|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ضحكات العصافير ـــ عزيز نصار اتجهت المديرة نحو باحة المدرسة انخفضت الأصوات, وتحولّت إلى همسات نحيلة نقّلت نظراتِها بين الطالبات. لاحت طالبة سمراء ينسدل الشعر الملتمع على كتفيها. عيناها ممتلئتان بالدموع. ألقت المديرة عليها نظرة عجلى, وتابعت الجولة, ولم تسألْ عن سبب بكائها. عينان باكيتان حزينتان, شيء غير هام, ولا يضايق المديرة الحازمة, لم تشعر بإشفاق أو حنان. هذا ما جرى في الفرصة الأولى, وفي الفرصة الأخيرة غادرت المديرة مكتبها, وانطلقت إلى باحة المدرسة. تناهتْ إلى سمعها ضحكات تنبثق من الأعماق. إنه الضحك الصاخب الصافي البهيج. اقتربت دون أن تنتبه الطالبة السعيدة, تفَّحصتُها, زلزلَ الغضب كيانها. فاجأتْها الضحكات وأدهشتها أهي واهمة؟ استمعت بذهول, واستغراب إلى الضحكات النقية البريئة, إنها لا تقوى على احتمال الضحك. أيُّ عبثٍ في المدرسة؟ أيّ استخفاف في النظام؟ عبست المديرة وتجهّمتْ. هل هذه نتيجة جهودها لتكون المدرسة مثالاً للانضباط؟ لن تسمح بأن تعم الفوضى. تعوّدت أن تواري عواطفها. لم تعرف الضحك فكأن سعادة الآخرين تبعث فيها الانقباض والضيق. كأن الضحك يثير في نفسها الحسد والغيرة المتأجّجة. لماذا لا تفرح مع السعداء؟ بكاء الطالبة يمكن غض النظر عنه, يمكن لها أن تبكي دون أن تعصف بقيم التربية وحيطان المدرسة. أما الضحك فمن الصعب أن تشارك فيه لأنها لا تشارك الناس في مسرّاتهم وأفراحهم بالبساطة ذاتها. لا تتسامح مع مَنْ يخطئ. ضحكٌ داخل جدار المدرسة أيّ جنون؟ هذا محرّم هنا. عبّرت الطالبة عن فرحتها وسرورها. وحولها رفيقاتها يستمتعن بالحديث, والضحك, ضحكة تلك الطالبة كانت الأشد. ضحكاتهن كالينبوع السعيد. وضحكتها هي كالشلال القوي. تلك الضحكات تتحدى المديرة. تتحدى حزمها وهيبتها, طالبة يتمايل جسدها من المرح, هذا ذنب ولابدّ من القصاص. استعادت المديرة صوراً من الماضي, الأب جادّ صارم, والأم تمنع الضحك, والابتسام. البنت المهذبة لا ترفع عينيها. ولا ترفع صوتها. البنت الفاضلة لا يسمع أحد ضحكاتها. استعادت المديرة طفولتها. تذكرت الأم ونظرات الانكسار في عينيها تقول لبناتها حين يضحكن: ـ حفظنا الله من العواقب. كانت تصرخ ناقمة, وتهدّد بأن مصيبة ستحل بهن, أو أن صاعقة ستضرب البيت وتحرقه, كم تأثرت المديرة بأمها. علمتها أن تكون متجهمة, الضحك ممنوع على الفتاة في البيت, ممنوع في الشارع والمدرسة, عادت الذكريات بها إلى الدراسة الجامعية وإلى عناء العمل, ومتاعب الأسرة إنها تشبه المسافر في صحراء مترامية الأطراف, وتتوق نفسها إلى واحة خضراء تزهو بالأمل والفرح. كاد ما حققته من نجاح وتفوّق ينقلب إلى هزائم في عينيها أين هي الآن من الفرح؟ كم تمنت أن تقطف ثمار العالم, وتتمتّع بحقها في الحياة. الوجود مزدحم بالهموم والأعباء, وعليها أن تبتسم وتمتلك الجرأة على التصدي لها. تشرق الشمس كل صباح إلا أن الظلام يبقى في الأعماق, مديرة حازمةٌ صارمةٌ الوجه. صارمةُ القلب تملأ الأشجان صدرها, تعروها حالة من الكآبة والضجر, فلا تعبر عن مشاعرها, انفعلت الطالبة في الفرصة الأولى فبكت بكاءً مرّا, فرحت في الفرصة الأخيرة, فأطلقتْ ضحكاتها بنشوة. ضحكت من أعماقها, ما أروع الحياة عندما نحياها بقلوبنا بكل بساطة وصدق! لماذا لا يمكن لطالبة في عمر هذه الفتاة أن يضج كيانها بالضحك؟ انتبهت الطالبات للمديرة. ساد سكون شامل ما رأتْها واحدةٌ منهن يوماً تضحك أو تبتسم. رأت الطالبة الضاحكةُ المديرةَ تقترب منها خنقت الضحكة, خفضتْ عينيها. وارتعدت كعود من القرنفل. تسارعت دقات قلبها تمنت أن تفرّ كظبية خائفة, انتابها حياء واضطراب. انهارَ الفرحُ وارتفعت أسوار المدرسة, الأسئلة تحاصر المديرة. أسئلة كثيرة بلا أجوبة. هل تعني الإدارة الناجحة التهيب والخوف؟ لماذا لا تكون مباهج الحياة جزءاً من المناهج؟ رؤوس الطالبات مطرقة إلى الأرض. ماذا تفعل المديرة, والطالبة أمامها كقصبة نحيلة مرتجفة. ربما توبخها وتعنّفها تعنيفاً شديداً, فقد خالفت التعليمات الحازمة, تزاحمت الأفكار في رأس المديرة تتراءى لها سنوات حياتها الآفلة. ألن تبتهج لفرح الفتاة؟ ألا تلقي بهموم العالم وتضحك مثلها؟ لو تحس بفرحة تنبع من أعماق القلب, لو يمتلئ العمر بالمشاعر العذبة الجميلة. إننا لم نولّد للشقاء والأشجان. ولكن لماذا استقرّ في أعماقها أننا لم نولد للسعادة, والمسرّة؟ طالبة في شفتيها ربيع مندفع, مديرة في شفتيها خريف رصين كئيب. وكفى ما اكتأبتْ وحزنتْ لعلها تقول للطالبة: ـ ظلِّي كما أنتِ وردة عبقة, وفراشة سعيدة, اضحكي دون عُقَدٍ وهموم داخل أسوار المدرسة, اضحكي تزدهر الأرض والجدران والنفوس, وينتشر أريج الفرح في الفضاء. انتظرت الطالبة أن تقول المديرة شيئاً. تستطيع معاقبتها فهل تعتقل أحلامها بالفرح, والسعادة؟ أتكون المديرة جرحاً نازفاً ودمعةً لا تتوقف. ووجهاً مبّللاً بأمطار الحزن؟ إنها المرة الأولى التي تجرؤ فيها طالبة على الضحك هكذا. أتفرح المديرة أم تكتئب؟ أمران مختلفان عيون الطالبات تحيط بها, ليتها تضحك كطالبتها. ضحكة هي زقزقة العصافير وخرير الينابيع. ضحكة هي نعناع البرية, ضحكة هي فلّ, وياسمين وهي قطرة ندى. أيّ شيء في الدنيا يساوي السعادة؟ ماذا لو زرعْنا الضحك في كل مكان, وضحكنا كالأطفال في براءة ونقاء ومرح؟ تسأم النفوس من النظام الصارم, ومن الجِدِّ والعناء ينتابها الضجر من رتابة الأيام القاتلة. أحست المديرة بمشاعر متناقضة. كل حياتها مهدورة إذا لم تعانق الضحك. وقفت حائرة كانت لديها رغبة قديمة أصيلة بالفرح ولم تستطع تلبيتها. رغبة لم تستطع إرواءها وإشباعها. فماذا تريد من الحياة؟ أحست بالتردّد والاضطراب, بذلتْ جهداً شاقاً لتتخذ القرار, كيف يعيش الإنسان إذا لم يلعب, ويحب ويضحك؟ ودّت لو تستدير وتعود لمكتبها, وفكرت أن تقترب من الطالبة وتصرخ فيها مهدّدة. كيف يذوي العمر عاماً فعاماً بلا رفيف ابتسامة؟ لم تتعلم لغة الضحك, الحيوانات لا تعرف هذه اللغة, والصخورُ لا تضحك. الإنسان يضحك وحده, والأطفال الأبرياء يضحكون قبل أن يلتقطوا الكلمات. فهل تفسح المديرة مكاناً للضحك والمرح؟ وهل أخطأتْ في حق نفسها؟ أيّ أمل يخادعها بلا ابتسامة؟: الضحكة تنبثق نجمة مضيئة, وتبزغ كزهرة رائعة تبدو الحياة دون بهجة رحلة شاقة. متى يشتعل الصدر بالأماني؟ وهي المديرة الصارمة, أليست عصفورة مكسورة الجناح؟ انطفأت مشاعرها الدافئة وتلاشت منذ دهور. فماذا تنتظر؟ تدور الأيام والفصول تمتلئ أشجار المدرسة بالأوراق الخضراء وتتعرّى, فينطفئ بريق العينين. ولا تشرق ابتسامة على الوجه. تمنت أن ترتفع في الهواء كعصفورة سعيدة. تمنت أن تبتسم تمنت لو تضحك في فرح مجنون. أليس الإنسان هو الكائن الضاحك؟ عليها أن تختار. مديرةٌ كشمس غاربة تلج عالم الكهولة. وفتاة كزنبقة رائعة. وقفت المديرة أمام الطالبة وجهاً لوجه, عيناها زائغتان, والحيرة تنتابها إنها ستحسم الأمر, وتتخذ قراراً لعلها تمتحن نفسها فيه. راحت تضحك, وتضحك دون إرادة منها. والطالبات من حولها سربٌ عصافير. علْت أغاريده وصوتُ اصطفاق أجنحته على كل الأصوات. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |