|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مستقبل الشعر بين حساسية التشكيل وجماهيرية التلقي ـــ د.محمد صابر عبيد قبل سنوات قليلة أجرى الشاعر والأكاديمي د. محمد عظيمة الذي يدرّس في جامعة طوكيو استفتاء غريباً وطريفاً, وجّه فيه سؤالاً واحداً هو: كيف ترى المستقبل؟ واختار عيّنات متنوعة من مختلف شرائح المجتمع الياباني, من طالب الابتدائية إلى الثانوية إلى الجامعة ثم إلى طبقة العمال والفلاحين والمهنيين وصولاً إلى أساتذة الجامعات والمفكرين والساسة والرياضيين والفلاسفة والأدباء (ومن الجنسين طبعاً), وحين جمع أوراق الاستفتاء كلها فوجئ بأن الجميع اتفقوا على إجابة واحدة هي: لا أفهم السؤال! فتحت لي شخصياً هذه الحكمة الصادمة أفقاً في غاية التركيز والتكثيف اختزل في لحظة قلق مذهلة كل ما تعلمته من حِكَم, وأدركت بعد طول تأمل سرّ عظمة هذا الشعب وفهمت معنى حضارته ودلالة تقدمه. وأجد أن الياباني لم يتحول إلى إنسان مدهش بهذه السرعة العجيبة بعد نهوضه من الرماد إلا حين اكتشف بالخبرة والتجربة والذكاء والحساسية أخطر ما في تاريخه ألا وهو الحاضر/ الراهن, فكرّس حياته كلها على الفور لهذه اللقية الثمينة ثم نفض عن معطفه ما تبقى من ماضي الرماد وإرثه الثقيل الذي يكبد الركون لزمنيته المهينة المفعول ثمناً باهضاً, وحوّل ذاكرته إلى ذاكرة بصرية صرف تؤمن ـ عملياً على الأقل ـ بما ترى, وتتلبث تلبثاً دائماً في دارة الحاضر, وبدأ بتشغيلها بأعلى ما صمم لها من كفاءة وطاقة إنتاجية فكان على النحو الذي نراه اليوم. نحن العرب ما زلنا نتعامل مع الزمن تعاملاً نحوياً, وإذا ما حاول أحدنا أن يفلسف القضية على قدر طاقته في التفلسف, فإنه ينتهي دائماً إلى أن الحاضر عبارة عن خيط وهمي يربط بين الماضي والمستقبل على النحو الذي ينفي وجوده من الناحية العملية الإجرائية. الإنسان العربي كائن ماضوي يحلم حلماً شاعرياً خاوياً بالمستقبل, وإذا ما جرّب أي باحث أن يجري تجربة لسانية على أي مجتمع عربي من دون أي استثناء, يراقب فيها أي حديث لفرد أو مجموعة من هذا المجتمع وفي أية مناسبة يختار, سيجد أن حجم حضور الماضي يتجاوز نسبة 90% في حين تندس الـ 10% المتبقية في جيب حلم من تلك الأحلام اليوتوبية الواسعة التي ما زالت تدعو إلى استرجاع الأندلس السليب من بين أيدي الغزاة الأسبان! وحتى نصوصنا الإبداعية للأسف لا تخرج كثيراً في مسافاتها وأشكالها ومقولاتها عن هذه الدائرة. وهذا هو سبب شغفنا بالكلام وولعنا بالحديث عن أمجادنا الغابرة, ورغبتنا الدفينة في النوم على الأسرة المستعملة, وأخذ الوصفات الطبية الساحرة للأجداد التي تشفي من الأمراض كافة, واستخدام عطور الآباء التي نفتن بها حبيباتنا ونجعلهن أكثر إخلاصاً لنا, وانغماراً في غرامنا وانسحاقاً تحت وطأة ذكوريتنا الفادحة التاريخية. الشعر الذي يراه العربي سرّاً باطنياً من أسراره العميقة وأسطورة من أساطيره وحدثاً دائم الضرورة في مخياله الناجز هو أحد أشكال الزمن العربي الذي ظلّ طويلاً يهيمن على مقدراته ويتلاعب بمصائره, ويقوده إلى التفكير الأكاديمي الجدّي بمستقبل هذا الطفل الخرافي المدلل الذي لا يجارى ولا ينافس على الرغم من أن الشعر الحقيقي المعبّر عن إرادة الإنسان العصرية وعن وجدانه العميق الراهن هو مستقبل بطبيعته. وكلما استطاع فعل الشاعر استيعاب لحظة التوتر الراهنة واستثمار طاقاتها استثماراً حيوياً واستيحاء التجربة بأرقى تجلياتها وأقصاها, فإن بوسعه إنجاز مستقبله الخاص (خارج مفهوم الزمن العام طبعاً) الذي لا ينصرف كلياً إلى دائرة الحلم, إذ إن حلم الشعر هو حلم يقظة يرى الأشياء وهي تشف وتتجلى وتتمثل وتتصير بطاقة تكثيف وتركيز هائلة, لا يمكن نسيانها من أجل الاستعانة بمرجعية الذاكرة بمعناها الماضوي وكما لا يمكن حجبها وتغييبها وإزاحتها إزاحة كاملة إلى أفضية الغموض العليا, على النحو الذي يشجع الحلم بمادته الأولية ـ ما قبل الفنية ـ على الإمساك بزمام المبادرة والتحكم بأدوات الفعل. ولعلي استغل ما تبقى لي من جرأة المعرفة على تخوم هذه المداخلة لأذهب إلى السؤال من زاوية أخرى تقترح صيغة استفهامية جديدة هي: لمن يكتب الشعر؟ قبل أشهر حضرت أمسية شعرية في دمشق للشاعر محمود درويش عقدها منظموها في مكان احتفالي واسع قدر فيه عدد الحضور بأكثر من خمسة آلاف, افترشوا الأرض مستسلمين بفرح وانتشاء لصوت درويش لمدة ساعتين تعب فيها درويش ولم يتعب الإصغاء. وأتذكر في السياق ذاته مناسبة مشابهة مع أدونيس وأخرى مع مظفر النواب ولا حاجة لاستحضار مناسبات لا حصر لها مع الراحل الأكثر جماهيرية نزار قباني لأنها معروفة للجميع, كما أن أرقام مبيعات دواوين هؤلاء لا تقل أهمية عن أمسياتهم الشعرية. ترى هل يفسر هذا نمطاً من أنماط علاقة الشعر العربي الحديث بالجمهور تجعله يثق باستمرارية وقوة حضوره في الزمن؟ أدرك تماماً هنا أن الشائعة والمحاكاة واللاشعور الجمعي ومفردات أخر كثيرة يمكن أن تندرج في الحلقة ذاتها وبوسعها أن تؤثر في دعم شعبية ما لشاعر أو ظاهرة توهم بأهميته / أهميتها, إلا أن الاهتمام النقدي الواعي بهذه الأسماء في المدونة النقدية العربية الحديثة ينفي عنها ذلك ويزكيها شعرياً, لا بل يضاعف من أهميتها الإبداعية, فهم شعراء ـ باتفاق نسبة عالية من قرائهم ودارسيهم ـ يمتلكون وعيا خلاقاً يجعلهم يعرفون ماذا يفعلون بحساسية عالية قل نظيرها, لذا فهم لا يخافون مطلقاً من مسمى مجهول يدعونه المستقبل لأنهم شعرياً يعيشون حاضراً زاهراً وزاهياً يرونه متألقاً في عيون الآخرين. سيظل الشعر حاضراً في مستقبله وقادراً على اختراع مساحات جديدة كلما زحفت عليه رياح الثورة الإنفوميدية وغطت أراضيه بألوان التقانات, مثلما ستظل الروح تواقة لتلك الكلمة المعجزة التي تمضي في غابة الوجدان لتشرق أرضها بثمار الحب التي تتفجر نضجاً وغنجاً وإثارة, حيث تتماثل كل الأشياء للغة نفاذة استكشافية مبصرة في رؤيتها ورؤياها تقول ما ترى وما تستشرف, على الرغم من آلاف التابوهات التي تضعها أصابع التكنولوجيا الحديثة على مراهقة اللسان, في السبيل إلى تأسيس ثقافة رؤية بصرية داخل مسافات الخطي والمكتوب تثق بما ترى وتمسك, بعيداً عن فضاء اليوتوبيا وقريباً من حساسية الزمن بمعناه الحقيقي المؤسس لحضارة عصرية, تحتفي وتحتفل بكل مقومات الحياة من دون استثناء ولا تنسى أبداً أن الإنسان بؤرة وجدان عميقة في جمالها وحرة في عمقها وجميلة في حريتها. فهل نشهد زمناً عربيا ًجديداً أقل إشكالية وأكثر وضوحاً وحضوراً وتماثلاً لإنسانية الإنسان في حضوره وقدرته على الإنتاج, حتى وإن كان الشعر بساط الريح الذي يستقله الزمن وقد امتلأ بقوة الحضور وحدة البصر من أجل مثول فاعل ومنتج بين أيدي الإنسان العربي المستحضر لثقافته ورؤيته وإمكاناته الاستشرافية, وهو يبتسم ابتسامة حرة داخلية وجميلة لـ "لآخر" ماداً يده إليه بما يناسب المصافحة, داعياً إياه إلى حوار نظيف ومستقل ومتكافئ تحت رعاية زمن حضاري مشترك؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |