جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 28/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

صفد ـــ محمود حامد

صَفَدْ‏

اِِشْرَبْ؛ فكأسي لا ترد,‏

وكُلُّ كأسٍ باشتعالِ الوَجْدِ فينا لا تُرَدْ‏

اِشْرَبْ.. فهذا من رحيقِ الروُّحِ,‏

مِنْ وَجَع الحنينِ,‏

وما ضَنَنْتُ على أَحَدْ‏

رَيْحانُ عُمْري ها هُنا..‏

في كُلِّ جُرْحٍ سالَ من جسدي فَهَلْ‏

أُغْريكَ كي تُلقي بُحزْنِكَ فوق صَدْري,‏

آهِ يا عُصْفورَ بُسْتَاني نَأَيْتَ,‏

ولم يَزَلْ قلبي على الأسلاكِ‏

ينتظرُ الذي يأتي.. ولا يأتي,‏

كَأنَّ الرِّيَح تخطفُ مَنْ أُحِبُّ,‏

وترتديه لِباسَ غربتها.. وتنأى‏

لَيْتَ تِلْكَ الرِّيح تُدْرِكُ أَنَّ وَشْمَكَ في الجَسَدْ‏

ما زالَ ينبضُ في أَسَى زيتونةٍ خَلَّفْتَها‏

مَذْبوحةً في عشقها..‏

مكسورة الآهاتِ..., لَمْ‏

تَبْرَحْ شبابيكَ الجليلِ, وَلَمْ تُغادِرْ‏

ذلك العُمْرَ المُسَمَّى بَيْتَها..‏

لَمْ تَنْأَ عن قَمَرِ البلادِ, ولَمْ تُهاجِرْ, كُلَّما‏

كادَ السِّراجُ يَنوسُ‏

تمنحُ لاْبتسامَتِهِ الحزينةِ زَيْتَها‏

فَلَعَلَّها...‏

جَعَلَتْهُ آخر ما تَبَقَّى‏

مِنْ تباشيرِ النَّهارْ‏

يَدُها, وَمنِديلٌ يُلَوِّحُ, وَاْبتِسامَتُها,‏

وجُرْحٌ في الجبينِ,‏

وعاشقونَ مَضَوْا, ومنفى,‏

وابتساماتُ الصِّغارْ‏

صُوَرٌ مُعَلَّقَةٌ على حُزْنِ الجدارْ‏

قَدْ غاب عنها بَغْتَةً أَصْحَابُها‏

يَوْمَ استعارَ الصُّبْحُ بَسْمَةَ بُلْبُلٍ‏

لِيُضِيءَ أكْثَرَ في سَماواتِ البلادِ,‏

وَلَمَّ باقَةَ سَوْسَنٍ من سُنْبلَهْ‏

كانت تُوَدِّعُ بابتِسامَتِها عَصافيرَ الجليلِ,‏

ودَمْعَة سَمْراء تَفْتَحُ للضُّحى أبوابَها‏

تَرَكتْ صباها للَّثرى وطناً, وحاكتْ‏

شَمْسَها بِدَمِ الذين تُحبهم..‏

ما أكْثَرَ الأسماءَ, إنّ الآهَ تطوي‏

تحت رَعْشَةِ وَجْدِها أَحبابَها‏

جعلتْ صَبابَتَها أَسِرَّةَ مَنْ تُحِبُّ,‏

وَصَدْرَها وطنا ًلِكلِّ جَنازةٍ,‏

ما أَكْثَرَ الشُّهَداءَ كالرَّيحانِ مَرُّوا‏

بَعْضُهم ألقى صِباه على أسى شُبَّاكِها قَمَراً,‏

وغابَ الْبَعْضُ تَحْتَ رَفيفِ عَيْنَيها,‏

وآخِرُ عاشِقٍ ما زال يَحْضُنُ بالجناحِ المُشْتَهى أهدابَها‏

اِشْرَبْ؛ فَكَأْسي لا ترد,‏

أنا صَفد‏

تِلْكَ التي..‏

في ظلِّ عَرْشِ اللهِ تَسْكُنُ, واسْمُها‏

مِلْءُ الأَبَدْ‏

زَيْتُونَةٌ...‏

نامَتْ طيُورُ العِشْقِ تَحْتَ جَناحِها,‏

والعاشقون..‏

*‏

لا أَوْحَشَ اللهُ الحبيبةَ,‏

والأحبَّةُ غائبونْ‏

كانَتْ تُلوِّحُ:‏

رُبَّما يأتونَ, أَوْ,‏

كانَتْ تُعَلِّلُ, رُبَّما يتأخَّرونْ‏

لَكِنَّهُمْ...‏

هذا الذي في الصَّدْرِ يسري‏

مِنْ أريجِ خُطا الأَحِبَّةِ..,‏

إنَّ هذِي الدَّرْب تحملُ ريحَهُمْ,‏

وأَكادُ أَلْمَحُهُمْ على مَدِّ الثَّرى‏

مِنْ كُلِّ حَدْبٍ يَنسِلونْ‏

كان اليقينُ حقيقةً‏

غَذَّيْتُها حَتَّى تجاوَزَتِ انكسارَ الحُلْمِ‏

في عيني؛ وهَاهُمْ يَعْبُرونْ‏

مِنْ كُلِّ شاهدةٍ, وَقَبْرٍ,‏

مِنْ خيامِ اللَّيْلِ, والمنفى‏

أراهُمْ يعبرونْ‏

هاهُمْ يَشدُّونَ الرِّحالَ إِلَيَّ,‏

والدَّمُ لا يخونْ...‏

هاهُمْ أمامي يعبرونَ الدَّرْبَ:‏

أَوَّلُهُمْ دَمٌ يمشي, وآخِرُهُمْ حديقةُ زيزفونْ‏

حَتَّى أَطَلَّ الصُّبْحُ مِنْ دَمِهِمْ, فَقُلْتُ:‏

هي الحقيقةُ.. إنَّهُمْ‏

آتونَ, كَمْ‏

كَذَّبْتُ فيهم ما تُوَسْوِسُهُ الظُّنونْ!!!‏

*‏

صَفَدُ الَّتي..‏

في البالِ تسْكُنُ,‏

لا تَغارُ عَلِيَّ مني...‏

بل تغار عليّ منها....,‏

تَسْتَبِدُّ فأشتِهيها‏

ذلك الوَطَن الحنون بما اسْتَبَدّْ‏

كانتْ مسافة وردةٍ تكفي لتجمعنا, وكان العُمْرُ أَجْمَلَ في الحوارِ يَدَا بِيَدْ‏

طوفي بنا...,‏

ما زالَ يَقْتُلُنا حَنينٌ موجِعٌ يُدْمِي, وما‏

زالت تغصُّ على الشِّفاهِ الأَسْئِلَهْ‏

ماذا أُسَمِّي غُرْبَةَ الأحباب عَنِّي, كُلَّما‏

أَلْفَيْتُ بُسْتاني حِزيناً, قُلْتُ:‏

عصفورٌ يُغادرني, وتهجرني طيورُ القَلْبِ,‏

يجرحني الصَّدى‏

فَلِمَنْ أُخَبِّئُ قهوتي عند المساءِ‏

إذا الحدائِق غادرتني بُلْبُلاً وقرنفلهْ!!؟‏

*‏

وَلِمَنْ تُخْبِّئُ وَرْدَها أرقاً على لَهَفٍ يَداي!!؟‏

قلبي شفيفٌ كالنَّدى‏

لا تُبْعِدوا عَنِّي...‏

فيقتلني أَسايْ!!!‏

*‏

ما مَرَّ مَرَّ, وأنتِ باقيةٌ‏

يَمامَ اللهِ في ملكوتِهِ الأعلى, أُحِبُّكِ‏

ما وددتُ بأنْ يَصيرَ العُمْرُ مَنْفى,‏

والبُكاءُ هَديلا‏

كَثُرَتْ دُروبَ الحُلْمِ حَتَّى لَمْ نَعُدْ‏

نَدْري إِلَيْكِ سَبيلا‏

وَمَضَتْ تَوَزَّعُنا قطاراتُ الجهاتِ وَكُلَّما‏

خِلْنا إليكِ الدَّرْبَ يَقْصُرُ,‏

طالَ أَكْثَرَ... هكذا‏

رسموا طريقَ المُسْتَحَيلِ طويلا‏

مِلْيونَ خارطةٍ... وَمَنْفَى, إِنَّما‏

سَيَظَلُّ وَجْهُ حبيبتي شَمْساً تُضَيءُ,‏

وَلَمْ يَزَلْ في البُعْدِ كَفَّاها على‏

طولِ السِّياج يُلوِّحانِ, وَلَمْ يَزَلْ‏

زيتونُها للعابرينَ دليلا‏

ما أطفأتْ في البابِ بَسْمَتَها, ولا‏

تَعبَتْ يَدٌ تَهْليلا‏

ظَلَّتْ مُلَوِّحَةً على شُبَّاكِها‏

تَدْنو كثيراً كُلَّما حَنَّتْ بلهفتها إِلَيْنا,‏

ثُمَّ تنأى في الغيابِ قليلا‏

إِذْ لا تَرَى إِلاَّ الظِّلال تَمُرُّ عَبْرَ جُفونها,‏

والعابِرينَ فُلولا‏

أَيْنَ الأَحِبَّةُ!!؟ هكذا‏

بسؤالها تُدْمي, وتذبُحنا‏

غَداً مَجْهولا‏

مِنْ أَيِّ دَهْرٍ‏

يَعْبُرونَ المُسْتَحيلَ, وكيف أُلْغي‏

فيهُمُ التَّأويلا!!؟‏

كَنْعانُ يَسْأَلُني: أَما مِنْ عابرٍ‏

لَوْ مَرَّ طيفاً؛ أَوْ أَتَى مَحْمولا!!؟‏

أنا عاشِقٌ حَتَّى جنازاتِ الأَحِبَّةِ, لَيْتَهُمْ‏

يأتونَ لَوْ مِزَقاً... أراهمْ‏

في أنينِ الشَّاهِدات قيامَةَ الشُّهَداءِ تَبْعثُني على‏

ما أشتهي,, وأرى الذين أُحِبُّهُمْ‏

في العابِرينَ نخيلا‏

يَأْتونَ!!؟ كَمْ‏

عَلَّلْتُ أَنَّ الصُّبْحَ يَحْمَعُهُمْ,‏

وأَنَّ الوَجْدَ يحملهُمْ إِلَيَّ, وأَنُّهمْ‏

مِلءُ الجهاتِ... أكادُ ألمحهُمْ ببابِ العَيْنِ حَتَّى‏

قُلْتُ في نفسي:‏

يَقيناً كان هذا, لَمْ يَكُنْ تعليلا‏

هاهُمْ أمامي بابتسامةِ صُبحهم, وَوُجوهُهُمْ‏

أقمارُ عمري... كُلُّ وَجْهٍ كوكبٌ‏

حَوْلي يُضيءُ, وكُلُّ ثَغْرٍ حَقْلُ عِطرٍ.. هكذا‏

حَوْلي حُقولُ العِطرِ شاسِعَةُ البهَاءِ‏

بِغَيْرِ حد‏

والعابرون يَدَّاً بِيَدْ‏

حَوْلي.. فأبكي, ثم أضحكُ, ثم أَحْلُمُ,‏

ثُمَّ أَصْعَدُ نَشْوَةً‏

أعلى الذي كنتُ اشتهيتُ,‏

وكان أغلى ما اشتهيتُ نداءَهُمْ في الدَّهْرِ‏

يَهْمِسُ: يا صَفَدْ!!!‏

لا الْقَلْبُ يُغريني لأَشْرُدَ‏

في حُقولِ الوَرْدِ أغنيةً, ولا‏

يَتَوَضَّأُ الصُّبْحُ الحزينُ بماءِ عَيْني..‏

جَفَّ ماءُ العَيْنِ, ماءُ القَلْبِ,‏

وانكَسَرَ الغناءُ على الشِّفاهْ‏

لَيْتَ الذي في البالِ يَعْبُرُ للحبيبةِ كي تَراهْ‏

عِشْقاً يُميتُ, وَأَلْفَ آهْ‏

لا الموتُ يُبْعِدُنا ولا‏

تَقِفُ الحواجزُ بيننا,‏

والوَجْدُ يُدْمي في أَساهْ‏

وَهَوى الأحِبَّةِ مُوجِعٌ,‏

كَمْ شَفَّ صَبٌّ في هواهْ‏

تَدْرين لَوْ..‏

يمشي بنا هذا الزَّمانُ لمنتهاه‏

سَيَظَلُّ ينبضُ باسْمِكِ الأَشْهى دَمٌ‏

سَكَبَ الضياءَ على ثَرَاه‏

*‏

إنَّا نُحِبُّكِ...,‏

آهِ لَوْ تَدْرينَ كَمْ من عاشِقٍ‏

ما زالَ يَلْثُمُ ثَغْرُهُ المُدْمى‏

تُرابَ الأَرْضِ في لَهَفٍ, وكَم‏

حَضَنتك عاشِقَةً يَداهْ!!؟‏

فَلْيَطْمَئِنَّ القَلْبُ فيكِ, فَكُلُّ مَحْبوبٍ مُناهْ‏

أَنْ تَحْضُنَ الكَفَّانِ وَجْهَكِ نشوةً عند اللقاءِ, وأن تَضُمَّكِ مُقْلَتاهُ‏

*‏

إِنَّا نُحِبُّكِ مِلْءَ هذا الدَّهْرِ, مِلْءَ الَقَلْبِ, مِلْءَ سَماءِ غربتنا,‏

وما وَسِعَ الأَبَدْ‏

إِنَّا نُحِبُّكِ يا صَفَدْ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244