جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 28/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

السرد القصصي في سورية ـــ د.سمر روحي الفيصل

استقرّت في ستينيات القرن العشرين تقاليد السرد الواقعي في القصة السوريّة القصيرة, وبدا واضحاً آنذاك أن هذه التقاليد الفنيّة لم تخرج عن بناء حكاية واضحة الشخصيات والحوادث, وعن رسم حبكة منطقيّة ذات خواتيم محدَّدة, فضلاً عن التقيُّد, شبه الصّارم أحياناً, بالتشابه وليس التطابق بين الواقع الفنيّ التخييليّ والواقع الخارجيّ الحقيقيّ, ويُعزَى الفضل في ترسيخ هذه التقاليد الفنية إلى مجموعة من أعلام القصة, كعبد السلام العجيلي ومراد السباعي ووداد سكاكيني ونسيب الاختيار وفاضل السباعي وسعيد حورانية وعادل أو شنب وياسين رفاعية وغادة السمّان وناديا خوست وقمر كيلاني ووليد مدفعي وغيرهم, جاؤوا بعد الرّواد الأوائل, وطوّروا أشكال الحكاية السردية ليصنعوا من الواقع فناً ماتعاً, ونجحوا في أن يرسِّخوا القصة السورية الواقعيّة في الأدب العربيّ الحديث.‏

وعلى الرّغم من أن الالتزام دفع بعض هؤلاء الأعلام إلى سردٍ قصصيّ ذي خطابيّة ومباشرة واضحتين, فإن الكثرة الكاثرة منهم بقيت مخلصة للسرد الواقعيّ ذي الأساس الحكائيّ. وهذه الكثرة هي التي عملت بإصرار على تذليل السرد لحاجات الواقع السوريّ الجماليّة, وخصوصاً رسم الشخصيات التي تُوهم أفكارها وسلوكاتها بانتمائها إلى الواقع الاجتماعيّ السياسيّ العربيّ, وابتداع حوادث متخيَّلة تُوحي بحوادث حقيقيّة مستمدّة من الواقع المحيط بهؤلاء الأعلام, وكانت الذروة الجماليّة في قصص هذه الفئة المجوِّدة للسرد؛ فئة عبد السلام العجيلي وبديع حقي وفاضل السباعي.., تكمن غالباً في المزج الفني الماتع بين الشخصيات والحوادث في حكاية قادرة على جذب المتلقي والرسوخ في ذاكرته, وفي ذلك الحسّ الانتقاديّ للواقع المحيط بها, المتسم بالحراك الاجتماعيّ والتطلعات السياسيّة الكبرى.‏

ومن البديهيّ ألا يكون السرد واحداً في قصص هؤلاء الأعلام؛ لأن اشتراكهم في الحكاية السرديّة لا يعني إتباعهم نمطاً سردياً واحداً. بل إن أنماط السرد اختلفت بين قصص البدايات المتشبُّثة بالحكاية وحدها, والقصص اللاحقة التي بدأت الشخصيات والوصف والأفكار فيها تنازع الحكاية على السيادة دون أن تتخلّى عنها. ذلك أن السرد في قصص العجيلي اختلف بين (بنت الساحرة) المطبوعة عام 1948, و(ساعة الملازم) المطبوعة عام 1951, و(قناديل إشبيلية) المطبوعة عام 1956, و(الحب والنفس) المطبوعة عام 1959. فقد كانت الشخصية تتبع الحكاية, وتبدو ظلالها باهتة فيها, ثم شرع التوازن بين الحوادث والشخصيات يبرز متأبطاً تنويعاً في الحبكات القصصيّة. وكان النمط السردي المسؤول عمّا قدّمه العجيلي مغايراً للنمط السردي الوصفي ذي المسحة الرومانسيّة الذي قدَّمه بديع حقي في (التراب الحزين ـ 1960), والنمط السردي الشائق الذي عبّر عن توازن فني بين الشخصية والحدث والوصف والزمن في الحكاية القصصية عند فاضل السباعي في (الشوق واللقاء ـ 1958) و(حياة جديدة ـ 1959), فضلاً عن مهارة السباعي في انتقاء الألفاظ الدالة والجمل المعبّرة, ودقّته في استعمال علامات الترقيم وبراعته في ابتداع الحبكات القصصية.‏

ولم تكتف سبعينيات القرن العشرين بحفز السرد الواقعي إلى ارتقاء ذروة البناء الفنيّ, بل راحت تطرح سرداً قصصياً نقيضاً, ليست فيه إشارة إلى أبيه الواقعيّ, أو اعتراف بالوضوح الذي يربطه بالحكاية, وقد تسنّم بعضٌ من الجيل الجديد من القاصين مسؤوليّةَ هذا السرد, وشرع ينغمس في موجة (الحداثة), ويُعبِّر عنها في أدبه القصصيّ, كما هي حال عبد الله أبو هيف في (موتى الأحياء) ـ 1976), ونبيل جديد في (الركض فوق الأسطحة ـ 1976), وزهير جبُّور في (الورد الآن والسكين ـ 1979). وكان واضحاً آنذاك أن السرد في قصص القاصين الجدد أصبح بديلاً من الحكاية, بل إن القصة أصبحت سرداً ليس غير. وهذا السرد لا يُقدِّم حوادث وشخصيات, ولا يهتّم بالزمن والحبكة؛ لأنه مشغول بمحاولة استبطان الذات الداخليّة في مواجهة الخارج الضاغط. كما أنه سرد غير منطقيّ, تتوالى فيه الجمل على غير نظام تعباً لابتعادها عن الحال المتّسقة التي يفهمها العقل لترتّيبها بما يلائمه. وقد تُرِكَ الإحساس بهذه الجمل وتقديرها واستيعابها لذات المتلقي, فهي وحدها القادرة على تفسير دلالاتها من خلال (الوصف) الذي أعلت من شأنه, ووطدت أركانه, وجعلته وصفاً تعبيرياً بعيداً عن المهمّة التزيينيّة التي حمل أخوه السرد الحكائيّ عبء تقديمها للمتلقي, ويمكنني تسمية هذا السرد بالسرد الذاتيّ نسبة إلى مرجعه في مخيّلة صاحبه وفي دخيلة متلقيه. فصاحبه القاصّ يُقدِّمه تبعاً لإحساسه الذاتيّ بالأشياء, وقدرته اللغويّة على التعبير السرديّ عنها, ومتلقيه يتلقاه بأحاسيسه, وبحسب ثقافته وخبرته في التفاعل مع النصوص الحديثة. وقد اتُّهم هذا السرد الذاتيّ بالغموض, وهو كذلك حقاً؛ لأنه يقصد الغموض ويرى الوضوح مغايراً لبناء القصة الحديثة. كما اتُّهم بفقدان الوظيفة, فكان ذلك دليلاً على أن متّهميه تنقصهم المعرفة بأن السرد الجديد يُقدِّم وظيفة فنية إيحائيّة, لا علاقة لها بالوظيفة الاجتماعية المباشرة التي عدّها السرد الحكائي هدفاً رئيساً له. ولم يكن ذلك كلّه بعيداً عن التأثير في بنية السرد القصصيّ. فقد مال السرد الذاتيّ أوّل الأمر إلى شيء من الرمز, وكثير من التجريد, ولكنه سَرْعان ما اعتدل, وجعل التكثيف هدفاً له, فاتجهت القصة إلى (القِصَر) بدلاً من (الطول), وتخلّى السرد الذاتي عن قَدْرٍ من الحوار, واصطنع أحياناً الهوامش الشَّارحة, كما فعل نبيل جديد, مستفيداً من تقنيات البحث العلميّ, موظّفاً الهوامش في بناء نصّين سرديين في قصة واحدة, يحلُّ أحدهما محلَّ المتن, والثاني محلّ الهوامش.‏

شهدت السبعينيات شكلاً ثالثاً من أشكال السرد القصصيّ,اشتهر به زكريا تامر في الستينيات, واستمرَّ علماً عليه في السبعينيات, دون أن ينافسه أحدٌ فيه على الرغم من أن هناك مَنْ حاول تقليده والسير على منواله. وهذا السرد التامريّ تعبيريّ, يبدو شكله واضحاً في لغته وفي اصطناعه الحدث واستدعائه الشخصية, ولكنّ مؤدّاه غريب, يقلب المألوف, ويُبعد السائد, لينقد الظلم والقمع والاستبداد, ويوحي بقيم الحقّ والخير والجمال. ولقد حيّر هذا السرد التعبيريّ النقد الأدبيّ حين استعمله زكريا تامر في كتابة قصص الأطفال, فأصبح السؤال أكثر عسراً؛ لأن الإجابة عنه تحتاج إلى التمييز بين سردٍ خاصٍّ بقصص الكبار وسردٍ خاصٍّ بقصص الأطفال, وهو تمييز عسير, بل إنه مستحيل أحياناً لتطابق المكوِِّنات السرديّة في قصص الكبار والأطفال معاً.‏

تلك في اعتقادي, أشكال السّرد الثلاثة التي دخلت ثمانينيات القرن العشرين, وراحت تتوزّع قلّة وكثرةً بين القاصين السوريين الذين زاد عددهم واتسعت فرص نشر نصوصهم, وهي نفسها الأشكال التي استمرّت حتى نهاية القرن العشرين, وإنْ شبَّ عن الطوق في بدايات التسعينيات فتى كان وليداً في السبعينيات وطفلاً في الثمانينيات, هو السرد في القصة القصيرة جداً. فقد اجتمعت في هذا السرد التقنيات التي عرفتها الأشكال السرديّة الثلاثة السابقة: الوضوح والحكائيّة من السرد الواقعي, والغموض والتركيز من السرد الجديد, والغرائبيّة من السرد التامريّ. واستطاع أصحابه السوريون والفلسطينيون المقيمون في سورية منحه ميزة إضافية, هي (التقطير), بمعنى أنهم قدّموا في سردهم خلاصة للتكثيف والتركيز والرمز والتجريد والغموض والوضوح, ولم يُقدِّموا خليطاً يجمع المتناقضات السرديّة, أو يحاول الانتقاء منها؛ لأنهم محقون في إيمانهم بأنهم يكتبون سرداً جديداً يلائم العصر التقني, دون أن يتنصّل من نسبه القصصيّ العريق, أو يدّعي عدم إسهامه في الإصلاح ونقد الفساد وكلّ ما له علاقة بالوظيفة الاجتماعيّة السياسيّة التي تتحقّق بوساطة الفنّ القصصيّ.‏

إن الأشكال السردية الأربعة السابقة هي الأشكال السائدة الآن في القصة السورية القصيرة. وهذه الأشكال تميز الاتجاه السرديّ العام عند هذا القاصّ أو ذاك, ولكنها لا تميز قاصاً من آخر داخل الاتجاه الواحد. وبتعبير آخر فإن مجموعتين قصصيتين واقعيتين لابدَّ من أن تختلفا في السرد الواقعيّ الذي تشتركان فيه. بل إن السرد يختلف بين قصة وأخرى في قصص القاص نفسه, فكيف يمكن له أن يبقى واحداً في قصص المنتمين إلى اتجاه سردي واحد مهما يكن هذا الاتجاه واضحاً محدَّداً عندهم جميعاً؟. السرد إذا أردنا الدقّة تقنية واسعة متعدِّدة الجوانب. فهناك السرد الواقعيّ الصِّرف الذي يُسمِّي الأشياء بمسمّياتها الحقيقيّة دون أن يخرج عنها, والسرد الواقعيّ الترميزيّ الذي يوحي بالأشياء ولا يصرِّح بها, والسرد الواقعيّ السَّاخر الذي يمزج مزجاً فنياً بين صفات السردين السابقين: الواقعيّ الصِّرف والواقعيّ الترميزيّ, ويضيف إليهما صفات السرد الواقعيّ الانتقاديّ, فضلاً عن صفات أخرى كالتنويع في الوصف, والتوسُّل أحياناً بالشخصيات التاريخيّة, والتركيز غالباً على الجوانب السوداء في المجتمع, واتخاذ المواقف الفكهة تُكأةً وهدفاً في الوقت نفسه. فهل يمكن القول بعد هذا كله إن هناك سرداً واقعياً واحداً.‏

