جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

المثقف الحقيقي والمثقف المزيف ـــ د.ماجد أبو ماضي

إذا أمعنا النظر وأنعمنا التفكير في كلمات تدور في فلك لغويّ واحد؛ لأن جذرها واحد لكن معانيها مختلفة, هذه الكلمات هي: الثقافة والمثاقفة والتثاقف, وكل منها يدل على نوع من المثقفين يختلف عن الآخر, فهذه الكلمات الثلاث معدودات, وعددها قليل بين كلمات اللغة العربية لكن نلاحظ وجود معان لكل منها تختلف عن معاني الكلمتين الأخريين, وكل منها تنطبق على فئة من المثقفين ولها مدلولات نستطيع التعبير من خلالها... فالثقافة تعني ثبات المعرفة بما يحتاج إليه الإنسان وأضاف علماء اللغة كلمة مرادفة لها تذكر معها فقالوا: رجل ثَقِف لَقِف أي: رامٍ راوٍ, وهذا إذا كان ضابطاً لما يحويه من علم, قائماً به, كما أن من صفاته سرعة التعلم واستخدام المعلومات في وقتها المحدد, وإخراجها في الحوارات والمداخلات لطرح أفكاره التي يؤيدها بتلك المعلومات التي تزود بها مسبقاً, وتتكون هذه الثقافة نتيجة الاهتمام بمجال محدد؛ فيتعمق به الإنسان ويقرأ ما كتب عنه فيحصل عنده تراكم في الأفكار والآراء والنظريات؛ وعندما يصل تراكم المعلومات إلى حد معين نقول إن الإنسان مثقف ويمتلك حصيلة ثقافية جيدة... والثقافة في عصرنا الحاضر اتخذت منحىً يختلف عن المنحى الذي اتخذته في عصور خلت, فقد مالت الآن إلى التخصص بمجال أو مجالين وربما أكثر من ذلك عند قلة من المثقفين, وهذا يخضع لجهود المثقف في الاهتمام بمحور ثقافي يميل إليه ويستهويه, ونتيجة للتواصل مع هذا الاختصاص أو ذاك تتشكل لديه حصيلة ثرة من الأفكار والتسلح بالثوابت من الآراء والنظريات يستطيع استخدامها كركائز ينطلق من خلالها في مداخلة أو مناقشة, وحتى في أثناء النقاش إذا أراد أحدهم طَرْق موضوع محدد ليضعه على ساحة الحوار يجيبه الآخر: هذا ليس من اختصاصي, أتمنى أن تحدثني في إطار اختصاصي ولا نريد الخروج إلى اختصاص آخر... وهذا يدل على تمسكه بمنحىً ثقافي هو المنحى الذي يسير عليه في ثقافته, فنجد مَنْ يتخصص بالنقد أو اللغة أو الشعر أو القصة... وهناك مَنْ يتخصص بالمجال السياسي أو الفني أو الرياضي... وإنه لو تنوعت الثقافة عند أحدهم فإننا نجده في اختصاصه متميزاً على بقية الاختصاصات..‏

أما الثقافة في أزمان خلت ـ وبخاصة في العصر العباسي ـ فكانت تعني الأخذ من كل علمٍ بطرف, وهذا يعني أن الثقافة عند الفرد لم تخضع لتخصص واحد أو مجال محدد, فنجد عالماً من العلماء يمتهن الطب مثلاً ونجده في الوقت ذاته يُلِم بالفلسفة والمنطق والشعر والأدب, وحتى الموسيقا, وكذلك بالكيمياء والرياضيات..‏

أما المثاقفة فتعني الحِذْق والفطنة وصاحبها يتمتع بالحنكة والذكاء, فهنا لا يكفي للإنسان أن يكون متمكناً ثقافياً وعلمياً في مجال محدد بل عليه أن يعرف كيف يختار المعلومات والأفكار التي يُخضعها لحوار يُدار؛ ليؤكد صحة ما طرح من رؤى يرد بها على الطرف الآخر في النقاش, إذن المثاقفة لا تكون إلا مع طرف آخر؛ وهذا ما يدل عليه وزن كلمة (مثاقفة) وهو (مفاعلة) وهذا الوزن يدل على المشاركة في الشيء والاشتراك فيه نقول: (مواجهة ـ مبارزة ـ مماحكة..) فالمثاقفة بمفهومها الصريح هي تطويع الثقافة لخدمة المثقف في حوار أو مداخلة ليرد على مَنْ يقف في الطرف المعاكس فبحسن اختيار ما يؤكد كلامه وما يؤيده يستطيع إثبات رأيه ودحض مزاعم الآخر بالنظرية والحجة والمنطق, وهي عملية ذهنية فكرية معقدة لا يتقنها إلا مَنِ امتلك حنكة ومهارة وذهناً وقاداً, فكثير من الناس يمتلك الأفكار والمعلومات؛ لكنه يعجز عن التعبير عنها وعن اختيار ما هو مناسب لموضوع الحوار فنراه يشط في نقاشه ويدخل في متاهات نقاشية متداخلة أحياناً؛ ومتناقضة أحياناً أخرى, وعندما يقع في ذلك نرى أن موقفه أصبح ضعيفاً, واستطاع الآخر الأجهاز عليه ـ ثقافياً وإظهار الضعف والتناقض بما يطرح في أثناء النقاش.. فلا يكفي المثقف أن يقرأ ويتعمق ويمتلك المعلومات والنظريات... بل المثاقفة في توظيف كل ذلك لخدمة الفكرة التي يطرح وتأييد المقترح الذي يقترح وإظهار الرأي الذي بفرضه يطمح.... وهنا نستطيع تصنيف المثقفين في درجات مختلفات وذلك بحسب المعايير الثقافية, واستخدام الفرد لمعلوماته وتسخيرها لنقاشه وفكرته ورأيه.‏

أما التثاقف فيتضمن المعنى المعاكس للمصطلحين السابقين, فهو يدل على التظاهر بالثقافة وتصنعها وإقحام نفسه فيها دون وجود خلفية ثقافية في أي مجال من المجالات, فلو تأملنا في وزن (تثاقف) لوجدناه: (تفاعل) وهو يدل إما على المشاركة أو على تصنع الشيء فنقول: (تضاحك ـ تمارض ـ تفاصح...) فصاحبها يشارك في النقاش مع غيره, ويتعمد أن يظهر نفسه بأنه مثقف, ولكنه في واقع الأمر عكس ذلك, فكم من شخص يتصدى لنقاش ويعلو صوته, ويرغي ويزبد, وإذ بنا نجده يقع في تناقض كأن ينفي في نهاية نقاشه ما كان يثبته في بدايته, ونلاحظه أحياناً وقد أتى بنظرية لا أساس لها وإنما أتى بها ليدعم رأيه لكن دون وجود معلومات كافية عن تلك النظرية أو القول الذي يستشهد في نقاشه, وإذا سألته عن هذه الأقوال من أين استقاها وعن تلك النظرية من صاحبها وما المرجع الذي أثبتها.. فإنك تراه يتأتئ ويضطرب في كلامه ولا يعطيك الكلام الصحيح والمفيد... وإذا ذكر لك المرجع فعندما تعود إليه لا تجد ما ذكره فيه... وهنا يحدوني القول بوجوب الأمانة في النقل والإحالة على المصادر والمراجع المحددة وتوفير عناصر الحوار المنطقي والعقلاني... وللأسف فإن ما نجده عند بعض المثقفين أنهم ينشرون بعض المقالات أو فقرات مطولة من الكتب أحياناً دون الإحالة على الكتاب الذي أخذوا منه المعلومات فيأخذون منه وكأنهم هم من أتوا بها, فهذا ما نلاحظه في الشعر أيضاً؛ فهناك مَنْ يسطو على قصيدة جميلة وينسبها له وأنه هو مَنْ كتبها وصاغ أبياتها ونسق صورها واستعاراتها لكن هؤلاء سيظهرون مع مرور الأيام وستكشف الأقنعة عنهم, إذ ليست من المعقول أن يبقوا متخفين وراء تلك الأقنعة طوال الوقت, فيصدق قول مَنْ قال: تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت, وأن يخدع كل الناس بعض الوقت, لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244