|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
تعاويذ: شعر صافٍ مُعتّق ـــ د.ثائر زين الدين ما أكثر ما يقرأ واحدُنا هذه الأيّام برقيّات "نعي" الشعر المعاصر في سوريا, وكم يتحسّر الكثيرونَ على عصور الشعر الذهبيّة, ومع أن في ذلك شطرٌ كبيرٌ من الحقيقة؛ والمسألة في نهاية المطاف ليست محليّة أو إقليميّة بقدرِ ما هي كونيّة! لكن علينا أن ننتبه إلى قِِلّة من الشعراء السوريين الذين يعملونَ بصمت, بعيداً عن الضجيج, وكاميرات الصحافة والتلفزيون, فيبدعونَ ويراكمونَ على تجاربِ الأجيال السابقة, فيتجاوزونَ بعضها فكريّاً وجمالياً, ويسمون على عديدٍ من العثراتِ في إبداعاتِ سابقيهم, تلك التي كان سبب الكثير منها طفرات التجديد, وحلم التجاوز. ومن المجموعات اللطيفة في هذا الباب, واحدة صغيرة الحجم, تقعُ في ثلاثٍ وتسعين صفحة صادرة عن اتحاد الكتّاب العرب وتحمل عنوان "تعاويذ" للشاعر رضوان السح, فقد ضمّت هذه المجموعة من الشعر الصافي المعتّق أكثر بكثير مما رَسَبَ في بعض جوانبها من العكر. اشتملت المجموعة تسعاً وأربعين قصيرة, حمل معظمها عنوان "تعويذة" والتعويذةُ أو العُوذَةُ لغةً هي التميمة, أو الرقية, يُرقى بها الإنسان من فزعٍ أو جنونٍ أو هوس وما إلى ذلك, وعليهِ فقد جاءتْ عناوين النصوص على النحو التالي: تعويذة للشاعر ـ تعويذة للسجين ـ تعويذة للوجد ـ تعويذة للطفولة ـ تعويذة للشهوة ـ... لليأس ـ للرحيل ـ للهجر ـ للانتظار ـ للقلب ـ للقبلة الأولى ـ للغروب ـ للغياب ـ للموت ـ للشبق... الخ. ولقد جاء معظم النصوص منسجماً مع مفهوم التعويذة, لكن الكثير منها كان قادراً على الاستغناء عن العنوان دون أن يخسَرَ شيئاً من نداه, فبدا العنوان مجانياً أو زائداً بالرغم من جمال النص كما هو الحال في "تعويذة للشبق": "شهيّةٌ تغلُّ في الضلوعْ مربكةٌ كأنّها الهواءُ مُثقلاً بشهوةِ المطرْ الله... أيُ جوعْ ينشبُ في العظام نابَهُ ويطحن الحجرْ"(1). وخلاصة القول أن جملةً من الأسباب ـ ذات المصادر المختلفة ـ سمت بالمجموعة وجعلت منها عملاً فنّياً أنيقاً وغنياً بالجمال؛ لعلّ أهمّها ـ إن جاز لي أن أستعير تعبير الناقد يوسف سامي اليوسف ـ توفّر "جُرعة وجدانيّة"(2) كبيرة سرت في العمل "كعنصرٍ يخضوري فعّال", فطالعنا بكلِ ما هو "حميم" وقريب من أرواحنا ووجداننا ـ بحيث كنّا نحسُ ونحن ننشد "تعاويذ" المجموعة بشيءٍ من الرعش, والاختلاج العميقين, اللذين لا يبعثهما إلا الأدب الحقيقي بعامة, والشعر بخاصة, وإلا فما الذي يجعلنا نشعر بسعادةٍ غامرة حينما نقرأ مثلاً "تعويذة لأسرار المرأة": "ساهمٌ حسنُها الندى" مالكُ المُلكِ في كفّها ووصيفاتُها من أقاحْ موسمُ البحرِ في نوئها لا تراهُ الشطوطْ تعبَ الورد من رسمِها والصباحْ لم أكن واهماً حينما أطلعتني على السرِّ باحتْ بما لا يُباحْ لم أكنْ واهماً إنّما سرُّها فوقَ ما تألفُ العينُ أو ما تقولُ الرياحْ"(3). العامُلُ الثاني هو هذهِِ الروح الحزينة الشفيفة الكامنة خلف قصائد المجموعة كلها, والتي تنقُلُ إلينا شعوراً عميقاً بالفقد والخسران والاغتراب والوحدة: ”وحيدٌ../يداي بلا أصدقاءْ/ أُسلّمُ للعتمِ كل مجسّاتِ حُزني/ وأغفو/ أنا عنكبوت الشتاءْ/ "وحيدٌ.. / تسرّبَ من قبضتي الأهلُ والأقربونَ/ فسافرتُ عن ذكرياتي/ وغادرتُ خلفي فتىً من هواءْ/ الخ"(4). إن الحزن يخيّمُ على المجموعةِ بصورةٍ لافته, وهو ليسَ حُزناً مرضيّاً, بقدر