جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حداثة الغرب وحداثة العرب ـــ سلاف علوش

تضمن الشعر العربي الآلاف من الشعراء الذين ينضوون تحت لوائه, ولكن السؤال الذي توارد إلى الأذهان كلما تحدثنا عن الشعر في هذا العصر, هل من شعر عربي حديث؟ أم أنه استلهام للأشكال الفنية في الغرب؟ وإن كان ليس إلا كذلك, فهل استطاع الشعراء هضمه والتعامل معه بإنتاج يوافق الشرطية الزمكانية.‏

سؤال آخر يتوارد إلى الأذهان حول فرسان الحداثة الشعرية: هل وُجد منهم من سيترك أثراً هاماً في ظاهرة الشعر التاريخية؟ وهل تفرد منهم من ميز الشعر الحديث بظاهرة تستحق أن يحتفظ بها التاريخ الأدبي؟ وهل اتسم هؤلاء الفرسان بالشعرية؟ ذلك النفق السري بين الأنا الشاعرة والتلقي.‏

قبل الإجابة عن تلك الأسئلة, لابد لنا من حفر مفهوم الحداثة, هذا المفهوم الذي ما يزال إشكالاً عالقاً في نتاجنا الثقافي المعاصر حيث أن الوهم الذي غلف هذا المفهوم أكبر من واقعه.‏

لذلك لابد لنا من العودة إلى تاريخ الحداثة في الغرب لاعتبارها أصلاً متسقاً استنسخت من بعضها مشاريعنا الثقافية.‏

حداثة الغرب:‏

عانى مشروع العقل الغربي من سنوات مظلمة تحت نير تخلف المؤسسة وبؤس السلطة الكنسية, تلك السلطة المطلقة التي هيمنت على حركة التاريخ بشكل عام فأغلقت جميع النوافذ على حركة المجتمع والثقافة وقيدت العقل والإنسان وفتتت المكان والانتماء بتجلياتها السياسية في شكل نظام الإمارة الإقطاعي الذي يغدو فيه للإنسان رقماً لا طاقة, وأثر انحسار وامتداد هذه الإمارات على عامل الاستقرار والنمو الطبيعي لمشروع الوعي البشري, كما أن غياب الأنا العاقلة المفكرة واستبدالها بغائية التاريخ والتجريم الدائم للإنسان ودعوته لأن يعيش تحت وطأة الذنب والمغفرة هشم الأنا وحطم الكينونة الفاعلة.‏

في ظل هذه الملابسات والظروف المظلمة, كان لابد من أن تؤدي ببعض الصرخات العاقلة إلى دفع حياتها ضريبة للحقيقة, تلك الصرخات كانت عبارة عن وجدان جمعي وصوت للاشتراط التاريخي.‏

إن تراكم مجموعة العوامل والظروف الحالكة أسهمت في تخلق الجماعة عن شكل جديد يناسب الاشتراط الجديد, فعلى الصعيد الاقتصادي, أدى تطور رأس المال التراكمي الذي هو رأس مال زراعي بالأساس إلى ضيق أفق المكان (القصر ـ الريف) عن احتواء مستقبله وإتاحة الفرصة لطاقاته التي بدأت تنضغط تحت سقف وسائل الإنتاج الزراعية, إن هذا الترف دفع برأس المال إلى المدينة, وعند الآلة البخارية بدأت نواة الاقتصاد المدني الحديث لتنتقل أوربا من المؤسسة (الإقطاعية ـ الزراعية ـ الكنسية) إلى فضاء جديد يبحث عن مفاهيم جديدة, وكان لترافق هذا الحراك الاقتصادي بحراك (اجتماعي ـ سياسي ـ ثقافي) الأثر الوفير في تحديد أوصاف حداثة لم تكن بالمسماة بعد. فالانتقال إلى (العمل ـ السلعة ـ النقد) اشترط تأطيراً للسوق على أساس الجغرافية, واشترط حدوداً أكثر وضوحاً وثباتاً تعزز إمكانية الانتماء والاستقرار فكانت الدولة.‏

وفي هذا الخضم وعلى المحور الثاني, كانت الثورة الثقافية المفاهيمية تتم إنجاز مشروعها على أيدي فلاسفة عصر الأنوار وترسي شكلاً من الفهم الجديد والخطاب الجديد والوعي الجديد حيث أصبح (العقل ـ الأنا ـ العلم) أولاً بعد أن أخرته الكنيسة, إن هذا الحراك على المسارات الفاعلة تاريخياً أثر في شكل المؤسسة السياسية, وطور المدنيات, وبدأ العمران بالتنامي العامودي بعد أن كان أفقياً في مجتمع القرية, وبدأت ملامح جديدة في الساحة السياسية تبشر بولادة حقوقية ترفع الإنسان إلى المواطنة مع تباشير الثورة الفرنسية.‏

فأين كان الفن؟ تلك العين الثاقبة لمسار التاريخ والإنسان وكيف قرأ الشعر؟ وتفاعل وفعل في هذا الحدث التاريخي الجلل.‏

لاشك بأن الشعر لم يكن على الحياد, فعند بودلير بدأ الشعر يخط واقعه التاريخي الجديد, ففي عام 1859 استخدم بودلير هذه الكلمة (الفن الحديث) لأول مرة واعتذر عن غرابتها ثم اضطر إليها للتعبير عما يميز الفنان الحديث, إن بودلير الآتي على أنقاض الرومانسية الفرنسية ليخرج بالشعر إلى هذه المدنية المثيرة التي سيطرت عليها وسائل إنتاج جديدة (تجارة ـ صناعة) حذا بالشعر إلى الجوهر الإنساني محاولاً إنارة تلك المناطق السردية في الذات خارجاً من سجن الواقع الضيق إلى رحابة (الأنا ـ الإنسان ـ التاريخ). لقد جنح بودلير إلى المخيلة الحساسة, وقدرتها اللا منتهية على الإحساس, فبدلاً من القلب عند الرومانسيين كانت الروح عند بودلير والروح عنده لا بمعناها الذاتوي الضيق بل بمعنى (الأنا ـ الآخر ـ التاريخ).‏

إن انعكاسات المدنيات الحديثة وتفاقم حالة الاغتراب مع العمران أدى بالفن عموماً, والشعر خصوصاً, إلى ارتياد أعماق النفس البشرية المعزولة في سوق العمل والآلة, وإعادة إنتاج مفاعيلها الشعرية, مستشرفة شكلاً فنياً جديداً يتناسب مع مستقبل الألم والغربة البشرية, ومحاولة بفاعلية حقيقية أن تشارك التجربة الإنسانية في صياغة التاريخ ومتفردة في نقده وقراءة مستقبله.‏

ولم يقف الشعر عند حداثة بودلير واستيطيقيا القبح واللذة الأرستقراطية, بل تخطاها إلى التناقض والتوازن, وانتقل الشعر إلى النبض العضوي, فتعامل مع عالم الحواس, رافعاً (الأنا ـ الآخر ـ التاريخ), إلى موضوع أسمى, وأعلى من أن يُجَرَّد. حيث بالغ في العناية بالجزئيات والشذرات, وساد عليه طابع التجزؤ والانقسام محاولاً تناول أجزاء من بقايا الواقع ومعالجتها بعناية واهتمام, حتى تتلاقى أطراف هذه التفاصيل لتشكل الكل الواقعي, الأكثر عمقاً وحقيقية.‏

إنه محاولة لتفكيك الواقع من خلال تفاصيله المهملة بحثاً عن إنشاء صورته الأكثر حقيقية والأكثر عمقاً.‏

ولم يقف الشعر الحديث عند بودلير, بل مر بمجموعة مهمة من الشعراء, لا سبيل إلى ذكرها (رامبو, مالارمييه,… الخ) وصولاً إلى توماس سترن إليوت (ت. س. إليوت), الذي تبلورت في شعريته ظاهرة الحداثة بشكلها الأوضح, فكانت (الأرض الخراب) صرخة (الشعر ـ الإنسان) في وجه المدنيات الحديثة باتساعها واضطرابها وتناميها السرطاني.‏

بعد هذا الحفر في (المفهوم ـ الظاهرة), نستطيع أن نخرج بجملة محددات تمكننا من استقراء وتحليل ما اصطلح عليه ب (مشروع الحداثة العربية), وكان لابد من الحفر لهذا المفهوم في تربته الأم لنستطيع أن نحدد طبقاته التاريخية, والشرطية الزمكانية في اتساع هذا المصطلح وشموليته, ليكون بمثابة حقبة تاريخية, محددة المعالم والمواصفات.‏

