جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 28/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تجدد الأسطورة الدائم ـ الطفل الملك نموذجاً ـــ جينا سلطان

تشكل الأسطورة كنزاً لا ينضب مع تقادم الزمن, فالصور التي تتألف منها تفتح لنا نوافذ نطل من خلالها على عالم يتجاوز التاريخ الخاص والعام. وبالتالي نمتلئ بروحانية أخاذة تغني نفوسنا وتريحها من أثقالها. وقد عرّف الباحث الأميركي مرسيا إيليا الأسطورة بأنها تراث مقدس, وعنصر أساسي من عناصر الحضارة الإنسانية, وحقيقة نابضة بالحياة.‏

كما أن رمزيتها تضفي انفتاحاً واسعاً على أي موضوع تتناوله, أو أي فعل تقاربه, مما يؤدي إلى تفجر الواقع المباشر دون أن يلغيه أو يحط من شأنه, وهذا يقدم نقطة انطلاق لتجديد الإنسان الحديث تجديداً روحياً.‏

الحياة مجبولة على المتناقضات: "الخير يحاذي الشر والفرح يعقب الألم, والدموع تأتي والضحكات تمضي, والإعصار يزمجر ثم تسطع الشمس, لكن الله يحب مخلوقاته الطاهرة ويحميها".‏

في مكان ما, غرب القارة الإفريقية, تقع مملكة السانوكا في عاصمتها كوردياما حكم الطفل ـ الملك البلاد بحكمة, وسهر بمحبة على رعاية شعبه, الذي أظهر له وداً عظيماً, فمن هو الطفل الملك ولماذا سمي كذلك؟‏

ولد "بوبا" ذات يوم عاصف. في النهار نفسه قتلت الصاعقة والده. لم يكن يبدأ المشي حتى توفيت أمه, وبقي جده أسرته الوحيدة. لم يشأ الابتعاد عنه ورباه بمفرده. ذات صباح وعمره خمس سنوات اختطفته العفاريت, ولقنته أسرار الطبيعة ولغة الحيوان طوال ثلاث سنوات ثم أعادته إلى جده. بعد أن وجهته لتسميم آبار القرية وقتل سكانها وماشيتها وترويع أهلها, أي باختصار أن يصبح إبليساً.‏

لكن الجد "والي" شرح بصبر وأناة, معنى الخير والشر لحفيده, وأفهمه ضرورة العمل لإسعاد الناس دائماً, لأن الله الذي خلقنا يحب العدل بقدر ما يبغض الظلم.‏

ما بين الجد الذي يمثل التراث, الحكمة, المعرفة, ويجسد الماضي والحفيد الذي يشكل الحاضر والمستقبل, تبدأ رحلة التعلم مع تحذير من ميل الإنسان إلى نكران الجميل.‏

نشر الخير برأي الجد يجب أن يستمر به الحفيد مهما قابله الناس بالخبث لأن بعض الرجال والنساء الميالين للخير يستحقون ذلك رغم قلتهم.‏

بالدعاء الصادق يطرد الصغير سرب الجراد, ويجد بئر الماء, وبالأعشاب الطبية يداوي الناس والبهائم المتسممة دون أن يأخذ أجراً. وحين يشفي ملك البلاد من مرضه العضال, يأخذ الذهب كمكافأة. ويوزعه على أهل القرية فتزداد شعبيته كثيراً ويذاع صيته في البلاد. وعندما يموت الملك دون أن يترك وراءه وريثاً للعرش يختار مجلس المستشارين بوبا, ليصبح ملكاً ويدعونه الطفل ـ الملك لأن عمره عند ذلك كان لا يتجاوز الخامسة عشرة.‏

"ديالي" شاعر وموسيقي القصر, يشرح له مهمة الملك ويعرفه على نفسه, فهو الذاكرة وراعي التقاليد, وسيد الكلام, وعليه دائماً التذكير (لأن ذاكرة الناس قصيرة) بتاريخ بلده وبأفعال الملك اليومية. وسيرددها مثل أغنية. وبعد موته سيفعل أولاده وأحفاده الشيء نفسه كي لا يضيع شيء من صنائع الملك جيلاً إثر جيل.‏

رغم المحن الرهيبة التي كابدها بوبا في طفولته, نجح في البقاء متوازناً, بفضل حكمة الجد وتبصره. وهذا يؤكد على أهمية الكبار في حياة كل قرية وجماعة وشعب حتى أن حبهم وعطفهم يعد بمثابة التميمة التي تحمي الأصغر سناً وتباركهم.‏

علاقة البشر بالحيوانات تحتل موقعاً جيداً ضمن الحكايات وتنم عن معرفة واسعة بعالم الحيوان وسلوكهم. لدرجة الإدراك أن كثيراً من الحيوانات التي يصفها الإنسان بأنها متوحشة, تمتاز بسلوك أعقل جداً من سلوك كثير من البشر.‏

تبصر "بوبا" أن مملكته محكومة بقوة الطبيعة, جعله يسعى لإحلال الوفاق بين البشر والحيوانات. ليعيشوا معاً على الأرض نفسها التي تتسع للجميع.‏

كما أن رفضه لكثير من العادات السيئة يجعله يتفهم أساس "تركيب تلك المظالم الصغيرة التي فرضها الإنتهازيون في الماضي, ثم سادت بين الناس باسم العادات والتقاليد, عادات ظالمة, شريرة, تمييزية ومذلة. تعزز الأقوياء غالباً على حساب الضعفاء". فيحاربها بقوة دون مهادنة وخاصة سلب اليتيم حقوقه وتجريد الأرملة من متاعها وثيابها وحتى حياتها في بعض الأحيان. الآخر المختلف باللون واللغة موجود عند بوبا وأجداده, يتقبلون وجوده ويدركون أن له نفس الأفكار والطموحات التي لديهم وهي حقيقة لا يتقبلها هؤلاء المصابون بلعنة الذهب كما يقول الأجداد.‏

يرصد الكاتب السنغالي سليمان جيفو ديوب من خلال الحكايات, كثيراً من العادات والتقاليد التي تسود في بلاده. كالرقص الذي يعبرون من خلاله عن جميع مشاعر الحزن والفرح, ودون استثناء أحد حتى الملك نفسه.‏

كما يتحدث عن طريق الإعلام التي تتم من خلال الموسيقي الشاعر, وباستخدام الطبل الكبير الذي ينقل الرسائل إلى الطبول الصغيرة الأخرى في القرى البعيدة على طول البلاد.‏

وهو يختم روايته الجميلة هذه بأسطورة عن أصل الإنسان, يرويها ملك الفيلة غائداً لصديقه الطفل ـ الملك: "كان الإنسان إلهاً يسكن السماء في الأزمنة البعيدة, وذات يوم هاجم ملك الآلهة, فعاقبه هذا وأنزله إلى الأرض التي كانت ملكاً للحيوانات وحدها في تلك الأزمان. وفي اليوم نفسه انتزع منه كل قدراته الإلهية وأبقى له ذكائه العظيم الذي به سيطر على معظم الحيوانات رغم تكوينه الضعيف".‏

* يتساءل العلماء والمفكرون عن أصل الأسطورة, وهل هي مجرد حكايات بسيطة تناقلتها ألسنة الناس, أم هي حكايات نسجها الكهنة ليحكموا قبضتهم على رعاياهم. أم لعلها وحي بدئي نشأ في مخيلة بعض الكهنة, كرحمة من رب العالمين لإيصال الأفكار الدينية التوحيدية خطوة خطوة.‏

ربما الاحتمالات كثيرة, والمجال مفتوح دوماً للتكهنات الجديدة, ولكن تبقى الأٍسطورة ديوان العصور القديمة الفكري والنفسي والديني والفلسفي. ويأتي استخدام الأسطورة والحكايات ليعطي عملية التعلم جانباً حيويا, فيسهل الفهم والتقبل المعرفي وبهذه الطريقة يمكن نقل الكثير من المعارف والخبرات السابقة وتكريسها في النفوس. إضافة إلى أنها تدعم السلام الداخلي وتحافظ على التوازن الذي جعله تسارع الأيام الحديثة هشاً سريع العطب.‏

يقترب الطفل ـ الملك من كل واحد منا من حيث جرعة الخير والشر المقدرة لنا في البداية وتداخل الشياطين مع دواخلنا لاستغلال نقاط ضعفنا وتعميقها بينما يمكن تشبيه الطفل ـ الملك بأبله دوستويفسكي, بامتلاء نفسه بالخير والمحبة والغيرية. وقد نتساءل هل يمكن أن يوجد المثال الذي يجسد المحبة المطلقة والسلام الداخلي لو كان الأمر كذلك لما كتب كازنتزاكي روايته الشهيرة "المسيح يصلب من جديد" كرد (ربما) على أبله دوستويفسكي.‏

حكايات ,أساطير أفريقية ـ سليمان جيفو ديوب.‏

ترجمة: محمد الدنيا المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ إبداعات عالمية/ عدد شباط 346/ 2004‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244