جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 28/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أيوب ـــ خالد السلامة

ما مرة صعدت سريعاً كما في الأيام الخوالي, ثم وئيداً في السنوات التوالي, السلّم الموصل إلى بيت (هشام) أو حادثته عبر الهاتف, إلا طاف ببالي بدر شاكر السياب, خاصة بعد أن أخذت صحته تزداد تدهوراً وتحوّلت اهتماماته الكونية, ليكون الموت الفردي شاغله الوحيد, فجأر بالشكوى في مجموعات شعره الأخيرة (يا ربّ أيّوب قد أعيا به الداءُ.... يدعوك في الدُّجنِ, يدعوك في ظلموت الموت أعباءُ، ناء الفؤاد بها فارحمه إن هتفا؛ يا منجياً فلك نوح مزّق السُّدَفا,... يا ربّ ارجَع على أيوب ما كانا, جيكور والشمس والأطفال راكضة بين النخيلاتِ وزوجة تتمرّى وهي تبتسمُ, أو ترقبُ البابَ تعدو كلّما قُرعا؛ لعلّه رجعا, مشّاءة دون عكازٍ به القدمُ), مثلما يطوف ببالي النبي أيوب الذي صار مضرب مثل على الصبر عبر الأزمان, هذا الذي نادى من قبل, ربُّه كما في محكم التنزيل (أنّي مسّني الضرُّ) و(أنّي مسّني الشيطانُ بنصبٍ وعذاب). وطيلة الزيارة وبعدها أيضاً تتشابك الوجوه الثلاثة وتتداخل؛ وجه هشام الهادئ يطلّ من السرير, أو من الكرسي المتحرّك, وجه بدر النحيف المتطاول كما عرفناه في الصحف ووجه أيّوب الذي نسجته ذاكرة الناس دائمة التوقد.‏

لأدعية أيوب استجاب الله (اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب) فشُفِيَ الرجل تماماً وعاد له كل ما فقده آناء الابتلاءات. لأمر ما لا نجد له تفسيراً ونقصر عن معرفته, لم تتنّزل العناية الإلهية على بدر برغم شكواه اليقينية في قصائده العديدة, وبرغم الطواف به على بيروت وبغداد وباريس ولندن والكويت, بغاية العلاج, من شلل بالأطراف السفلى عانى منه, مدى عامين, قبل أن يرحل قبيل بلوغه الأربعين بقليل, كما لم تتنّزل العناية على هشام, وهو اقترب في أخريات حياته إلى درجة الواصلين, بعد أن مكث في دمشق وفي حلب ثم في لندن وهلسنكي فترات متفاوتة ليعود أخيراً إلى بيته في دير الزور يائساً من إمكانية الشفاء, حتى ولو كان نسبياً. من شلل تام في الأطراف السفلي رافقه عشرين عاماً, ثم رحل بذات الطريقة التي أودت ببدر من قبل؛ التهاب في الرئتين وهو لم يتجاوز الخامسة والخمسين كثيراً.‏

لكن ما الذي يجمع هؤلاء الثلاثة؟؟... في ظاهر الأمر, هم, وفي أزمان متباعدة وفي أماكن متنائية وبعد تألّقٍ قصير تصوروه إقبالاً دنيوياً شيّدوا فيه أحلاماً وآمالاً, عانوا من ابتلاءات لا حدود لها كلّ على حدة, حتى وصل كل منها إلى شاطئ نهايته المقدّر.‏

أيّوب عندي ابن ذاكرتنا المرتكزة على ما ورد في التنزيل وما جاءت به التفاسير وما تواترت به ألسنة المتحدثين. في الأماسي القصية في الغرف الدافئة, على ظهر البيوت في الليالي الحارة, تحت النجوم في الصحارى, في الدباديب, تحت الأشجار سمعت اسمه كثيراً, كما سمعه ويسمعه الكثيرون, جعلوه رمزاً للصبر والقدرة على الاحتمال, الشباب الدافق كان يرفض ذلك كصيرورة, آنذاك مهتماً باللغة, لا لشيء آخر, قرأت الكتاب المقدّس, وهو الذي روجت للغة قريبة من لغته, إن لم تكن منحت منه, مجلة (شعر) التي أسسها يوسف الخال في النصف الثاني من القرن المنصرم والمجلات التي جاءت بعدها. سيشدني أكثر نشيد الإنشاد ثم سفر أيوب. مرات أُخر سأقرأ الكتاب المقدس بلغات غير العربية في فنادق العالم التي نزلتها, إذ عادة ما يصنعون قرب السرير نسخة منه, في زمن لاحق وقد هبطت علي ابتلاءات ما تزال تترى قرأت سفر أيوب بطريقة لا تمت إلى الطريق السابقة بصلة, بل؛ بالطريقة التي أصبحت أقرأ بها القرآن الكريم سأتعرف لا على أيوب الذي سرقه اليهود, بل على النبي سيد الصابرين من أشاد به محكم التنزيل (نِعْمَ العبد إنّه أواب).‏

بدر شاكر السياب ما التقيته, لكن قرأتهُ كثيراً, على صفحات (شعر) وعلى صفحات (الأداب) أو في المجموعة الشعرية الكاملة, وقرأت كل ما كتب عنه, هو عندي أحد أجمل وأرق وأشجى الينابيع الشعرية التي غرفتُ منها قطرات الشعر الندية الأولى, وتحت خميلته المعرشة جمّعتُ بواكير حروفي ودوزنتُ فواصل أوزاني. أحببُت كلّ ما كتب بدرٌ من البواكير حتى شناشيل ابنة الجلبي وإقبال, أوجعتني حياته القاسية؛ صعوده المتألق موت جسده التدريجي, حرارة شعره, مقدرته على التجديد, الروح المبدع لديه ثم موته الموحش.‏

أما هشام الشيخ عطية الأقرب للقلب من القلب وللروح من الروح فكانت علاقتنا معاً حدثاً لا يُنُسى, في الثانوية كنا معاً نحلم بصنع العالم. درسنا الهندسة سويّاً دون اتفاق, هو في القاهرة وأنا في دمشق. على التوالي التحقنا أيضاً دون اتفاق بحقول النفط برميلان. شاركنا الآخرين, وهم من أنبل البشر وأروعهم, في تجربة استخراج واستثمار النفط وطنياً. الحقول أيامها لم تكن غير تراب وسماء وبضعة بيوت من طين مغطاة بالصفيح وآليات وآلات من كل أنحاء الأرض, الجميع كانوا حياة تفور ونبعاً يدفق وجناحاً يجمح. غادرنا رميلان أيضاً دون اتفاق, هو إلى موسكو ليقضي هناك, دارساً للدكتوراه, أربعة أعوام وأنا إلى خدمة العلم. عدنا إلى حقول النفط ثانية ولكن إلى حقل الجبسة قريباً من الخابور. الحقل كان مجموعة من الخيام التوتيائية يوقّع عليها المطر, خاصة في الليالي, موسيقا سيتذكّرها هشامُ دائماً وهو يتمدّدُ مُقعداً في سريره مطّلاً عبر زجاج النافذة على فرع الفرات الجنوبي في المدينة, لن يمكنه أن يسمع صوت مطرٍ كذلك الصوت. سيتلذّذُ فقط برؤيا الحبّات المتساقطة مسترجعاً أيام الجبسة موشاة بحرارة الفقد وشوق البعد رغم أن التجربة غدت أكثر تعقيداً والأحلام فقدت بريقها والشعار هبط على تراب الواقع. مساءاتنا, أعمالنا اليومية, مشاويرنا في البراري, أسفارنا, أحلامنا المستمرة, أحاديثنا, حيوات أتذكرها دائماً, لكن هشام وقد صارت حياته فراغاً لا تملأه زوجةٌ ولا يكسر صقيعه ولدٌ ولا يبدّده عملٌ ولا تسيطر عليه عافية و تهدهده أمٌّ, سيذكرني آن زياراتي له أو في اتصالاتنا الهاتفية بدقائق الأشياء وكأنها حدثت البارحة. أوائل الثمانينات غادرت حقول النفط, للعمل في حوض الفرات. طيلة أربعة أشهر بعدها سيزورني كل يوم جمعة في منزلي بدير الزور. في زيارته الأخيرة التي لن تتكرر أبداً, سيعلمني أنه سيغادر الحقول ليستقر في حمص. بعد أسبوع من حديثنا هذا سأغادر ملتاعاً الرقة, مركز عملي الجديد, إلى حلب لموافاة هشام المتمسّك بما تبقى من حياة تكاد تغرب, نتيجة تدهور السيارة التي كان يقودها مساءً, عائداً إلى مقر عمله في الجبسة. انعكس ضوء مصباح دراجة نارية يقودها عابر سبيل قرابة منتصف الليل على زجاج ساعة يد هشام المغمى عليه فتمّ إسعافه. يومها عرفت أن شقيقه الأكبر الدكتور بسّام الذي كان مع العائلة إلى جواره, يقرض الشعر ويقترف موبقة الكتابة كالكثيرين وأنا واحد منهم.‏

منذ أيام هوى هشام. طيلة عشرين عاماً هاجمته ضباع المرض وذئابه وثعالبه, وظل الرجل بجسد نصف ميت يصدّ هذه الجحافل الكاسرة, دون أن يستسلم, ما رأيته يتشكى أبداً, بل كنت ألمس قدرته على الاحتمال للارتقاء فوق ما هو مبتذل وعادي, كما ألمس تحرره من شباك القلق والخوف أمام الموت. طيور إيمانه ازدادت على مدى السنين عدداً لتحمله إلى مراتب عسيرة الإدراك والمنال. ذات صباح طلب إلى أخيه الدكتور عزّام, ملهوفاً, إسعافي إلى المشفى التي يديرها إثر إصابتي بالنوبة القلبية الثانية حين كنت أحادثه على الهاتف, وظل يطمئن عليّ, وهو من كان بحاجة دائمة للعزاء, طيلة مكوثي في غرفة العناية المشدّدة. قال لي, وقد عدت للبيت (لسّه وقت, أخوي أبو توفيق) أي لم يحن بعد أوان الرحيل يا أخي.‏

فرحته بالصغار كانت لا توصف, أولاد إخوته, وخاصة رضا ابن أخيه عزام, كانوا في عيونه. أولادي يفرح بهم بطريقة مذهلة, يقول متى يكبرون؟؟.. ويحتفل بأخبار أخوتي الذين عرفهم صغاراً وصاروا بعد ذلك رجالاً. لم أسمع منه أنة يأس سوى مرة واحدة طيلة هذه الصحبة الممتدة أربعين عاماً. عرفت أنه في المشفى فأسرعت إليه برفقة أخي أحمد. وجدت شقيقيه الدكتور عزام والمحامي عصام. أشرق وجهه بالفرح, قال زميلنا المهندس رياض قنبر قبل موته الفاجع بُعيد وفاة الدكتور هشام والذي كان يزوره؛ جاء حبيبك خالد، فرفع هشام نصفه الأعلَى متحاملاً. سألته عن الحال, قال اختلطت الأمور, هذه المرة تعبت كثيراً يا أخي. وفعلاً كان الرجل تعبا جداً, لكنه في ذات اللحظة طلب إلى أخيه الأصغر المهندس تمّام الذي يهاتفه من الكويت ألاّ يحضر, غير أن الرجل حضر قبل قليل من موارة جدث الحبيب التراب.‏

الآن والرجل داخل الملكوت, لا أدري كم سيمر من الزمن لأعي غيابه, بل ربما تغرب شمس حياتي, في معاقرتي اليومية للموت, دون أن أصل لهذا الوعي, ولا أدري كم من الوقت سيمرّ ليدرك أخوتي وأولادي أن رنين جرس الهاتف سيقرع طويلاً قرب السرير, فهناك؛ لا أحد يجيب, لقد رحل هشام هذه المرّة, ربما لأنه أدرك أن علاقته الملتبسة بالحياة ليست ناتج عتاب حبيب لحبيب, كما كانت تفعل عادة, بل ناتج ملل موحش هذه المرة. هي كما قيل:‏

لو كنت عاتبةً لسكنّ عبرتي‏

أملي رضاك وزرتُ غير مراقبِ‏

لكن مللّتِ, فلم تعدْ لي حيلةٌ‏

صدُّ الملولِ خلافُ صدّ العاتبِ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244