جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ظلال حافية ـــ سوزان خواتمي

ينحدر الدرب كأنه اليقين باتجاه النهر الذي يلتف بقوس مفتوح حول الجهة الغربية من البلدة الصغيرة كثيرة الناس قليلة الوجدان لينساب بما تبقى منه باتجاه الوادي.‏

الشابة التي تعبر طرقات الضيعة تشبه باقي الصبايا لكن أحداً لا يعرفها, أشيع بأنها طفلة الماء التي انزلقت من بين فخذي أمها, فعّمدها النهر وسحبها معه منذ سنوات كثيرة..‏

كانت كحيلة ببشرة قمحية وقّد متناسق, تلبس فستاناً واسعاً مزركشاً كحديقة ربيعية بزهور صفراء وحمراء وخضراء, وزنار جلدي يلف خصرها النحيل, تظهر أصابع قدميها الطويلة من خلال مقدمة نعلها الخفيف, تلم شعرها بمنديل معقود إلى الخلف.‏

كانت تمشي مثل الغرباء بشرود تام: خطوات تتسع ولا تستعجل, تتبع اتجاه الدرب والحصى, ولا تسأل أحداً, كانت تسترشد بظلها, مما أثار حفيظة أهل الضيعة الذين فقدوا ظلالهم منذ أمد بعيد, مدّعين ـ للتخفيف عن أنفسهم, بأن الظل شيء بالكاد يرى, شيء مخلوق من ريح عابرة وبأنه ليس إلا انعكاساً تافهاً وغير مهم حتى أنهم ما عادوا يذكرونه.‏

امرأة ترافق ظلها وفي هذا الوقت من النهار أمر يخالف قوانين الضوء ومنطق الشمس التي اعتبرته تحدياً شخصياً لها, فازدادت نزقاً وأخذت ترسل المزيد من لهبها وضوئها بحدة صيفية..‏

مما جعل حبيبات العرق تنز وتلمع فوق وجوه الناس المتعبة وجباههم التي تجعدت فجأة.‏

أشار نحوها طفلٌ حاف كان يلعب الكرة: إنها الساحرة... رأيت صورتها في كتاب المدرسة.. تعالي العبي معي.‏

رمقتها امرأة تلبس تنورة غجرية وتلطخ فمها بأحمر قرمزي, وقالت بسخرية: بل هي مجرد فتاة عادية بنهدين متهدلين... أكيد هي ذاهبة للنهر لتغسل ثيابها الوسخة.‏

أبعد الرجل الأشيب الذي يكح طوال الليل مبسم نرجيلته عن شفتيه وقال: بل هي على موعد غرامي عند ضفة النهر, يلتقون هناك مع ظلالهم المخلوقة من لا شيء مثل أزواج الحمام, جيل بلا حياء, قصف الله عمرها.‏

وقالت الطفلة التي أفلتت يد أمها: إنها ذاهبة إلى النهر لتسبح هناك, وأنا أيضاً سأذهب معها ومع ظلها الجميل الذي يمشي وراءها لتعلمني السباحة, آه أمي ما المقصود بالظل؟.. لكن أمها شدتها من كمها, استعجلت مبتعدة وهي تقول: "فقط هواء, ريح سوداء, بمختصر العبارة, لا شيء".‏

أطلت الزوجة السمينة من نافذة بيتها الواطئ وقالت: كم يبدو عليها الغباء تلك الفتاة.. من المؤكد أنها ستضل طريقها, ولن ينفعها الندم..‏

أفاق الرجل النائم تحت الجدار من سكرته مذعوراً وقال: هذه هي المرأة المدهشة التي حلمت بها سأتبعها حتى أتزوجها.‏

إمام الجامع الذي نزل عن المئذنة وبين أصابعه كرّجت حبات المسبحة قال متأففاً: هي علامات الساعة, امرأة تعكس ظلها وتستهدي بمفردها طريقها, يا لطف الله الجبار.‏

العسكري العابس الواقف أمام باب المخفر قال: سأكتب تقريراً عنها, لابد أنها من المطلوبات..‏

توقفت العجوز التي تبيع الخضار عن ندائها وتمتمت بصوت خفيض:‏

ستعيشين وحدك وتموتين وحدك لن يسأل عنك أحد, بظل أو بدونه, لا فرق.‏

المتسول الذي يحشو جيبه بالخبز اليابس اقتطع بأسنانه لقمة ومد يده نحوها بالباقي.‏

أما بهلول الضيعة: فما أن لمحها حتى أجهش بالبكاء.‏

الضوضاء والتكهنات والأسئلة التي سقطت من الأفواه لم تكن تبحث عن إجابة, ولم تجعل الغريبة العابرة تلتفت, كأنها لا تسمع, كانت مأخوذة بعالمها, شاردة والأحلام الطازجة تتبعها.. استمرت تمشي بخفتها كأنها لا تلامس الأرض, عبرت البيوت المكشوفة, والساحة المزدحمة, مرت بالدكاكين, وتجاوزت النوافذ المفتوحة, لوحت للأشجار التي شاخت..‏

كانت تتطلع أمامها لم يبد عليها أنها تهتم بشيء مما حولها.‏

لكنها توقفت حين انطلق زمور غاضب, وطار شرر من عجلات باص كاد يصدمها لولا الكابح.‏

زعق السائق وقد بانت أسنانه المنخورة, ولوزات حلقه الحمراء:‏

جئت لتبلينا فيك.. ليت الأرض تبلعك أيتها الجنية... كنا مرتاحين بدونك... لا نريدك أيتها الخرساء الصماء.‏

رعشة مفاجئة وريح خفيفة عبرت جسدها.. انكمشت.. ضمت أطراف ثوبها.‏

سمع الجميع نداءً آتياً من بعيد.‏

وكانت هي قد بدأت تركض, باتجاه النهر فاتحة ذراعيها مثل طير يغادر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244