جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 28/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

"مرسال الغرام" بين الحداثة والبوح بالمسكوت عنه ـــ محمد رضوان

بدعوة من جمعية النقد في اتحاد الكتاب العرب بدمشق, أقيمت الندوة الشهرية في مقر الاتحاد ـ قاعة المحاضرات ـ في 1/4/2006, الساعة الثانية عشر ظهر, تناولت فيها رواية "مرسال الغرام" للروائي السوري البارز "فواز حداد", وهي العمل الروائي السابع له؛ وقد صدرت عن دار رياض الريس في بيروت 2004 ـ شارك في الندوة كل من الأديب الشاعر "شوقي بغدادي", والدكتور الناقد "رضوان القضماني" بالإضافة إلى الروائي "فواز حداد".‏

أدار الندوة مقرر جمعية النقد د. عبده عبود مرحباً بالحضور, وفي مقدمتهم د. حسين جمعة رئيس الاتحاد والأديب غسان كامل ونوس عضو المكتب التنفيذي ـ مسؤول الجمعيات ـ كما خص بالترحيب والتقدير الروائي المبدع "فواز حداد" بعبارات الاحترام والإعجاب بنتاجه الإبداعي الخلاَّق في الحقل الروائي. ثم ألقى د. حسين جمعة رئيس الاتحاد كلمة حيّا فيها الروائي فواز حداد, والمشاركين في الندوة بقراءاتهم النقدية, وخصّ بالذكر الأديب الشاعر "شوقي بغدادي" لِما له من أياد بيضاء في مسيرة الاتحاد. ثم حيّا جمعية النقد الأدبي على الجهود المبذولة, ونجاحها في إنجاز مهامها وأهدافها, والتواصل الجميل الذي يتم عبرها بين الفعاليات الثقافية داخل الاتحاد وخارجه؛ "والدليل على ذلك, هذا الذي يتم الآن أمامنا بين الشاعر والروائي والناقد بتفاعل إبداعي خلاق وإيجابي" ثم اختتم كلمته بكلمة شكر وتقدير لجمعية النقد متمنياً لهذا النجاح وتحقيق أهدافها المستقبلية في استقطاب الأدباء والمبدعين, داخل القطر وخارجه.‏

واستأنف الندوة د. عبده عبود, متحدثاً بإيجاز عن أهمية رواية "مرسال الغرام" فكرياً وفنياً, مما جعلها تختلف عن روايات فواز حداد السابقة بثرائها, ثم مقدّماً الأديب الشاعر شوقي بغدادي, للتحدث عن الرواية.‏

ركّز شوقي بغدادي ـ المعروف بذائقته النقدية الرفيعة ـ على المسارين الرئيسين في الرواية: ـ السيناريو , ـ قصة أم كلثوم ـ إذ استطاع في القراءة الثانية للرواية, إزالة السؤال الذي كان يقلقه: "هل كانت قصة أم كلثوم مقحمة؟" وذلك بالتقاطه ـ كما قال ـ أسرار اللعبة الفنية في البناء الروائي لـ "مرسال الغرام", مستطرداً في تقديم بعض المفاصل الأساسية للرواية, بشيء من التفصيل عن الأحداث والشخصيات, والحوار فيما بينها؛ متسائلاً عن نحو من الاستنتاج: "هل هناك حب حقيقي أم لا؟. وبالتالي ما هي الصورة الحقيقية للوجود البشري..؟!‏

رواية "مرسال الغرام" ـ يتابع شوقي بغدادي ـ تحاول أن تقدم, إزاء ذلك, رؤية فلسفية مؤرِّقة, عبر البوح بالمسكوت عنه, مؤكداً تشابه المسارين/ ـ السيناريو وأم كلثوم/ إلى درجة التماهي في نبش حقائق الحياة وخفاياها, ولهذا لا يمكن استغناء أحدهما عن الآخر وبالتالي ليست قصة أم كلثوم مضافة إلى النص ولا مقحمة, إنما تشكل نسيجاً متماهياً مع العمل الروائي ككل.‏

ثم قدم د. رضوان القضماني مداخلته الألسنية المعمقة, مفتتحاً القول: "إن أسوأ ما في القراءة الروائية هو تشريحها والفذلكه بشأنها" مؤكداً أن قراءة الرواية هي: استنطاق لها, ومحاولة للكشف عن المنظومة التي تربط بين مستوياتها وعلاماتها وتشكيلاتها, والتي أبرزت دلالاتها.‏

على أن الرواية ـ يتابع د. قضماني ـ سردٌ لمجموعة من الحوادث, ورصدٌ لشخصيات ولعلاقات معينة, تحكمها مجموعة من الروابط السّردية التي تكوّن عالم الرواية.‏

بعد هذه المقدمة تحدث د. قضماني عن رواية "مرسال الغرام" معتبراً هذه الرواية "حلقة جديدة في تطور الرواية السورية" وهي "حلقة أخيرة في حداثة هذه الرواية" فقد بُنيتْ "مرسال الغرام" على علاقة التناظر بين المتخيَّل والمتذكَّر؛ بين التعاقبي والتزامني. وهي علاقة قام عليها تصوير الواقع الراهن/ العربي عموماً والسوري خصوصاً/, في تداخل زمني بين "التعاقبي" و"التزامني" ليشكّلا الفضاء الزمني لرواية "مرسال الغرام" وهو فضاء زمني لواقع الهزيمة في زمن أم كلثوم.‏

بدءاً من مصر الملكية إلى عبد الناصر في أوج صعودها القومي والوحدوي إلى سورية في القرن الجديد.. يقول د. قضماني عن الزمن في "مرسال الغرام" إنه "زمن يراوح في مكانه, يمضي وكأنه لن يمضي..., تبدو الحياة فيه وكأنها تتعثر, تتحرك متأرجحة بين ماصٍ لا تعرف كيف تخرج منه, ومستقبلٍ لا تعرف كيف تدلف إليه". وعن المكان يقول: "إنه صورة بانورامية لدمشق وما يجري فيها, على السطح وفي العمق, إنه فضاء الرواية الزمكاني, الذي تتكشّف فيه آليات الفساد والفاسدين".‏

ثم تناول د. قضماني بشيء من التفصيل" المسائل الملحّة التي تطرحها رواية "مرسال الغرام". وهي ثلاث:‏

1 ـ الرواية ووعي المجتمع.‏

2 ـ الرواية والثقافة.‏

3 ـ بنية الرواية المركبّة وتقنياتها السردية, ولغتها".‏

وهي غاية في الأهمية. لكن المجال لا يتسع لها هنا في هذه العجالة.‏

بالإضافة إلى ذلك, ركّز د. قضماني على "الحكاية" معتبراً إياها الأرضية الأهم التي ينهض عليها السّرد الروائي, والقصص أيضاً, إذ ترتبط بالحكاية المعادلة التي تقوم عليها الرواية للإيهام بالواقع. مع تصوير بنية حكائية متخيلة, تكاد تنفصل عن الواقع وتتحرك فيها الشخصيات.‏

وقد دعّم رؤيته بأمثلة من النص الروائي, بشيء من التفصيل, مؤكداً أهمية وظيفة الحكاية في النص الروائي, واختتم د. قضماني حديثه عن اللغة في /مرسال الغرام/ واعتبرها إنجاز لغةٍ مجتمعة هجرت الكتابة الزخرفية المحترمة, والتزَمَت بلغة الحياة لغة الرواية الجديدة.‏

وعبر شهادة مكثفةٍٍ, وذات رؤية ثقافيةٍ معرفيةٍ عميقة, قدّم الروائي "فواز حداد" تصوراً عاماً عن تجربته الروائية بشيء من الحميمية والوعي, عبر التفاعل الحي بين الروائي والحضور؛ مشيراً إلى أن الرواية التي يكتبها لها علاقة قوية بالزمان والمكان, دون أن يستأثرا بها, "رواية تغرف من التاريخ من غير أن تلتحق بصفحاتهِ؛ ليس لأنها لا تضاهيه بل لأنها تنحو إلى عقد شراكة معه؛ يمنحها المادة الخام, وبالمقابل تمنحه شبهة الحياة, مموّهة بوقائع وأحداثٍ مَضتْ" ثم يدعم رؤيته العميقة في فهم العلاقة بين الرواية والتاريخ قائلاً:‏

"عندما كتبتُ روايتي الأولى "موزاييك" عكست دمشق في العام 1939 ـ أيام الانتداب الفرنسي, وكانت سوريا على أبواب الحرب العالمية الثانية.‏

وفي رواية تياترو 1949 ـ سجّلتُ وقائع الانقلاب الأول, المنعطف الأكبر في الحياة السياسية السورية بعد الاستقلال, أما رواية "الضغينة والهوى" فأبرزتُ فيها الوقائع السّرية للصراع بين الغرب والشرق في منطقتنا على عدة مستويات, في منتصف القرن الماضي. بينما تجاور الماضي والحاضر على خطين متوازيين في رواية "مرسال الغرام": ما يطرحه الأول يجيب عنه الثاني وبالعكس.‏

ويعترف ـ فواز حداد ـ بما يشبه البوح الوجداني في ارتباطه بالمكان: أن دمشق تشكل المكان الروائي التخييلي بالنسبة له, لأن دمشق مكانه الشخصي والواقعي, استعاد ويستعيد ملامحه القديمة من الصور والمخططات, والحلم والمشاعر والذكريات واختتم شهادته بأن الرواية "شيءٌ ما أقرب إلى الحياة, نحاول أن نتمثلها, وتتراءى لنا على الورق من خلال زمنٍ يتدفق, ومكانٍ يتغيّر, وحبكات فالتة ومشدودة, وشبكةٍ تضلّ فيها اللغة مهما بلغة من الدقّة, وسردٍ طويل يقترب نحو النهاية, وبلا نهاية.‏

ومعمارٍ نجهد ألاّ ينهار فوق رؤوسنا؛ نزعم أننا نرمم الحياة, فيما نحن نرمم ذواتنا, ونحاكي عبث الحياة بعبث الرواية".‏

بعد ذلك أدار د. عبده عبود الحوار متسائلاً: هل تكفي قراءة واحدة لرواية بهذا الحجم والزخم..؟. يجيب: في اعتقادي أنها تحتاج إلى أكثر من قراءةٍ للدخول إلى عوالمها" مؤكدة وحدة المسارين في الرواية/ اللذين أثارا جدلاً بين المشاركين في مداخلاتهم/ وهما يشكلان الفضاءَ الروائي الواحد, من خلال تقاطعات متعددة متنوعة. وتساءل د. غسان غنيم عما قاله د. قضماني عن "اللغة الشعرية" وماذا تعني في النص الروائي. وقد أجاب د. قضماني على ذلك بأن اللغة الشعرية لا تعني الشعر, إنما هي وظيفة من وظائف السرد, وهي تشكيل لغوي يعبر بالسرد عن عوالم تخييّليه داخل الخطاب الروائي.‏

ثم تحدث د. خليل الموسى عن المنهج الذي استخدمه د. قضماني في دراسته, وهو المنهج الألسني/ مبدياً بعض الملاحظات, ومؤكداً على أن العمل الروائي نصّ يقدم جمالياته كافة.‏

"وهو ليس لغة شعرية فقط" مدعّماً آراءه من خلال "رولان بارت" و"جان كاهين".‏

وقبل الاختتام, أجاب الروائي "فواز حداد" على جميع الأسئلة والهواجس والآراء التي وجِّهتْ إليه حول "مرسال الغرام", وغيرها.‏

ثم شكر د. عبده عبود الجميع, على تلبيتهم الدعوة. ومشاركتهم الفعالة في هذه الندوة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244