حداثة العرب:‏

لقد عانت شعوبنا العربية من قوى طرد, غيبتها عن مسرح الفعل والحياة لفترة طويلة من الزمن, إذ بعد بلوغ الحضارة الإسلامية أوجها في العصر الأنسي, بدأ طابع التشتت والانقسام يسود جسد الدولة ماشياً بها إلى حقبة استعمارية طويلة المدى, وبعد فترة طويلة من الغياب في ظل الاحتلال العثماني ظهرت بعض تباشير النهوض والخروج من تلك الحالة اللا متمايزة, فلقد بدأ محمد علي في مصر بتأسيس مشروع دولة تحمل في طياتها نية التحديث, والعودة بالجماعة إلى مسرح الفاعلية.‏

وكان لنضج المشروع الأوربي أثراً واضحاً في المنطقة, إذ بدأت الرياح المفاهيمية الغربية تهب على بعض النخب المستنيرة مما ساعد في إنتاج حالة وعي جديدة وخطاب جديد على أيدي رجال عصر النهضة, هذا الخطاب الذي لم يكتب له أن يتحول إلى شكل فاعل في المجتمع يرتقي ببنيته وتراتبيته, إذ أن الغرب لم يكتف بالرياح وآثر الوجود المادي في المنطقة مزعزعاً بداية مشروع نهضوي حديث, لم يأخذ فرصته التاريخية, ففي منتصف القرن التاسع عشر بدأ ظهور أشكال من النويات المدنية بعد أن فقدت الأستانة مركزيتها المطلقة وقدرتها على امتصاص الطاقات المنتجة والنخبوية في الحاضرات العربية, كذلك ساعدت البعثات التبشيرية والهجرة على ظهور مفاهيم الدولة الأمة, وبدأت هذه المفاهيم تشق طريقها في خطاب النهضويين, فظهرت كتابات جديدة تغييرية ترنو إلى تشكيل هيئات اجتماعية حرة ومستقلة, كما حاول هذا الخطاب الجديد تفكيك واقع التخلف والانحطاط, وطرح بدائل تجنح إلى تأسيس مجتمع مدني حر ومستقل, ولم تتوان هذه الكتابات عن الصدام المباشر مع الاحتلال وانتقاده, والدعوة إلى الثورة عليه, فلقد حاول عبد الرحمن الكواكبي تشريح آليات الاستبداد واعتمالها في المجتمع وإدانتها, كما ظهرت الدعوات القومية كحالة مناهضة لثقافة الاحتلال, الذي حاول إرساء شرعيته عن طريق الإسلام والخلافة.‏

وكان للمتنورين الإسلاميين كالشيخ محمد عبده, أثر مهم في سحب بساط الشرعية الإسلامية من تحت أقدام سلاطين الآستانة وإخراج الفكر الإسلامي من مأزق (العقل المستقبل) إلى منارات الوعي والمدنية.‏

كما كان للمصلحين الاجتماعيين أثر مهم في محاولة تشكيل ثقافة اجتماعية جديدة وتخليص المجتمع من ظلمات القرون, فلقاسم أمين أثر ما زلنا نبني عليه في مشروع إخراج المرأة من الكهف إلى الحياة, ليصطدم مع قضية إشكالية متجذرة في البنية الفوقية والتحتية للمجتمع, ومؤسس عليها عالم من القيم اللا متوازنة والستاتيكية البحتة, التي طالما عرقلت عتلة الحراك الاجتماعي بشكله الظاهر وعمقه الباطن.‏

إلا أن هذا الخطاب الجديد, وهذي الجهود المهمومة لم يكتب لها إكمال مشروعها, فبعد الثورة العربية الكبرى غرقت المنطقة والعالم العربي بأسره في الاحتلال الأوربي, لندفع ضريبة الحرب العالمية الأولى, وضريبة تطور التقانة والصناعة في الغرب, فحاجة هذا المارد الصناعي المتسارع الخطا إلى بنية زراعية خام, دفع بالجيوش إلى العالم العربي لتقتل تباشير مشروع المدنية, وليحافظ على حالة الترييف التي اقتضتها مشاريعه الصناعية, وليضرب حالة أخرى من القطيعة أو الفجوة التاريخية, دامت لأكثر من عقد, وتم القضاء فيها على النخب المثقفة بتغييره للضرورة التاريخية, حيث أسست الحاجة للبندقية بدلاً من العقل والقلم.‏

وما إن خرج الاحتلال بآثار وثقافة العرب, حتى ترك المنطقة في تخبط واضطراب شديد, حيث ظهرت أشكال من الحياة السياسية المراهقة والمزدحمة, التي لم تؤسس لفهم حقيقي وفعل تاريخي جديد وضروري, بل انبثق عنها حالة من التأخر أغرقت الناس في الفقر والهامشية بعد أن اشتغلت في سباقها التجيشي على تحويل الناس إلى أدوات في صراعها التراتبي على السلطة والمكاسب, إذ كان لغياب الخطاب الثقافي وتأخير المشروع الوطني كمفهوم عن ذهن ووعي جموع الناس فرصة سانحة لانتهازيي ما بعد الحرب.‏

كل هذا أخر المدينة وريّف الوطن, وحوله إلى شكل من أشكال الإقطاع العسكري الذي لم يطل خروجنا من تحت سطوته, فاندثرت مع أحداث منتصف القرن العشرين البقايا الباقية من أحلام الهوية, ودخل الخطاب الثقافي ومشروع العقل العربي تناقضاته الضمنية, وانكفأ عن الحركة والنمو لينشغل بالبحث عن محدداته الضائعة وغدا له توصيف هذه الهيولي المشروع الأكبر والأكثر أهمية فبعد قرن من الزمن أعاد المثقفون العرب طرح أسئلة النهضة وكأن التاريخ في مساره الدائري.‏

في الشعرية العربية والحداثة:‏

1 ـ (في الشكل الفني):‏

لقد حافظ الشعر العربي على اتساقه التراكمي, فنما الشكل الفني نمواً طبيعياً وعضوياً, وكان الشعر جزءاً من حركة الزمان والمكان, يحمل في بنائه تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية ووسائل العيش والوعي, وشكل وجهاً تاريخياً مهماً وحساسية أنتروبولوجية, استطاعت أن تحفر وجه الزمن في التاريخ.‏

فمن شعراء المعلقات بوقوفهم على الطلل, ووصف الراحلة, وقوننتهم لأغراض القصيدة, إلى أبي خليل الفراهيدي ودخوله إلى البنية الموسيقية للقصيدة, وتنظيمه لموسيقا الشعر, ليصل الشعر العربي إلى شكل فني مدروس وممنهج بكامل المحددات, شرعي الولادة والهوية, فمن المطولة إلى القصيدة إلى النتفة… الخ, ومن البحر البسيط إلى الوافر والمتقارب والرجز…. الخ, ومن الرثاء إلى المديح… الخ.‏

غدا الشعر العربي وجهاً ناضجاً وفاعلاً يعيد إنتاج شكل الجماعة في التاريخ, ويعيدهم إلى جذرهم النفسي والحضاري كلما ضلوا المسار.‏

ومع بدايات العصر العباسي غدت حركة العمران والنمو المؤسساتي ظاهرة فاعلة في أشكال الوعي والحياة. كما أثرت حركة الاتساع الجغرافي وامتداد رقعة الدولة على غنى الحياة الاجتماعية فتلونت الحياة الثقافية, وازدان العقل الإسلامي العربي بتفاصيل وثقافات وفلسفات شعوب مختلفة, وكان للانتقال من حياة القبيلة وأساليب عيشها إلى الحاضرة والتجارة والقصر, ونضج مؤسسات الدولة الإسلامية واتضاح آلية عملها ومهامها أثر على الشكل الفني للشعر العربي. فبدأت ظواهر الخروج على أغراض الشعر القديم, وأصبح تأثير حياة الحاضرة والعمران واضحاً في الصورة الفنية وبنية الإيقاع.‏

بدأت تباشير التحضر الأولى على يد أبي تمام الذي كان أول من بدأ بالخروج على الشكل التقليدي للقصيدة العربية, فلم يقف على الطلل, وخرج على موضوعات (المديح والرثاء والهجاء….الخ).‏

إذن حاول أبو تمام الخروج على تلك التقاليد شكلاً, فلم يذكر ديار المحبوبة, وبدا واضحا ًتلك النقلة النوعية في شكل وأساليب الحياة على شغله الشعري, إذ أن طبيعة الاستقرار والنمو في الحواضر العربية لم تترك مبرراً للوقوف على الأطلال, ووصف الراحلة, كما أثر الترف العمراني على نضج وتحليق الصورة الفنية في شعره, وبدأ بالتأسيس لفهم شعري جديد, كما اتكأ على فلسفة اللغة في بناء شعريته, وتخلص على صعيد اللغة من صحراوية اللفظة وحرارة البناء, ونقل النص إلى شكل متأن متأمل, وإلى إدهاش فني ولغة متحضرة سهلة الفهم صعبة المنال ليؤسس لانزياح في المفاهيم الشعرية أنتج بعده ظاهرة وحقبة جديدة في حياة الشعر العربي.‏

ولم تقف هذه الانزياحات الشعرية عند أبي تمام, بل بدأ التطوير بعد ذلك بنظم الشعر الغنائي الذي اتسم بليونة القوافي, وسهولة الإيقاع واللفظ والتركيب, والأوزان الخفيفة والقصيرة. وكان أوج هذه الانزياحات في الموشحات الأندلسية وما تركته من تغيير في البنية, من المربعات إلى المخمسات, وتدوير القافية, والخروج الفعلي على نظام الشطرين والقافية الموحدة, واستخدام اللغة استخداماً مختلفاً بكليته عن الاستخدام المألوف, حيث غدت اللغة شفافة رهيفة, تحمل في جوانيتها سحر البيئة والمشهد الطبيعي, وغدا رسم الطبيعة بالكلمات وتأطير تلك اللوحة الخلابة التي كان يحياها العرب نقلة كبيرة في تاريخ الشعرية العربية.‏

وبعد الشعر في الأندلس ضاع المشهد الشعري في غياهب الحدث السياسي, لينام الشعر في أحضان التاريخ قروناً عديدة لم يذكر منه إلا ما ندر, حتى عاد على شكل أطياف في البلاط المصري ضمن الحركة الثقافية فخرج من تلك القصور شعراء كأحمد شوقي, كما أنتج حراك الشارع السياسي حافظ إبراهيم, ومجموعة القصائد التي نظمها لتصوير الواقع المعيش, فلامست العامة أكثر من الخاصة وأصبح في زمانه الشاعر الأول للبنية التحتية, الذي يرى بعينها ويتحدث بلسانها.‏

وكان لابد من رد يواجه هذا التفكك الواضح في المحاولات الحداثية واقترابها من الفشل على أكثر من صعيد, فكانت الحداثة أو بالأحرى المحاولات الحداثوية الأدبية هي الأكثر فاعلية ووضوحاً في هذا الجانب, وكانت الرد الأقوى على انهيارات المحاولات الحداثوية في المشروع السياسي أو الاقتصادي أو حتى الاجتماعي في الوطن العربي عموماً.‏

فحاول الشعراء والمبدعون جاهدين على تأصيل هذه الجذور الحداثية في التاريخ العربي.‏

بعد ذلك بدأت تفد إلينا نماذج بنيت في الخارج لتؤثر على الداخل, فساعدت حركة الهجرة والاغتراب على نمو الشعر في المنفى, وكان ذلك هو الوضع الطبيعي, فالمؤثرات الغربية كانت تأتي بطريق هؤلاء المنفيين الذين يطلعون عليها من كثب.‏

وأول ما وصلنا من باب التحديث, أو تمدين القصيدة والعمل عليها كهيكل يمكن تطويره بنائياً ـ وإن كان ذلك ضمن باب الأوزان المعروفة ولكنه استخدام بأسلوب وشكل بنائي جديدين ـ كانت قصيدة (النهاية) للشاعر المهجري نسيب عريضة والتي يقول يها:‏

كفنوه‏

وادفنوه‏

أسكنوه‏

هوة اللحد العميق‏

واذهبوا‏

لا تندبوه‏

فهو شعب ميت ليس يفيق‏

وكان ترتيب المفردات بهذا الشكل ترتيباً غير مألوف من قبل, ولربما قام الشاعر بهذا الترتيب على هذا النحو لأنه وجد فيه تعبيراً أشد قوة عن مختلجاته من الترتيب الطبيعي لهذا الوزن.‏

وهنا كانت ولادة شعر التفعيلة ببنائه الأكثر تمدنا ًواطلاعاً على الحالة العمرانية الجديدة التي بات يستخدمها العرب في مدنهم ولادة مشروعة بكل ما تحمل الكلمة من معنى, ليحمل مشروع وهاجس المبدعين العرب في استلهام حداثة عربية الاستخدام على الأقل إن لم نقل المنشأ.‏

وقد تأخرت الظاهرة الفنية عن هذا المشروع, فبعد عدة عقود أتى الشعر بحداثته المعزولة بعد أن أتيح لبعض شعرائنا الإطلاع على موجة الشعر الحديث في الغرب, فأتى شعرنا الجديد مفصلاً بدقة عن الشعر الأوربي الحديث, الإنكليزي بالتحديد, فمن بدر شاكر السياب إلى نازك الملائكة كان واضحاً الالتزام الشديد بقواعد وأصول الحداثة الغربية, فمن باكورية نازك الملائكة (الكوليرا), التي تعتبرها أول قصيدة في الشعر الحديث, نجد نظاماً من القوافي قريباً من أنظمة الستانزا, وبعضها الآخر التزم أنساق السوناتات, ولم يخف في شعر السياب تأثير الشعر الإنكليزي, فلقد التزم هو أيضاً بأنظمة التقفية وعناصر القصيدة الحديثة, من الرمز إلى الأسطورة إلى… الخ, حتى أنه اتكأ في العديد من قصائده على المثيولوجيا الإغريقية والرومانية.‏

ولم يدم حال هذا الالتزام طويلاً, فإن الجيل اللاحق حاول التخلص من هذه التأثيرات, في محاولة منه لتأصيل هذه الظاهرة وإضفاء المشروعية والهوية عليها, فمنهم من تبنى أسخن المواضيع وأكثرها تأثيراً في الشارع, محاولاً تقصير المسافة بين هذا الشكل الفني المتهم سلفاً والتلقي, مما أظهر تنوعاً واختلافاً لم يساعد هذه الظاهرة على إرساء مفاهيمها, فجعلها تقع في ورطة الهوة الواضحة بين المبدع والمتلقي الذي لم يقبل هذا الشكل الجديد الذي واجهه بعد القالب القديم للقصيدة العربية خصوصاً, وللتلقي الأدبي عموماً, وكانت تلك من أهم المصاعب التي حاول النموذج الأدبي الجديد تخطيها والثبات في وجهها, بعيداً عن المشاكل التي عاناها مع نفسه كبداية جديدة تحتاج إلى خبرة وتمرس من أجل الوصول إلى شكل يمكنه من الاستقرار.‏

2 ـ (في شعرية الخطاب وخطاب الشعرية): (الحداثة المنفية)‏

لقد تكلمنا سابقاً عن تاريخ الشكل الفني للشعر العربي وحاولنا تحقيب المراحل التي مر بها, ولكن ماذا عن الخطاب؟‏

فالشعر عبر حضوره التاريخي في ثقافتنا ووعينا الشعبي الاجتماعي, لم يكن مجرد زخرف فني أو ترف جمالي, بل كان عضوياً في اشتغاله على الوعي والمفهوم, ففي القبيلة كان الخطاب الشعري سورها وحصانتها وسلاحها الأكثر مضاء, وفي الحاضرة كان وعيها وانشقاقها وتلونها وضلالها.‏

وفي مراجعة لنا وحفرنا لنواة الخطاب الشعري في الثقافة العربية ومحاولة السبر لآليات إنتاجه وللآليات التي أنتجها بدءاً من جاهلية العرب إلى أنسيّتِهم إلى معاصرتهم.‏

ـ وسنبدأ بمعلقات العرب:‏

تميز الخطاب الشعري الجاهلي بانفلاته من الموضوع لحساب الأنا رغم القيود التي يراها البعض بأنها شديدة ومقوننة وعامة, إلا أن طبيعة الصحراء وشكل المؤسسة البدائي المنفلت أفقياً ساعد الأنا الشاعرة بأن تكون القامة العامودية الأكثر تطاولاً للصحراء فجاء الخطاب الشعري فردياً متفرداً يشترك مع الجميع بقواسم الصحراء, يختلف معهم بزوايا الأنا.‏

فمن ذكورة امرؤ القيس إلى, وجودية طرفة بن العبد, إلى غنوصية زهير بن أبي سلمى, تلون الخطاب وتنوع حاملاً وجدان الجماعة, لقد كان الخطاب الشعري في تلك المرحلة مؤَسَّساً على أنفة الذات البدوية, ومؤسِّساً لوجدان تلك الذات, ناهضاً بقيمها, مرطباً لصحراويتها.‏

