جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 28/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الساخر كريلوف ـــ محمد عواد

يعد كريلوف إيفان أندرييفيتش (1769 ـ 1844) كاتباً روسياً كبيراً.. ولد وعاش في مدينة سان بطرسبورغ. درس ي أكايدمية سان بطرسبورغ العلمية, كتب التراجيديا والكوميديا والأوبرا, لكنه اشتهر بحكاياته الناقدة اللاذعة, حيث كتب أكثر من مائتي حكاية, تتميز حكاياته بالنقد اللاذع بما يشبه الكوميديا السوداء بلغة جزلة, سخر في حكاياته من الأخلاق السيئة في مجتمعه من جشع وطمع وفساد, فكان سلوك الناس مادة للسخرية لدى كريلوف.‏

قال الكاتب الروسي الكبير غوغول عنه : "كريلوف: ضمير الشعب".‏

تعرض كريلوف لكثير من المضايقات خلال حياته, بسبب هذه الحكاية, من قبل الشخصيات التي كان ينتقدها. كان كريلوف إنساناً وفياً لمبادئه نقي الضمير والسريرة, ذكياً ولامعاً, يجيد الفرنسية والألمانية والإيطالية وكتب بهذه اللغات جميعها, كما كان عازفاً ماهراً على آلة الكمان, وعالماً موسيقياً ورياضياً, انتقد القيصر وسلوك حاشيته فكان ذلك سبباً لإغلاق المجلات التي كتب فيها وهي: بوتشا دوخوف, زريتيل, سان بيتير بورغ ماركوري.‏

عاش كريلوف حياة صعبة, فقيراً معذباً بسبب هذه الحكايات, وكان أول كاتب روسي يقوم البسطاء بجمع المال لبناء تمثال له في عام 1855م في مدينة سان بطرسبورغ حيث أسموه الجد كريلوف.‏

كان والده ضابطاً في الجيش, مات مبكراً في عام 1778م, فعاش كريلوف الابن مع والدته ماريا الكسيفنا عيشة الفقر والفاقة ولم يكن قد تجاوز من العمر ثماني سنوات.‏

ستظل حكايات كريلوف خالدة ما دام هناك إنسان على هذه الأرض, لأنها تتناول طباعَ البشر في كل زمان ومكان, وسلوك المجتمعات مهما اختلفت الأعراق واللهجات.‏

استطاع كريلوف بحكاياته الولوج إلى أعماق النفس الإنسانية ليكشف عن حقيقتها, فأتت كتاباته مرآة تضع كل إنسان أمام ذاته ليراها عارية, حيث لا ناظر سواه, ونبراساً يهدي البشرية إلى طريق إنسانيتهم, وإلى نبذ خصال الشر من طمع وجشع وعداوة, ونشر روح السلام والتراحم والمحبة. وقد أدَّت هذه الحكايات دوراً هاماً في ثقافة الشعب الروسي فتحوَّل بعضها إلى أمثال سائرة على الألسن حتى يومنا هذا, كما ألهمت من أتى بعده من الكتاب بأفكار أنجبت أعمالاً أدبية عظيمة.‏

وقد كانت بعض حكاياته صدى لرغبات الشعب في ظروف مصيرية كحكاية الذئب في حظيرة الكلاب حيث كتبها إلى القائد كوتوزوف وجنده عندما غزا نابليون روسيا, لقد كان حقاً ضمير الشعب, بل ضمير الإنسانية.‏

