|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حرية السفينة وبيان بيروت ـ دمشق ـــ د.حسين جمعة ما من فجر يبزغ على المواطن العربي إلا سيجد نفسه أمام صراخ من نمط جديد يغاير صراخ اليوم السابق لـه أو سيجد أن هناك موقفاً لأديب هنا ومفكر هناك يلبسه ثوباً مصبوغاً بصبغة المبادئ والثوابت لينسجم مع تطلعاته وآرائه الخاصة ... أصبح التلون والتبدل أصلاً وأسلوباً يمارسه كثير من السادة والقادة والمثقفين والمفكرين العرب، بحجة التكيف مع الواقع الجديد، أو بحجة مزاولة مبدأ الحرية الفكرية وحرية التعبير واحترام حقوق الإنسان. إنه الأسلوب المبتكر لكثير من أنماط الصراخ والبكاء والنحيب على مذبح الحرية واحترام الرأي الآخر؛ إنه الأسلوب النفسي الفكري المؤيد بكل وسائل القوة الناعمة الممثلة بالإعلام والفضائيات والانترنيت ومراكز المعلومات ومراكز البحث العلمي، إنه أسلوب يهدف إلى إجراء عملية غسيل كبرى لتحويل الذهن العربي من موقف أو مبدأ إلى آخر. ولهذا فإن كل مواطن شريف يتساءل: أين تكمن الحكمة في توقيت بيان بيروت ـ دمشق، الصادر في بيروت (6/4/2006م) في الوقت الذي يسعى فيه المخلصون والشرفاء في البلدين وفي العالم إلى إزالة أي خلاف من أي نوع بعد ما حدث في بيروت من زلزال عظيم إثر جريمة اغتيال الرئيس الحريري؟. أين يقع هذا البيان من الحراك الوطني والحراك السياسي الذي يجري في الدوائر العالمية، ولا سيما دوائر البيت الأبيض وفرنسا وبريطانيا وجماعة ما يسمى (14) آذار؟ إذ لم يعد يخفى أن هذه الدوائر كانت وراء صدور قرار مجلس الأمن (1680) المعطوف على القرار (1559)؛ وكلاهما مبني على رسم سياسة جديدة لسورية ولبنان، علماً بأن الدول صاحبة القرار في مجلس الأمن رفضت تضمين القرار (1680) أية إدانة للخروقات الإسرائيلية في المنطقة!!. ومن ثم كيف يمكن التوفيق بين حرية الوطن المهدد بوجوده وبين ممارسة الديمقراطية الفردية؛ ولا سيما حين روّج بعض المثقفين رؤيتهم الخاصة مستفيدين من القوة الناعمة للإعلام والفضائيات والانترنت التي تسيطر عليها الدوائر الغربية، والتي سارعت إلى استغلال هذا البيان للهجوم على سورية. ولهذا كله نتساءل: ما الهدف الذي يريده بعض المثقفين من توقيعهم على بيان دمشق ـ بيروت؟. وللإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نشير إلى ما يأتي: 1 ـ نحن نجل العديد ممن وقّعوا على البيان، ونربأ بأنفسنا عن تخوين أي واحد فيهم. 2 ـ نحن نقدس حرية الرأي وحرية التعبير واحترام الآخر، ولا يجوز أن يحاسب أيّ مثقف وطني على رأيه، لأن الحرية تمارس بمزيد من الحرية كما قال الرئيس الراحل حافظ الأسد. 3 ـ من حق الكتاب علينا أن نقف إلى جانبهم وندافع عنهم باعتبارنا مؤسسة لهم تمارس الكتابة المبدعة، وتؤسس مبدأ المثاقفة الواعية المستندة إلى الحرية الصحيحة /حرية السفينة/ التي تبني ولا تهدم. ومن منطلق مبدأ حرية السفينة سنناقش بعض ما جاء في بيان دمشق ـ بيروت فقد ذهبوا في مقدمته إلى أن هناك شعبين في بلدين متجاورين؛ ونحن نرى أنهما شعب واحد تقاسم العيش المشترك فيهما؛ وعانى معاً ويلات الظلم والاستعمار، علماً أنه لا يخفى على أحد أن كثيراً من الأسر والعائلات موزعة على البلدين وكذلك نؤكد لهم أن مخاوفنا من تدهور الأوضاع بين البلدين لا تقل عن مخاوفهم لأنها تزداد ساعة إثر ساعة ولهذا نتساءل: هل يصلح هذا البيان عمليات الفساد والإفساد التي يمارسها كثير من الضالعين في تفتيت أواصر القربى بينهما أم أنه سيحطم القلوب؛ ويدمر العلاقات التاريخية الأخوية حين يمضي في توصيف الحالة الراهنة في سورية ولبنان توصيفاً يماثل ما يأتينا من الآلة الإعلامية الأمريكية والصهيونية وما يُمارسه أقطاب كبار من جماعة ما يسمى (14) آذار؟. هل يستطيع هذا البيان أن ينتشل النفوس المريضة من أوزارها المشحونة بالكراهية والمتنكرة للتضحيات السورية في لبنان والحاقدة على كل الثوابت الوطنية والقومية؛ أم أنه سيطلق شظايا جديدة لتصيب النفوس الصحيحة بالانكسار والقلق وتشوه الرؤيا؟ وفي ضوء ذلك فنحن نشاطر أصحاب البيان رأيهم في أن تعدد الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجب أن تكون مصدر غنى وتنوع؛ بل يطلب إليها أن تجري تنسيقاً وتكاملاًَ ومراجعة شاملة لمسيرتها في كل فترة للتخلص من الأخطار التي وقعت فيها لا أن تصبح كابوساً يخيف الشعوب؛ ويعيق تقدمها ويوقعها في أزمات شتى على صعيد التعاون الثنائي أو الثلاثي؛ ولكننا ـ في آن معاً ـ نتوجه إليهم بالسؤال: أين يكمن التنسيق السوري اللبناني الذي رعاه المجلس الأعلى للعلاقات اللبنانية ـ السورية؟ ـ ألا يقع في هذا المجال الذي يدعون إليه وإن شابه بعض العوائق الموضوعية؟ أليس المنطق العلمي أو المبدأ الخلقي يفرض علينا الاعتراف بنجاح هذا المجلس في الوصول إلى نمط من العلاقات أكثر انسجاما في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أي علاقات أخرى بين البلاد العربية؟ ألم يستطع البلدان في إطار هذا التنسيق التكاملي أن يقفا في وجه الغطرسة الأمريكية والصهيونية ويسقطا اتفاق (17 أيار) وأن يهزما الجيش الصهيوني على يد المقاومة الوطنية الباسلة في جنوب لبنان، لينعم بالحرية في (25/5/2000م)؟! لذلك كان لابد للدوائر الإمبريالية والصهيونية والأدوات الاقتصادية الغربية من القضاء على مشروع التنسيق والتكامل بين البلدين أو تخريبه، ولهذا خططت لارتكاب جرائمها السياسية ومارست عمليات الاغتيال المنظمة لاغتيال أي أمل في التقارب بين البلدين متهمة بها سورية تحت ذرائع شتى علماً أن سورية أدانت كل أشكال الاغتيالات وطالبت بالكشف عن منفذيها لمعاقبتهم وفق القانون. ومن هنا نرى أن البيان قد حمل في الفقرة السادسة والسابعة منه أشياء غير قليلة من روح اتهام سورية بجرائم الاغتيال ولا سيما حين تضمنت رفض العقوبات التي تمارس بحق سورية. لذلك كله كان على المثقفين الحكماء والناصحين الذين لا يمثلون إلا أنفسهم أن يكونوا أكثر عدلاً وإنصافاً لشعبهم ووطنهم وأمتهم. وأن يسعوا حقيقة إلى تنمية الثقة وتطويرها بين أبناء البلدين وقيادتيهما على أساس الاحترام المتبادل والتكافؤ في المصالح المشتركة بدل أن يرجموهما بالحجارة، ويصبوا الزيت على النار؟ إن البيان بما يشوبه من أخطاء فكرية وسياسية يمثل الحركة الخاطئة في غير زمانها ومكانها المناسبين ولا تمثل الآراء الواردة فيه إلا رؤية الموقعين عليه؛ ولكننا في الوقت نفسه نرى أن حرية الرأي والتعبير لا تمارس إلا بمزيد من الحرية؛ حرية السفينة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |