|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حياة في عنق الزجاجة ـــ د.هيفاء بيطار تُرى. ماذا يستطيع الإنسان أن يعرف عن الناس الذين يعيش معهم يومياً؟ فكرة ألحّت عليها هذا المساء وهي تجلس في مقعدها الخاص بها في الصالون, هذا المقعد الذي طالما أثار دهشة الزوار, حتى أن أحدهم سمّاه المقعد الحردان, وآخر شبهه بطفلٍ غاضب حرون انتحى زاوية بعيداً عن أهله, لكنها وحدها تضحك ساخرةً عارفةً أنهم لن يدركوا إعجابها بالمقعد وإصرارها عليه, إذ أنه يُعفيها من رؤية وجوههم. كم من الأحاسيس تعصف بروحها وهي تحدّق في رؤوسهم, أمها, أبيها, خالتها, وأخيها وزوجته, بنظرات فاترة جامدة, نفس النظرات التي تستقبل بها أيامها, فتشعر كم هو مريحٌ للأعصاب, النظر إلى الرؤوس من الخلف, دون رؤية الوجوه, ياه ليس هناك ما هو أكثر مشقة من مطالعة الوجوه, الوجه عبء هذا ما تعتقده. كان يمكن لهذا المساء أن يكون كغيره من المساءات لولا ذلك التساؤل المقلق والخبيث الذي انفلت من أعماقها: ماذا يستطيع الإنسان أن يعرف عن الناس الذين يعيش معهم يومياً؟ سؤال مبطن برعب خفي وقلق, نقلّت نظرها بين رؤوسهم, اجتاحتها مشاعر نقمة غير مفهومة, هل تحس بالنقمة عليهم! لا يمكنها أن تجيب بدقة, لكنها منذ سنوات طويلة وهي تفكر طوال الوقت بصفاتهم السيئة, وتشعر يوماً بعد يوم, وعاماً بعد عام أن كيلها قد طفح منهم, وبأنها بالكاد تسيطر على صوتها, تلجم تحديه وسخطه وهي تتحدث معهم.. وبين حين وآخر تنقاد لغواية أن تقول لهم شيئاً لاذعاً جارحاً على غير توقعهم! بل أحياناً تقضي ساعات تفكر بكلمات يمكن أن تجرح مشاعرهم. متسمرين أمام شاشة التلفاز, وهي خلفهم, تحدق برؤوسهم بنظرات ليس فيها ذرة عاطفة هذا هو الوضع الأبدي بينهم, لقطة مثالية تعبّر عن علاقتها بأسرتها, إنها دوماً في الخلف... فكّرت أنه من الصعب على المرء أن يبقى على الحياد طوال حياته, وأنه ذات يوم سوف يتمرّد وينسف أكداس النظريات التي ربوه عليها وسجنوه بها, نقلّت نظرتها الفاترة بين رؤوسهم, أحست بفظاعة التقدم بالسن, كم تغيّرت رؤوسهم... كم كانت معجبة بشعر أمها الغزير الأسود اللمّاع, الآن صلعتها تلتمع من خلال شعر خفيف أبيض. وهي تنظر إليهم تشعر أنها تخترق زمناً طويلاً طويلاً, نفق الماضي بين نظرتها ورؤوسهم الماضي الحاضر بكل ندوبه, غامت نظرتها, وتداخلت الرؤوس بعضها ببعض. عَبَرت نظرتها السنوات, وحطّت في محطات كثيرة, صور, وذكريات, تنفض عنها رماد السنين, تكتسي الذكريات معاني جديدة مع الأيام... تذكرته بشيء من القرف, حبُّها المدمر, الذي جعل كل رغبة في أعماقها تذوي, لوت شفتيها مشمئزة, تحس بشفقة أقرب للاحتقار نحوه, تُرى لماذا أحبته؟! وكيف تحوّلت ذكراه لشيء بغيض... كانت في الثالثة والعشرين موظفة في مؤسسة المياه, تنتظر العريس, وتصون شرفها كما لو أنها امرأة منسوجة من حرير لا يجب أن تُخدش, وهو كان زميلاً لها في العمل, متزوج ولديه أربعة أطفال... لكن في وجهه شيء يجعلها تطيل التحديق فيه, مزيجٌ من حزن واستسلام, ثم إنه يتعامل برقة ولطف مع كل الناس, ساعدها في عملها كمبتدئة, ثم وجدا نفسيهما منقادين لغواية الكلام ـ الكلام مفتاح القلوب, حدثها عن زواجه التعس ومسؤولياته المرهقة تجاه أولاده,... ربما أحبته لنزاهته, لأنه لم يطلب منها شيئاً رغم أنها تقرأ ولهه بها, في عينيه, ومن خلال التنهدات العميقة المنفلتة من صدره, وهو يتحدث إليها. أحبته لأنه كان مستسلماً لقدره, أن يمضي عمره مضحياً في سبيل أولاده, متحملاً زوجة لا يعنيها شيء سوى الثرثرة والتسلية. اتفقا على الزواج, ورضيت أن يعيشا في بيت متواضع, لم تستطع مواجهة أسرتها, فكتبت رسالة لأبيها ـ صاحب النظريات ـ كما تسميه, مؤلفة من تسع صفحات, تشرح فيها أن سعادتها مع هذا الرجل. انقصف مشروع الزواج, بهجوم صاعق من زوجة حبيبها, مدعوم بهجوم أكبر من والدها, أحست أن يوم القيامة سيكون شبيهاً بهذا اليوم, جن جنون والدها الذي عكس وجهه القرف وعدم التصديق, من أن ابنته التي أحسن تربيتها, ترضى أن تشيد سعادتها اللاأخلاقية على أشلاء أسرة مؤلفة من زوجة وأربعة أطفال ـ لم تكتف الزوجة بمهاجمتها في بيتها, بل فاجأتها في عملها, وبدأت بالصراخ والشتائم بأنها إنسانة حقيرة وساقطة, وخاطفة أزواج... انشلّت تماماً, وفقدت قدرتها على التفكير, عاشت ستة أشهر بإحساس شامل بالعار والفشل, وصارت دقائق حياتها مطوّقة بنظرات والدها القاسية, نظرات رهيبة تعجز عن وصفها تطّل من عينيه الجاحظتين الأشبه بكرتي زجاج, نظرة تلاحقها في أحلامها, فتوقظها من نومها وقلبها يخفق بعنف من الذعر,.. لم تدرك أن والدها سيطر عليها تماماً بعد تلك الحادثة, وصار يعرف ـ من حيث لا تدري ـ كيف يجعلها تتصرف كما يرغب, غذا إحساسها بالعار والندم, وأكثر ما يؤلمها حين يقول لها بمناسبة وبدون مناسبة أنها خيّبت أمله, وبأنه لم يفكر أبداً أن ابنته الرصينة تفكر بالزواج من رجل متزوج ولديه أطفال!. استماتت للحصول على رضاه, حتى أنها قالت ذات يوم لصديقتها بأن إرضاء الله أسهل من إرضاء الأب, وبعد سنوات طويلة حين فرّت ابنة أخيها مع رجل متزوج, لم يعترض اعتراضاً يذكر, برطم بكلمات تافهة ثم قال بأن الرجل يحق له الزواج بأربع!.. يومها هبّت ثورتها مطوِّحة بصبر سنوات, كانت تجلو الصحون, وقعت أسيرة عاصفة غضب طوَّحت بالصحون أرضاً, وكسهم من نارٍ انطلقت من المطبخ لتقف أمام العجوز الذي أفقدته السنوات جبروته رغماً عنه, حدّقت فيه بعيونٍ من نار بينما فمها مطبقٌ على مرارة هائلة تبادلا نظرات متحدية ناريته, لكنها شعرت أنها هزمته, في الواقع لم تحتج أن تقول أية كلمة. لأن نظرتها قالت كل شيء, نقلت له كرهها الفظيع له, وأفهمته أنه سحقها لسنوات لمجرد أنها أرادت الزواج من رجل متزوج, وبأن متعته العظمى كانت أن يلعب دور الديان يُشعرها دوماً بالإثم, وبأن أفكاره وقيمه التي كان يبثها كل يوم في فضاء غرفتها الأشبه بقفص تحت ستار الأخلاق والشرف. ما هي إلا سموم أطفأت حيوية روحها, إنها تكرهه. لكنها أدركت أنها لم تهزمه مع الزمن, بل هزمته, الشيخوخة وحدها القادرة على الهزيمة المؤكدة. لم تملّ روحها من العفة, وماتت رغباتها تماماً للرجل, حتى ذلك الحبيب البعيد صارت تتذكره بقرف, عجباً كيف استطاعت أن تحب رجلاً مسكيناً لهذه الدرجة, وما رقبته سوى ضعف في شخصيته. عانس الأسرة اللطيفة التي تسهر على راحة والديها العجوزين, وتحضر الحلويات اللذيذة لأولاد أخيها... عانس الأسرة المسكينة التي سفحت سنوات شبابها لإرضاء أب! ظلت عيناه الجاحظتان المؤنبتان توقظانها من نومها على كوابيس مرعبة... محورها الأبدي أب غاضب وابنة تستميت لمراضاته! ارتسم الماضي من حيز الفراغ بين عينيها ورؤوسهم.. امرأة تشتعل بالغيظ, هذه هي الحقيقة, كم تكره أسرتها, إنها تعيش في سجن حقيقي أفظع من أن تستوعب آثاره الكارثية سجن يعتمد على طوطم اسمه الأسرة... ألم يسجنوها في تلك الحادثة التي ألقت ظلالاً على حياتها كلها... ألا تشعر كل لحظة أنهم يقيمّونها كإنسانة سيئة الحظ وفاشلة.. متى ستكون سيدة حياتها! متى سيكون هذا الصالون الفسيح لها وحدها, يا سلام ما أروع تلك الفكرة سيكون بإمكانها أن تغني بصوتٍ عالٍ, وأن تمشي شبه عارية, وأن تحرر من إيقاع حياتهم المتشابك مع إيقاع حياتها... وما من أحدٍ منهم يتفرج عليها ويقيّمها؟ متى سيتحقق لها ذلك إن لم يموتوا؟ ارتعش قلبها منتشياً بتلك الفكرة, أتنتظر موتهم حقاً بتلك اللهفة؟! تساءلت بخجل, ترى ألا يمكن أن أعيش بحرية إن لم يموتوا! انخلع قلبها وقد باغتتها فكرة ساخرة, قد تموتين قبلهم.. أتاها إحساس شبه مؤكد بأن هذا ما سيحصل... أسرعت إلى صديقها المفضل الأكثر رحمة من كل البشر الذين عرفتهم, صديق تخبؤه تحت وسادتها, أخرجت علبة الدواء وتناولت قرصين من المنوم... أغمضت عينيها راغبة بنوم عميق عميق, لا تنبثق من عتمتهِ عينان جاحظتان مؤنبتان. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |