|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
فنون راسخة.. فنون عابرة ـــ وليد معماري قارن معلمي الأديب الراحل يوسف إدريس/ وهو طبيب، ترك مهنة الطب، وتخلّى، طوعا ً، عن لقب/ دكتور/ وتفرغ لكتابة قصص مصاغة بمبضع جراح ماهر، ومؤلم... بين صنعته الشاقة، وبين راقصة تهز خصرها لمدة عشر دقائق، وتحصل على تعويض مالي، يعادل كل ما يحصل عليه الكاتب خلال نصف قرن... وتقول المرويات الصحفية أن أستاذ الرواية العربية نجيب محفوظ، توقف بسيارته الضئيلة عند إشارة مرورية.. ومن باب المصادفة، توقفت إلى جانب سيارته سيارة يبلغ طولها تسعة أمتار ونصف المتر لفيفي عبده... وتفضلت السيدة فيفي بفتح نافذة سيارتها وقالت لنجيب محفوظ، وهي تشير إلى سيارته: " آدي نتيجة الأدب يا سي محفوظ؟..".. فأشار الأستاذ إلى سيارتها، وقال لها: " ودي نتيجة قلة الأدب يا ست فيفي"!.. وأسر لي (الزعيم) زهير جبور، وهو رئيس فرع اتحادنا في اللاذقية، بأنه عمل كصبي (مكنسيان)، إلى أن بلغ العشرين من العمر.. وكان يقرأ كثيراً، إلى أن أدركته حرفة الأدب، ومالت به الحرفة الجديدة إلى اختيار المردود القليل، إلى جانب العمل الكثير... وعض زهير على بنانه ندماً.. وقال: لو أني تابعت عملي في الميكانيك.. لأصبحت الآن (أوسطا)!.. وكما عمل (الزعيم) في ورشات الميكانيك، عملت أنا أيضاً في ورشات الإسمنت.. حتى بعد تخرجي من الجامعة، ولا تزال آثار جفاف الإسمنت مطبوعة، لمن يقرأ، فوق ظاهر يديّ... ومع ذلك.. اخترت الكتابة مهنة لي، على مشقتها.. وأظن أن اختيار الكتابة كمهنة يشبه اختيار دربٍ صاعد إلى الجلجلة.. ولن أسهب... فقد تركت عادات الشكوى، والتفجع، والتذمر، خلف ظهري منذ سنوات طويلة، لأني اخترت دربي بملء إرادتي.. وأنا فرِحٌ باختياري، أكثر من فرح الراقصة بسيارة طولها تسعة أمتار ونصف... فالفرح لا يقاس بالمسافة الأفقية، بل بالعمق... وما من أحد اكتشف بئر نفط عبر مسيرة من خط الاستواء إلى أحد القطبين المتجمدين.. كان يمكن لزهير أن يصبح (أوسطا ميكانيك).. وكان يمكن لي أن أصبح رجل أعمال إسمنتي.. ولكن مع احترامي لكل هذه الحرف، فإن حرفة هندسة الروح الإنسانية هي الأرفع.. لأنها الحرفة التي رسمت للبشرية دروب الخلاص.. ورغم تفجع بعض الكتاب على أحوال عيشهم، لا تجوز المقارنة بين فن عابر، يقدم المتعة العابرة، لجمهور محدود، وآني، وبين فن راسخ ومؤثر على امتداد أزمان طويلة.. فنحن ما نزال نقرأ حتى اليوم معلقة امرئ القيس.. وروائع المتنبي.. وتأملات أبي العلاء.. وبدائع الشريف الرضي.. وهمسات البهاء زهير.. وعبقريات النابغة الذبياني.. وتجديدات أحمد شوقي.. ووتريات الأخطل الصغير، وأعمال عمر أبي ريشة، وروائع بدوي الجبل، وعبقريات سعيد عقل.. وسنابل قمح الرحابنة... والقائمة طويلة، تمتد على امتداد التاريخ.. وكل هؤلاء، وآلاف غيرهم، كانوا منحازين إلى صنع حياة أفضل للبشرية عبر وصفة سحرية تمر عبر الفن... والفن وحده هو الذي يرسم درب الخلاص للجنس البشري.. هذا الجنس التي تمضي به أفانين الشراهة الرأسمالية نحو الانتحار.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |