في سرد حوادث الرواية, من غير أن يسرد هذه الحوادث بنفسه, بل ينيب عنه راوياً آخر. بعد ذلك افتتح مدير المعهد د. سلام الكواكبي الحوار مشيراً إلى أنّه اتّصل بابنة المفكر "فرنسيس المراش" ودعاها لحضور المحاضرة التي ستتحدّث عن والدها, لكنها, وللأسف, عندما عرفت أنّ المحاضرة ستلقى باللغة العربية اعتذرت عن عدم الحضور لأنّها لا تفهم اللغة العربيّة. وقد دار النقاش حول السمات الفنّية التي جعلت من "غابة الحق" روايةً, فمنهم من رأى أنّ الأفكار التنويرية تجعل لغتها أكثر خطابيّةً من كونها روائية, أما د. عمر الدقاق فقد رأى أنّ فرنسيس المرّاش كان يحمل هاجساً تنويرياً يجعل من سرده سرداً باهتاً بعيداً عن جمال اللغة الروائية. غير أننا, في سياق الحديث عن كتاب "غابة الحق", يمكن أن نذكر واحداً من أهم أعمال النهضويين العرب الذين بيّنوا آراءهم في مسألتي التخلف والنهضة بأسلوب يقارب الرواية, هو المفكر النهضوي عبد الرحمن الكواكبي الذي عدّه المحاضر تالياً للمشتغلين على السرديات, غير أن الكواكبي وضع ـ هو أيضاً ـ أفكاره بأسلوب روائي, ويتجلّى ذلك في كتابه الشهير "أم القرى", ونجزم أنّ الدكتور نضال لا يغفل عن ذلك, غير أنّ عجالة المحاضرة جعلته يمرّ مروراً سريعاً على أبرز معالم الحركة الروائية العربية, لأن موضوعه الأساسي هو فرنسيس المراش ونتاجه, ونحن ـ هنا ـ لم نأت على ذكر "أم القرى" إلا تبعاً لأهميته الخاصة في دراسة أحوال المسلمين بأسلوب يقارب الرواية مركزاً على أحد العناصر الأساسية فيها, ألا وهو الحوار. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |