|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ديمقراطية استطلاع الرأي العام ـــ د.فايز عز الدين إن ما تميّزت به الفترة الرئاسية للرئسي دبليو بوش يمكن أن يُصطلح عليه بفترة حرب التدخّل الدولي, والضغط على السيادات الوطنية تنفيذاً للمصالح العالمية لأمريكا القطب الوحيد المهيمن. ولعل مثل هذه الميزة هو الذي جعل أمم الأرض تنشغل بالسياسات الأميركية أكثر مما كان قد قيّض لها أن تنشغل بها في مراحل سابقة. والسبب في هذا له مرجعيات متعددة يقع في أهمها صورة عالم ما بعد حوادث الحادي عشر من أيلول في أميركا 2001, وطريقة الإدارة الأولى للرئيس بوش الابن في الحرب العالمية على الإرهاب الدولي حيث أصبحت وثيقة الأمن القومي التي صيغت في البنتاغون أعقاب الحوادث المعنية الموجه الأهم للبرنامج الدولي للسياسة الخارجية مما أدخل العالم في زمن الحرب الاستباقية, واستراتيجية التدخل في السيادة الوطنية لأمم الأرض المختلفة تحت ذريعة تجفيف منابع الإرهاب الدولي, وقطع طرق انتشاره التي لم يتحقق شيء منها بعد. واللافت في هذه المسألة لم يقف عند حدود الدول المارقة كما كانت قد حددت الإدارة الأميركية بل صار مُتعدّى الحال يصل إلى كل من ترى السياسة الأميركية رغبة في إدخاله هذه الخانة حتى تفرض عليه أن يأخذها بالحسبان, ويقر بالدور الدولي الذي ترسمه, وتحتوي فيه, أو تهيمن على القرار, وهذا يعني أن القوة المتوافرة في القطب الوحيد المهيمن, والمزاج الحربي الذي تمارسه في سياستها العالمية صارت تجد في مجال الأمن الوطني للأمم المختلفة عوامل رُهاب, وعناصر مقاومة دبلوماسية, وغير دبلوماسية مما أبرز مشاعر الكراهية الدولية المتزايدة لأمريكا عبر ما مضى من مرحلة بوش الابن بصورة لم يعد ممكناً تجاهلها لدى صانعي القرار العالمي الأميركي, ولو حاولوا أن يلبسوها أثواب ذرائع غير واقعية. فمن مرجعية من هذا النوع نصل إلى فهم مقدار الريبة الدولية من الجيواستراتيجية الأميركية, وظهور الحلم العالمي بتغيير الوجوه في هذه الإدارة الحاليةلعله يتغير معها النموذج الحربي الاستباقي, واستراتيجية الانفراد بإدارة الحكومة العالمية التي لا تنظر بعين الاهتمام إلى مؤسستي الشرعية الدولية المعنيتين, وتعمل على تخفيف وزنهما في الإدارة العالمية المنشودة على نحو آخر. وتوجساً من غرائز السيطرة المنظورة في التعامل الأميركي مع قضايا العالم ما بعد الحادي عشر من أيلول تصبح مسألة التفكير بآليات التحكم الداخلي في أمريكا أُمنيةً عند شعوب الأرض كيما تخلق نوعاً من أنواع الضبط, والموازنة لجموح القوة الذي يمارس على السيادة العالمية, وفي حال تحققت هذه الأُمينة لابد أن يفتح الطريق اللازم للديمقراطية العالمية المأمولة كبديل طبيعي عن الديمقراطية الإعلامية المعتبرة أسلوباً وحيداً من أساليب إخضاع السيادة الوطنية للشعوب لموجبات الأمن العالمي المزعوم طالما أن الأمن العالمي ليس المقصود منه أمن الأمم, ومشاريعها الخاصة بمقدار ما هو مقصود منه أمن القطب الوحيد المهيمن. ناقش الكاتب ستيفن ريختر هذه المسألة أي كيفية الوصول إلى آليات تحكم داخلي, أو أدوات تحكم داخلية فعالة تتمكن من كبح جماح هذه القوة, وترشد قرارها العالمي وصولاً إلى توازن القرار, وعدالته واستبعاد الحروب التي لا مسوغ أخلاقي لها على أقل تقدير. وقد استغرب ريختر أن الكونغرس الأميركي, والإعلام كسلطة رابعة لم يتمكنا من ترشيد قرار الحرب على العراق مثلاً قبل بدء هذه الحرب, واستغرب أن تحصل الإدارة الأميركية على موافقتهما دون المعاينة المطلوبة لمثل هكذا موافقة. وقد عزا ريختر في تحليله لأسلوب الإدارة الأميركية للرئيس بوش الابن أن السبب لابد أن يكمن فيما يسمى "ديمقراطية استطلاعات الرأي العام" على قاعدة أن موافقة الأكثرية لأي قرار تمنحه صوابية, ومشروعية, وضرورة. وفي مناقشة ريختر لهذه المسألة يجد أن الاستطلاع المجرى للرأي العام قد لا يكون سبقته معلومات مدققة واحتمالات سليمة تكثف المشاعر الصحيحة لدى الجمهور المستطلع في قضية ما, لذلك فمن الصعب أن تأتي نتائج هذه الاستطلاع عاكسة الانفعال الشعبي الناضج, أو القرار الشعبي الأصح, وهذا ما قد حصل في استطلاعات الرأي العام الأميركي, وغير الأميركي كما يرى الكاتب المعني. وانصبّ حكم الكاتب ريختر على أن الحاصل فيما قد جرى من استطلاعات يعطي أن اللعب على المشاعر بمعلومات مغلوطة, أو مضللة سيفرز أمنيات خاطئة, وقرارات كذلك ولاسيما في الحالة التي لا يكون معها لدى الجمهور خطوط مراجعة ذاتية, أو تقويمية تعينه على التمييز الموضوعي بين الحقيقة والوهم. ومن غريب الحال أن لا يكون لدى الجمهور التدقيق اللازم بمصائره على ضوء الموافقات التي يبديها وخاصة في شؤون الحرب, والسلام لما لهاتين المسألتين من مساس حقيقي بدمه, وبقائه, وثروته, ومن المعروف أن استطلاعات الرأي الأميركي قبل احتلال العراق قد أظهرت ما عرف بالإجماع القومي على احتلال العراق, مما حدا بالدوائر المعنية بالبنتاغون أن تشجع الرئيس بوش الابن على اتخاذ قرار الحرب ومباشرتها في 30/3/2003. وقد اعتبر هذا الاستطلاع ولما يزل يعتبر نوعاً من ديمقراطية تعزيز القوة الذاتية الأميركية, وتجربة خاصة بالولايات المتحدة تؤيدها مراكز البحث, والدراسات, وهذا سبب من أسباب ما جعل الولاية الثانية للرئيس دبليو بوش مضمونة. ولو أجرينا مناقشة تحليلية لأدوار هذه الاستطلاعات في جمع كلمة الشعب, وتحشيد طاقاته بعد انتزاع موافقته على القرار المعني, سنتوصل إلى الطبيعة التضليلية التي حدثت لهذا الرأي العام الأميركي, وخاصة في الأسباب الأساس للحرب على العراق ونخص منها امتلاك نظام صدام حسين أسلحة التدمير الشامل بأنواعها الجرثومي والكيميائي والذري. وفي الحسابات الأخيرة لما تنفقه الولايات المتحدة على ميزانية الدفاع, والأغراض العسكرية الأخرى يزيد على 426 مليار دولار, أي حسب رأي منظمة اتحاد العلماء الأميركيين أن هذا الرقم لا تستطيع مجموعة الدول الأوربية كلها على سبيل المثال أن تنفقه. وتعاملاً مع هذا الحال قد لا يبقى أمام الذين يخشون على مصير العالم من اندفاعات القوة المتغطرسة ولاسيما أن الأشخاص الذين اختارهم الرئيس بوش الثاني لإدارته الجديدة يحسبون على سياسة تعزيز الهيمنة الأميركية على العالم, أكثر مما يُحسبون على صيغة قيادة العالم بأساليب تشاركية منطقية مما أثار لدى أمم الأرض المختلفة انفعالات الخوف, والقلق, والكراهية للولايات المتحدة. وإزاء توقع حالة من هذا النوع تتحرك في هذه الآونة اتجاهات لدى مفكري العالم, ولاسيما ممن هم من جغرافية التحالف مع أمريكا حتى يعاد النظر في طريقة عمل الإدارة الأميركية مع جمهور الأمريكيين وفي طريقة تجاذب هذا الجمهور مع حكومته كي تصبح مناقشة القضايا القومية الداخلية لأمريكا مماثلة لمناقشة القضايا العامية المتصلة بالأمن القومي لأمريكا وصولاً إلى وضعية لا تبقى معها فزاعة ابن لادن وابن, وابن, وأبو مصعب, وأبو, وأبو محرضة عشوائية لدعم أي قرار جائر تتخذه إدارة اليمين المحافظ لبوش الثاني. وعليه وبسبب من غياب آليات التحكم نتوقع أن تظهر من الشعب الأميركي نفسه موجهية أكثر تعقلاً وحكمة, وصبراً, وتدقيقاً, ومراجعة, وتقويماً حتى لا تبقى الدوائر الخفية قادرة على تضليل الشعب وحتى لا يبقى الاستطلاع المعروف بصورته المعروفة أهم آليات اتخاذ القرار. فديمقراطية الاستطلاعات كما سمّيت ليست الديمقراطية التي عكست حكمة الرأي العام, أو جسدت موضوعية الشعب وعلى الكل أن يعرف أن في أمريكا أحابيل إعلامية تجعل من السلطة الرابعة أهم أدوات التضليل والتدجيل, وإغراق الشعب في خدمة مصالح المجمّعات الصناعية العسكرية, والشركات المتعددة الجنسيات, واللوبيات, وبالنتيجة لن يكون للشعب سوى المزيد من الفقر, وفقدان فرص العمل, وخسارة الأبناء في حروب لا ناقة له فيها, ولا جمل. ومما يذكر اليوم, أي على أثر الحروب الاستباقية الأميركية التي شُنّتْ أن صورة العالم لم تتقدم إلى أي شيء يذكر في إنهاء الإرهاب فهذا هو الإرهاب ـ بالطريقة الإسرائيلية ـ يتحول إلى إرهاب الدولة, وهذا هو الحال في أفغانستان لم يعط النتائج التي تمّت موافقة استطلاعات الرأي العام عليها, وكذلك الحال في العراق... فهل نحلم من صنّاع القرار في الإدارة الحالية لبوش الثاني أن يتّعضوا مما حدث ويقلعوا عن تضليل الرأي العام, واللعب على مشروعيته في شرعنة اللامشروع, أم سوف نشهد المواصلة الأكثر إيلاماً حتى تتبدل إدارة الجمهوريين في الولايات المتحدة الأمريكية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |