|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
عن فراشة الروح ـــ خيري الذهبي أكان لابد إذن للجسد أن يذبل حتى تنشر فراشة الروح أجنحتها الجميلة وتنطلق من إسار اليرقة. أكان لابد للجسد أن يتنحى بكل شهواته وملذاته وأرضيته حتى تنطلق الروح بكل جمالها ورغبتها في الطيران بعيداً... صنع الفنان الذي عاش بضعاً وعشرين سنة.. أعوذ بالله, بضع وعشرون سنة فقط هو ما عاشه الجسد يحكم قبضته على وليد قارصلي. ثم... كانت المعجزة ـ الألم ـ المصيبة ذات الوجهين طبعاً, الحادث الذي قضى على اندفاعات الشباب, وشهواته, وإغراءاته وحيوانيته الحبيبة, أكان هذا حسن حظ, أم كان سوء حظ, أم أنه المقدر الأبدي. من يعرف وليد قارصلي في الستينيات سيذكر منه الشاب الوسيم حتى ليثير حسد الرجال لوسامته التي كانت تؤهله ليكون نجماً سينمائياً, أو تليفزيونياً ولكن الزمان لم يكن مواتياً, من يذكر وليد قارصلي في سنوات تفتح الشباب يذكر أنه كان المؤهل للعب دور لعبه الكثيرون من قبل, ويلعبه الكثيرون الآن, وسيلعبه الكثيرون للسنوات القادمات. إنه الدور الذي كتب عنه أبو العلاء المعري بيته الشعري الشهير: إن الشباب والفراغ والجدة. مفسدة للمرء أي مفسدة. وكان لوليد لولا ذبول الجسد التراجيدي والمفاجئ أن يكون بطل جيله لشعر المعري, فقد كان لديه الشباب, وكان لديه الوسامة, وكان لديه شهرة أمه الفنانة الرسامة المبكرة جداً إقبال ناجي قارصلي التي كانت (ربما) أول رسامة في سورية في العصور الحديثة ممن قررن أن يمسكن بالريشة. لماذا؟.. لا أحد يعرف, فمن يعلم العصفور الغناء. هل من جواب؟ رسمت وتعثرت, وتخبطت, ثم أبدعت, وكان وليد يراقب, ويرى, ويسمع, ولكنه في تلك السنوات لم يقرر أن يكون الرسام, ولماذا؟.. وما المغري في بلد كان الفن فيه هامشياً, وخاصة في تلك السنوات. كان يرى ويتشرب, ويرفض المشاركة, فأصغى إلى صوت جيله الذي كان يدفعه إلى التعقل والبحث عن مصدر رزق حقيقي محترم, فاختار الهندسة وأوفد إلى موسكو ليكون المهندس الالكتروني الذي كان الجميع ينتظره. في موسكو كان وليد على موعد مع بيت المعري ثانية, فكان لديه هناك الشباب والوسامة والفراغ والمال. هذا الفخ الذي وقع فيه الكثيرون ممن أوفدوا إلى مدن الغرب, فعاشوا سنوات لهو ستظل ذكراها عالقة بين أضراسهم يثرثرون ويتحدثون عن متعها كلما خلوا مع ذكرياتهم. ولكن كان لوليد من كل المؤهلات الشخصية للشاب اللاهي كان له الحظ الذي جعل الملائكة, أو الشياطين تحس بالحسد, فكيف لبشري فان أن يعيش كل هذا المرح. وكان أن مضى وليد في إحدى إجازاته ليسبح, وأين؟ لا. ليس في مسبح تابع لفندق, وليس في مسبح تابع لناد رياضي, بل في نهر... من ساقه إلى هذا النهر في ذلك اليوم, في تلك الساعة, إلى ذلك المكان؟ أهو واحد من آلهة الإغريق الحاسدة التي رفضت الموت مع قدوم الديانات التوحيدية؟. أهو واحد من ملائكة الديانات التوحيدية, أم هو ببساطة الشيطان. لا جواب. ولكنه قفز إلى النهر, وكانت الكارثة.. انقصم عموده الفقري, وتأذى نخاعه الشوكي. لم يتخل الحظ تماماً عن وليد, ففي قاع المصيبة التي كان يمكن أن تدمر آخرين كان لوليد أصدقاء حملوه إلى المستشفى, ثم إلى العلاج المكثف والطويل والناجح جزئياً, فأنقذ ما أمكن إنقاذه.... ولكن ذلك الفتى الوسيم الشاب المحسود من المعري أخذ في الذبول, وكانت الإعاقة تلك التي رأيناها لدى آخرين تحيلهم إلى شكائين, بكائين, طالبين العون والمساعدة والشفقة. انظروا إلى الحظ العاثر وما فعل بي... أشفقوا علي حتى لا تصيبكم مصيبتي!!. في ليالي الوحدة والألم والعجز المفاجئ أخذت الروح الحبيسة في الجسد الذي أجبر على إطلاق سراحها في التململ, والتمطي, كانت تقول: لقد جاء دوري... أعطيتَ بضعاً وعشرين سنة من ملذات الجسد, أعطني فرصة صغيرة لأريك ما يمكن للروح أن تعطي. وهكذا أخذ وليد يعاقب الريشة والألوان والقماش أكان يعرف في تلك الأيام المبكرة, أن فناناً جميلاً سيخرج من تلك المعابثات, أم أن تلك المعابثات لم تكن إلا معابثات أخرى يسلي بها نفسه؟.. لا جواب. ولكن. معابثات إثر معابثات, وضربات ريشة إثر ضربات ريشة, وصدمات وتهنئات إثر صدمات وتهنئات كل هذا أخذ يمزق عنه أغلال الجسد, وأخيراً انطلقت الفراشة, وولد الفنان الجميل وليد قارصلي. ترى, لو لم يصب الجسد, وتنطلق الروح, أكان لنا أن نذكر الآن ذلك الفتى الجميل الذي كان لابد أن تكون السنون قد سرقت منه النداوة والطراوة والجمال كما سرقتها من كثيرين من لم يصابوا بمصيبته, أكان لنا أن نذكره كما نذكره الآن الشاب النضر الجميل الكريم كما نذكر منه الفنان الآن. يا إلهي... أكان لابد إذن من التضحية بالجسد الجميل حتى نحصل على فراشة الروح!!! وداعاً يا فراشتنا الجميلة, وداعاً يا وليد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |