جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 28/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ما ألأمه! وما أنبله! ـــ عبد القادر الحصني

وأُعجب منّي كيف أخطىء دائماً * * * على أنّني من أعلم الناس بالناسِ‏

لا أعرف المناسبة التي قال فيها أبو العلاء المعرّيّ هذا البيت, ولا أستطيع حصر الدواعي التي استجاشت نفسه لقول ما قال.‏

ولكنّ هذا البيت استوقفني, وداعى إليّ بعض ما عانيت وعرفت من لئيم طباع الناس وكريمها, فرأيت أن أبوح بشيء منه, بإيجاز, في هذا (المرفأ), وما أنا؛ هنا؛ بالواعظ ولا بالناصح, وإنما المستعجب المستغرب والمعجب المتأدّب, المتلبّث أمام كلمة (إنسان) إلى أيّ أفق ترتقي, وإلى أيّ حضيض تهوي.‏

فمن لئيم ما عرفت من الطباع أن يسيء أحدهم إليك, فتصفح عن إساءته, فلا يصدِّق أنك صفحت وتجاوزت عن فعلته, لأنَّه يقيس نفسك على نفسه, فيرى الصفح غير ممكن, فيبقى مكنّاً العداء لك...‏

ويذهب إلى أبعد من ذلك, فيتصوّر صفحك وتغاضيك من باب المكر به, فيضاعف هذا ما في نفسه عليك, فيبقى مترقّباً ما سيكون منك في الردّ على ما تعمّده من الإساءة إليك, فيعاني ما يعاني من مرارة التوقُّع, ولا يجدي؛ هنا؛ ما يبدر منك من سماحة تشعره بأنّه بات في حِلٍّ مما كان, فينتقل من توقّع الشّرّ منك إلى التربّص بك, فإذا سنحت له فرصة إيذائك أوقع بك الوقيعة التي هي الجزاء لك على ما كان يتوهّم لابدّية صدوره عنك.. فتنال شرّ العقاب.‏

قال لي صاحبي: أنت تستحقّ ذلك: فلو جاريته الإساءة بالإساءة لقضي الأمر أو لمضي في نصابه. أما أن تطالعه بعد الإساءة بنبلك, فهذا مما يحقّر نفسه له, ويجعله ناقماً على فعلة جديدة ارتكبتها بحقّه حين صفحت عنه.‏

قلت: وماذا أفعل؟ أنا أرحته, ونفسه لم ترحه.‏

قال: الخير لا يريح الشّرّ.‏

ومن كريم النفوس التي عرفت نفس ذلك الشيخ الكبير المسنّ الذي أودت فتنة بولد له إلى السجن في زمن كان الداخل فيه إلى السجن مفقوداً, مذنباً كان أم بريئاً, فعطف مسؤول كبير على شيخوخته, وأخذ بعين الاعتبار ما تكنّه العامّة والخاصّة له من الاحترام, فزاره, وأبلغه أنّه قد يسّر له أن يزور ولده بعد أعوام من سجنه, زفّ له الخبر كأنّه بشرى, توقّع أن تجعله سعيداً ممتنّاً, ولكنّ الشيخ كان في وارد آخر, إذ سال المسؤول بهدوء واطمئنان: وهل مثل هذه الزيارة متاحة للناس جميعاً ليروا أبناءهم؟‏

قال المسؤول: لا. بل هي إكرام لك, وتقدير لمنزلتك.‏

فصمت الشيخ قليلاً, ثم قال: لا يكون منّي هذا والله, كيف أميّز نفسي عن الناس؟! انتظر خروجه من السجن فإن كان على قيد الحياة وكنت على قيدها التقينا, وما لم فلقاؤنا يكون عند الله... وهنالك يكون اللقاء أسعد وأجمل. ومرّت الأيام مؤجّلة لقاءهما إلى حيث رآه الشيخ أسعد وأجمل.‏

في النفس:‏

هي النفس إن هانت أطاحت بربِّها‏

ويبقى عظيماً في الأنام عظيمها‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244