ـ الثعلب والخُلد‏

إلى أين تذهب يا قريب الثعلب؟!‏

أراك مستعجلاً, تمهّل!‏

آه يا صديقي الخلد!‏

لقد نفوني!‏

كنتُ ضحيةَ وشاية! اتهموني بالرشوة!‏

وكما تعلم, يا صديقي الخلد, كان عملي قاضياً في قنِّ دجاجٍ أخلصتُ له.‏

وتفانيت من أجله وفقدتُ صِحتي هناك,‏

ولم أكسبْ غيرَ قلَّةٍ الطعامِ والقلقِ في المنام,‏

ولذلك... غضبوا.. غضبوا مني...‏

اتهموني بالرشوة, وكلُّ ذلك افتراء.‏

فكِّر بما قُلْتُه يا حضرةَ الخلد, قُلْ لي‏

هل من العدل أن يُحَكَم عليَّ بسبب نميمة أو وشاية؟!‏

أحقاً أنا مُرتشٍ؟!‏

إذا سمعتَ, يا حضرةَ الخُلد, أنني قبضتُ رشوةً, فاعلم عندئذ أنَّ صديقَك الثعلب فقد عقله!‏

اعلم أنه جُن!‏

بذمّتك هل رأيتني يوماً أقبض رشوة؟!‏

أريدك أن تشهد على براءتي!‏

أجابه الخلد: (الحقيقة... الحقيقة يا قريبي, لم أركَ يوماً تقبضُ رشوةً من أحد, لكنّي كثيراً ما رأيتُ زغبَ الدجاجِ على شفتيك!).‏

ـ الذئب والحمل‏

في نظر القوي: الضعيف دوماً مُذنب‏

تلك سُنّة الحياة, لكن من يدوّن؟!‏

وعلى ذلك أسردُ الأمثال:‏

في يوم قائظ, والحرُّ لاهب, نزلَ الحَمَلُ إلى الجدول ليرتوي لكنَّ الكارثة أحاقت به, فالذئبُ الجائع يجوسُ قريباً.‏

أبصرَ الذئبُ الحَمَلَ, فقرر افتراسَه, لكنْ, لابد من ذريعة وسببٍ مقنعٍ, فصاح: كيف تجرؤُ, أيها السفيهُ, الوقحُ على تعكير صفوِ مياهي بفمِك القذرِ؟!. لقد عكَّرتَها بالرملِ والطين, سأقطعُ رأسَكَ على وقاحتِك.‏

أجابه الحَمَلُ: هلاّ سمحتَ لي يا سعادةَ الذئب أن أبيّن لكم أني شربتُ جرعة من الماء, وبعيداً عن مكانكم مائةَ خطوة, فلا داعي لغضبكم, ومن يجرؤ على تعكيرِ مائكم؟!‏

قال الذئبُ: أنتَ تقصدُ بأننَّي أفتري؟‏

أيُّها الوضيعُ, لم أسمعْ بمثلِ صفاقتِك!‏

آه.. آه.. لقد تذكَّرتُ, لقد أغلظتَ القولَ معي في العام الماضي!‏

أتظنُّني نسيتُ؟!‏

قال الحَمَلُ: لكنني لم أكن حينئذ قد أبصرتُ النورَ بعد!‏

قال الذئب: إذن, لقد كان أخاك.‏

أجاب الحمل: لا أخوةَ لي!‏

قال الذئب: إذن, كان ابن عمِّكَ أو ابن خالك!‏

من المؤكد أنّه كان من أبناء جلدتِك!‏

أنتم معشرَ الحِملان ومعكم كلابُ القطيع والرعاةُ,‏

جميعُكم تكرهونني!‏

وإذا استطعتم إيذائي فلن تقصِّروا!‏

سأقتصُّ منك بجريرتهم جميعاً!‏

قال الحمل: وما ذنبي أنا؟!‏

اصمت: لا وقت لدي لسماع هذا الهراء.‏

آثامك أكثر من أن تعدَّ أو تحصى!‏

وأعظم ذنوبك أنني جائع!‏

ختم الذئب حديثه وجرَّ الحمل إلى الغابة المظلمة.‏

ـ عصفور الزميّر‏

حلّق عصفور زميّر فوق البحر‏

وقال مفاخراً بنفسه: أريدُ أن أحرقَ البحر!‏

سرت الشائعةُ في كل مكان,‏

ارتعدت حيواناتُ البحر,‏

فزعت الطيورُ, وحلّقت في رفوف,‏

هُرِعت الوحوشُ من الغابة لترى ما سيحدث,‏

وكيف يحترقُ البحر, وكم من اللظى سينفث.‏

الشائعاتُ, كما تعلمون, كالنار في الهشيم,‏

تداعى الفضوليّون مع ملاعقهم إلى الشواطئ,‏

يُمَنَّون أنفسَهم بولائم السمكِ المشويِّ اللذيذ,‏

وعصفورُ الزميّر كغنيٍّ مخمورٍ‏

يوزّعُ الوعودَ يَمنةً ويسرة.‏

انتظرَ الحشد حدوث المعجزة.‏

وخيَّمَ الصمتُ, وحدّقت العيون,‏

لم يكن يُسمَعُ غيرُ الهمسِ والوشوشات:‏

ماءُ البحر يغلي! الآن سيحترق!‏

لكن النارَ لم تشتعل,‏

لو أنَّ الماء يغلي! لكنَّه لا يغلي.‏

وكيف خُتمتْ نبوءةَ العصفور العظيم؟‏

فرَّ مواريا نفسه من الخزي والعار,‏

فقد كانت جعجعةً بلا طحين, فالبحرُ لم يحترق,‏

والعبرةُ في الأمثال: لا تُمدَحُ الأمورُ إلا بالخواتيم.‏

ـ القردة والنظّارة‏

شاخت القردةُ,‏

ضعُف بصرُها.‏

لابأس, الأمورُ يمكن إصلاحها, لابدَّ من نظّارة.‏

اشترتْ من النظاراتِ نصفَ دزينة.‏

قلّبتهَا, وضعتْها في كلِّ مكان.‏

حكّت بها رأسَها وظهرَها وقفاها.‏

شمتها, لثمتها, لَعَقتْها, والنتيجةُ واحدةٌ بلا فائدة.‏

بصَقَتْ, شَتَمتْ, وصاحت: لقد خُدِعتُ!!‏

الغبيُّ من يصدِّق الناسَ,‏

كذبَ جميعهم عليَّ بشأن النظارات,‏

لم أجد فيها فائدةً تُرجى‏

غضبت القردةُ جَزِعتْ وحَزِنتْ, دقَّت النظاراتِ بين حجرين وتطايرَ الزجاجُ.‏

المصيبةُ, هناك من لا يدركُ فوائدَ الأشياء, فالجاهلُ عدوُّ ما يجهلُ, وثمة آخرون أكثرُ جهلاً لا يكتفون بالنكران, بل يطعّمونَه بالعداوة والرفض.‏

ذئب في حظيرة كلاب1‏

أخطأ الذئبُ حظيرةَ الأغنام,‏

فولجَ حظيرةَ الكلاب,‏

شمت الكلابُ الرائحة, عرفتْه.. فعلا نباحُها‏

وهبَّت إلى العِراك.‏

صاح أصحابُها: اقبضوا على اللص, أقفلوا الأبواب!‏

وبلمح البصر صارت الحظيرة جحيماً‏

تنادى الناسُ, بعضُهم بالعصي وآخرون بالسلاح‏

وغيرُهم أناروا المشاعل ليستضيؤوا بها!‏

جميعهم يريد أن يعرفَ هويةَ اللص الجسور.‏

انزوى الذئبُ في الزاوية مرتعداً,‏

تصطكُّ أسنانُه رعباً,‏

شعرُه واقفٌ من الخوف كأسنانِ مشطٍ, جاحظ العينين كمن ينوي افتراسَ كلِّ مَن حوله!‏

أناروا الحظيرةَ, علم الذئب أنّه أخطأ العنوان.‏

آ.. آه... لقد حان وقتُ الحساب, وليس أجدى من المكر والاحتيالِ في مثل تلك الحال, فقال:‏

لِمَ كُلُّ هذه الجلبةِ يا أصدقائي!‏

ألستُ قريبَكم وابنَ جلدتِكم, وصهرَكم؟!‏

لم أحضر للعِراك, بل لأعقدَ صُلحاً بيننا يدوم.‏

ولننسَ الماضيَ ونبدأ عهداً جديداً!‏

لن أعتدي على قطيع أغنامكم!‏

بل سأذودُ عنه مستقبلاً بكلِّ ما أوتيت,‏

وأقسمُ قسمَ الذئاب إنني لن أحنثَ باليمين, وأنا...‏

هنا قاطعه الصيّادُ2, صاحبُ الكلاب, فقال له: انتظر: لقد غزا شعري المشيبُ, وأنتَ أيضاً رماديّ, فأنا مَن يعرفُ سجاياكم يا ذئاب, وقد قطعتُ على نفسي عهداً:‏

لا سلامَ مع الذئاب, وإنّما سلخُ الجلود.‏

وأطلقَ الصيادُ كلابَه وقال: انهشيه يا كلاب3!‏

ـ الحمار والعندليب‏

أبصر الحمار عندليباً فقال له:‏

اسمع يا صديقي,‏

يُقال إنّك في الغناء بارع,‏

وإنك فيه سيِّدُ الصنَّعة.‏

لكنني, لستُ ممّن يُؤخَذون بالقيل والقال,‏

ولا أحكمُ في أمر لم أشهدْه,‏

فأسمعني لأحكمَ, فيما سمعتُه عنك أحقيقة هو أم لا!‏

انتصب العندليب,‏

شرع يغرّد, طقطق بمنقاره, صفَّر.. غنّى.‏

تنقّل بين مقامات الغناء والألحان بأسلوب ساحر,‏

جال بين النّغمات.. أطال.. قصَّر.. شدا ترنّم, قطَّع النغمات والأصوات.‏

تنقّل بين القرار والجواب... خفض الصوتَ بعذوبةٍ.. أرسلَه إلى بعيدٍ حنوناً.. كبُكاء ناي حزين.‏

انتقل إلى الإيقاع مثل رق يناجي... يدق سريعاً ثم يمهد.. ثم يعلو..‏

سمعت الغابةُ, بقضها وقضيضها الغناء,‏

سكنت الريح.. تروَّت.. شدت العصافيرُ مع العندليب,‏

تمدّدت القطعانُ في المرج تحت الأغصان, حبس الراعي أنفاسَه كي لا يخدش اللوحة المهيبة, لم يسمح لنفسه بالابتسام, كي لا يقطع متعةَ الغناء على العندليب.‏

أطرب العندليبُ الدنيا بصوته انتشى جميعهم وطرب, وخيم في الفضاء الفرح والسرور... هكذا.‏

قليلاً.. قليلاً توقف العندليب.. وصمت ينظر إلى الحمار.‏

خفض الحمارُ رأسَه, حدَّقَ إلى التراب أمامَه, هزَّ رأسَه شمالاً ويميناً ثم تمتمَ, وقال للعندليب: "لابأس.. لا.. بأس في الحقيقة.. في الحقيقة... غناؤك مقبول, لا أنكر عليك ذلك, لكن.. لكن واحسرتاه... واأسفاه.. لو أنك عرفت ديكنا من قبل, وتتلمذتَ على يديه, لصرتَ حقاً سيِّد الغناء!".‏

بُهت العندليبُ وامتقع لونه, صفّق بجناحيه وطار هارباً لا يلوي على شيء واقسم ألا يعود إلى الغابة, بعد أنصار الحمار قاضياً يصدر الأحكام في الموسيقا والغناء!‏

1 الذئب: هو نابليون عندما احتل موسكو عام 1812م لكنه ما لبث أن فهم أنه قد خسر الحرب لذلك طلب عقد الصلح.‏

2 الصياد: القائد الروسي كوتوزوف الذي هزم نابليون.‏

3 وقد أرسل كريلوف هذه الحكاية إلى القائد كوتوزوف وجنده.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244