ما هو نتاجُ إحساسٍ عميق بعمرنا القصير, الذي لا يزيدُ عن رفّةِ جفن, وبعبث ما نفعله, أو نتصوّر أننا ننجزه, بينما يرفُ بين أجفاننا طيفُ الزوال: "يا حسرةَ العُمرِ على العُمرِ/ كأنّما أيامُهُ/ نقودُ طفلٍ شاردٍ/ في جيبِهِ المثقوبْ/ هَرّتْ على الدوربْ/ ضاعتْ ولا يدريْ"(5). ويقول في "تعويذة للغروب": "ما مضى لن يعودْ/ قالها وانحنى/ كي تمرَّ السنونُ على ظهرِهِ/ كي يموتْ"(6), وكأن قدر الشعر الجميل أن يولدَ حزيناً, وربّما كان هذا الحزن هو المؤثّر الأقوى في جذبنا إليه, "ألم يقل إدغار ألن بو إن الشعر حزينٌ حتماً؟"(7) ورأى أنّ "موت امرأة جميلة هو أفضل موضوع شعري"(8) فإذا "بأجودِ قصائدهِ توحي بأن وظيفة الشِعر إنّما تتلخص في أن تخاطب القصيدة, من وراء القبر, أطيافَ نساءٍ جميلاتٍ مُتنَ وهنْ في ميعة الصّبا, وربّما كان هذا الشأن هو سرُّ المزية والجاذبّية في شطرٍ من أشعارهِ الخالدة"(9). لكن الأمر عند رضوان السح قد يتفاقم, فيسيطر عليه الحزن, مع أنه يدركُ تماماً أن لا شيء يُبكي أو يدعو للحزن: "تعاليِ بما شئتِ/ لا شيءَ عندي لأكتبه الآنَ شعِراً/ ولكن أشاغِل عينيَ عن دمعِها/ ولا شيءَ يُبكيْ ولكن حزينْ"(10). والعامُلُ الثالثُ الذي يرتفِعُ بالمجموعة هو صدورُها عن ذوقٍ سامٍ, عن ذائقةٍ حذقة, هي ـ على ما يبدو ـ نتاجُ عملٍ طويلٍ على الذات, إعداداً وتثقيفاً وحفظاً من الشعرِ العربي, ومن التجربة العالمية, ومن تُراثِ الصوفيّة ـ وقد حقَقَ الشاعرُ السيرة الشعبيّة للحلاّجِ من قبل ـ كل تلك الأشياء جعلت نصوص الشاعر تنسربُ إلى ذات المتلقي دونَ كبير عناء: "أأبقى على حالتي/ كلّما مَسّ قلبي شغاف الرؤى/ أدركتني الكابةْ/ أتبقى بحلقي الغُصصْ/ كعصفورةٍ في قفصْ/ إذا مالَ غصنٌ وحنّتْ/ لخدنٍ ونورْ/ يُعانِدُها ألفُ سورْ/ فتلِبسُ حَسْراتِها ثُمّ تروي القصص"(11). وقد تصبحُ تلك المسحة الصوفيّة التي أشرتُ إليها ملمحاً واضحاً في النص, كما هو الحال في "ترنيمة للوجد":
من رأى الأضداد حارْ
هيتَ.. لا يجدي انتظار" ص16 أما العامل الرابع فيتمثّلُ برقّةٍ وشفافيّة تكسوانِ مجمل القصائد, وتجعلانِها هيفاوات مَشيقات بالإضافة إلى ذكاءٍ في التقاط المفارقات, واستنتاج الدلالات العطرة من المواقف العاديّة المعيشة, كهذهِ القصيدة الجميلة, التي كانت حصيلة مرور شابٍ خجول أمام شبّاكِ فتاةٍ تستلطفه, وتنتظر منه أن يبادر إلى إعلان حُبّه أو إعجابه بأي شكل, وعندما لم يفعل عَلتْها مسحة من ذبولٍ وأغلقت النافذة: "وحيدةٌ هناكْ/ عيونها تراقب الطريقْ/ من بيتها العتيقْ/ وتفتح الشّباكْ/ إنْ مَرّ جارُها الخجولْ/ لعلّهُ يقولْ/ ما قالت العشّاقْ/ أو همسةَ اشتياقْ/ لموعدٍ عجولْ/ "خجولْ" تطلُّ من شباكها تقولْ /لاشكّ أنها تقولْ/ عيونُها تُشيرُ: "ألفَ هاكْ"/ لكنني أمرُّ بارتباكْ/ فيعتري جفونَها النعاس والذبولْ/.. وتغلقُ الشبّاكْ" ص58. هذهِ جولة سريعة في المجموعة, ومحاولة لتقّصي عواملٍ نجاحِها, وقدرتها على النفاذ إلى أعماقنا إنّها جديرةُ بالقراءةِ والاقتناء! هوامش المقالة: 1) رضوان السح, تعاويذ, اتحاد الكتّاب العرب ـ 2000, دمشق, ص38. 2) يوسف سامي اليوسف, القيمة والمعيار/ مساهمة في نظرية الشعر, دار كنعان, دمشق 2003, ص136. 3) رضوان السح, سابق, ص76 ـ 77. 4) نفسه, ص68. 5) نفسه, ص12. 6) نفسه, 35. 7) و8) و9) يوسف سامي اليوسف, سابق, ص137 ـ 138. 10) رضوان السح, ص71. 11) نفسه, ص14. |