حيث ننقل السؤال السابق نفسه إلى السرد الجديد أو السرد في القصة القصيرة جداً نرى دلالته العامة لا تختلف في الوسيلة الفنية التي تخبر المتلقي بالأشياء التي يرغب القاص في أن يُطلعه عليها, ولكنها تختلف بن قاص وآخر, وبين اتجاه وآخر, في الطبيعة والاستعمال وفي المحمول الثقافي أيضاً. فطبيعة السرد الذاتي في قصص (موتى الأحياء ـ 1976) لعبد الله أبو هيف تتسم بقدرٍ كبير من الغموض والتكثيف, في حين تبدو طبيعة السرد الذاتي نفسه في مجموعة (ذلك النداء الطويل الطويل ـ 1984) أكثر شفافية, وأقرب إلى الوصف التعبيريّ, وأشدّ نقاءً في المفردات والتراكيب. ولعلّ اختلاف الطبيعتين عائد إلى أن الفارق الزمني بين المجموعتين, وهو ثماني سنوات تقريباً, كان له تأثير في التطوّر الفني. ولكن الفارق الزمني ليس معياراً سرمدياً لاختلاف طبيعة السرد, إذ رأيناه يتغير بين مجموعتي نضال الصالح (مكابدات يقظان البوصيري ـ 1989) و(الأفعال الناقصة ـ 1990), على الرغم من أن الفارق الزمني بينهما لا يجاوز سنة ونصف السنة, كذلك الأمر بالنسبة إلى الاستعمال والمحمول الثقافيّ في قصص أخوين, هما سحبان سوّاح ووائل سوّاح. فالسرد الواقعي واحد في استعمال الأخوين, ولكنه يضم قدراً من الغموض الفني في قصص (الموت بفرح ـ 1976) لسحبان سوّاح, وفيضاً من الوضوح والتحديد في قصص (لماذا مات يوسف النجّار ـ 1979) لوائل سوّاح, حتى إن المتلقي لهاتين المجموعتين لا يستطيع التكهُّن بأن القاصين أخوان تعرّضا لمؤثِّرات ثقافيّة واحدة في بدايات حياتهما. كذلك الأمر بالنسبة إلى أخوين آخرين هما فاضل السباعي ونادر السباعي. فمن يقرأ (الابتسام في الأيام الصعبة ـ 1983) لفاضل السباعي, بما فيها من سرد واقعي حكائيّ ماتع, ثم يقرأ قصص (نجوم بلا ضياء ـ 1984) أو المجموعة السابقة عليها (أقنعة من زجاج ـ 1980) لنادر السباعي, لا يستطيع التكهُّن بأية صلة بين هذين الأخوين القاصين اللذين يستعملان سرداً واقعياً حكائياً واحداً.‏

أرغب في أن انتهي إلى نتيجة محدَّدة, هي أن السرد القصصي ليس واحداً, بل هو متعدِّد متنوّع متكِّثر, بين القاصين دائماً, وبين قصص أيّ واحد منهم غالباً. وهذا هو السبب الذي يسوّغ القاعدة النقدية القائلة إنه لا سبيل إلى معرفة المستوى الفني للقاص ما لم يُحلَّل السرد القصصي عنده. إذ إن وراء كلِّ سردٍ سارداً يُوجِّهه, ويُحدِّد أنماطه, ويُضفي عليه نكهته ومتعته الجماليّة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244