إن الشعر الجاهلي هو الشكل الثقافي الوحيد الذي حمى تلك الأقوام من الاندثار ومشى بها إلى التاريخ بانياً فيها الاستعداد الجمالي القيمي لاشتقاق شكل حياة جديد, إنه (الخطاب الشعري) الاختراقات العامودية في مجتمع أفقي مسطح, لا ينتج حتى الزرع.‏

وبعد هذا الخطاب الجاهلي وانتهاء مهمته ومرور الزمن عليه, استنبطت الضرورة خطاباً جديداً يقبض على مفاعيل الوعي والجمال ليمارس دوره التاريخي من جديد, فأتى الشعر العباسي بتلوناته متوازياً ومسايراً لتطور حركة العقل والخطاب الفكري بشكله النثري فلقد تصدى الشعر لأهم الطروحات الفلسفية, وسبر الأنا الجديدة, وعارض ودوَّن وسأل, فكان أحد مولدات الحركة في تلك الحقبة, وأنتج, ولم يكن مُنتجاً فقط. بالرغم من محاولة القصور لاحتوائه إلا أنه ظل أكبر من حالة القصر فاغتنى بوجه المجتمع, وأجاد رسمه واعتماله فيه إلى أن عاد الخطاب مع الشكل ليدخلا سوية في ذاك الغياب التاريخي, وليظهرا مجدداً في الحقبة نفسها, فأيهما تفوق على الآخر, وأيهما نما على حساب من, وهل كان المتضرر هو الشعر نفسه؟‏

ضمن الشكل الكلاسيكي المألوف بدأت مراهقة الخطاب الشعري الجديد, من وطنية المهجريين إلى الرومانسية الموءودة إلى ضلال الأيديولوجية, فرغم حث فرسان الحداثة عن التجديد واطلاعهم ودراستهم للشعر الغربي إلا أن نزوحهم من الريف إلى المدينة جعلهم لقمة سائغة في فك الأيديولوجيات الوليدة التي تتصارع على مستقبل العمران والمجتمع, فلا يخلو تاريخ فارس من تلك الفرسان من تجربة أيديولوجية مكسورة, انشغل بالتغني بها وتفكيكها فيما بعد متجاوزاً ضرورات الخطاب الجديد, واضعاً الشكل الفني الجديد في مأزق جعل التلقي يرتد عنه.‏

فلأي مدى خدم هذا الخطاب الشكل الفني وإلى أي مدى اختلف باختلافه وهل كان عضوياً بشكل كاف ليبرر الخرق والتجديد؟‏

هكذا, باختصار نشأ الشعر الحديث, وقد تم العمل على هذا النموذج باهتمام واسع من قبل شعراء الحداثة إلى أن وصل إلى ميزات تزيد من فاعليته.‏

لقد قدم هذا الشكل الجديد للشاعر العربي ميزات لم يكن بمقدوره الوصول إليها من قبل ضمن ذلك الإطار القديم الذي لم يعد مناسباً لزمانه ومتطلبات عصره, فبماذا امتاز هذا الشكل؟‏

1 ـ نظام التفعيلة يساعد في عدم الوقوع في الحشو الذي كان الشاعر مجبراً عليه في نظام البيت.‏

2 ـ التنوع في القوافي يؤدي إلى التحرر من سلطانها وإلى تنوع الأنغام.‏

3 ـ يساعد نظام التفعيلة في الابتعاد عن النمطية.‏

4 ـ يساعد أيضاً في الابتعاد عن التقرير والخطابة والاقتراب من البوح الرقيق والهمس الصافي.‏

5 ـ يقرب القصيدة من العمل الدرامي ذي البنية المرنة.‏

6 ـ يساعد على استخدام الصورة استخداماً عضوياً يؤدي إلى مرونة الشكل.‏

7 ـ يحقق وحدة القصيدة ويتخلص من وحدة البيت.‏

8 ـ يتخلص من البنية الأفقية للبيت الشعري ويعتمد على البنية العمودية للقصيدة بأكملها.‏

ومع ذلك فإن الحركة الشعرية في هذه الحقبة لم تقتصر على هذا الشكل من الشعر, فنحن نرى الشعر الكلاسيكي موجوداً وله رواده الذين رفضوا التخلي عنه والتفات إلى نوع جديد بزعم منهم أن الشكل القديم قادر على مواكبة تطورات العصر ومتطلباته.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244