|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الشركاء ـــ عمر الحمود اكتظ المكان بالعمال!. صافحوني بحرارة, وليس من عادتهم مصافحتي, ولو غبت سنين عنهم. وقالوا بفضول: هل مثلّت يا محمود على المدير العام دور المتهم البريء, فصدقك, وأخلى سبيلك؟!. ببرود نفيت هذا. تلهّفوا لسماعي, واقتربوا لحثي على مباشرة الكلام: هل اعتذرت, والتمست العطف والرحمة, أم تظاهرت بالخبل؟!. أجبت بزهو: لا هذا ولا ذاك. وبضجة اقتربوا أكثر. ورفعت رأسي, وشددت قامتي مقلّداً مشاهير النجوم, وحين هدأت الحركة والضجة قلت: استقبلني رئيس مكتب المدير العام في مكتبٍ لا ترون فخامته وتجهيزاته الالكترونية حتى في أحلامكم, ورحب بي كما يرحب الصديق بصديقه, وبأدبٍ شديد ترك كرسيه المخملي, وجلس على كرسي بجانبي, وحدثني بصوتٍ حميم, وقدم لي سيجارة فاخرة وولاعة ذهبية مع فنجان قهوة لم تعرفه مضافات البدو والحضر, وحين رأى اصفرار وجهي وهزال جسدي طيَب خاطري, وأقسم عليّ بتناول الغذاء في مطعم يستثمره باسم مستعار, فأكلنا سوية ما لذَّ وطاب, من مائدة تشبع حياً من الجياع, ونتيجة لامتلاء معدتي ارتخى جسمي, تثاءبت وراودني النعاس, فأعدّ الخدم سريراً وثيراً في دار ضيافة الوفود الزائرة ورحت نائماً فيه ساعات مريحة, وحين استيقظت صباحاً اغتسلت بماء دافئ في حمام مطيّب, لا أستطيع أن أصفه لكم, وتناولت فطوراً أتلذذ بمذاقه حتى الساعة, ثم نقلتني سيارة فارهة فيها الراحة والأمان إلى مقر الإدارة, وحضرت بين يدي المدير العام, ولم يعترضني حرّاس أو حجّاب وكان المدير رجلاً مسناً وقوراً, شيّبت التجارب رأسه وحدثني بحنانٍ أبوي, وحولني إلى لجنة مختصة جليلة, فهو لا يريد أن يكون خصماً وحكماً في الوقت نفسه, هذا ما لمسته من كلامه. وأمام اللجنة المختصة ذكرت ما جرى مرفقاً بوثائق رسمية, ولم أتردد خوفاً من النتائج: عارضت رئيس القسم, لا يمكن التفاهم معه, ويهتم بمصالحه, وينسى مصالح الإدارة, ويبتلع موارد القسم, ويحلم بابتلاع موارد الإدارة, وشتمت مديراً عاماً يتبناه بعد أن استفزني الرئيس, وهددني ملمّحاً إلى صلته بالمدير العام. وأخذت اللجنة وثائقي, ودققت إضبارتي, وحكمت ببراءتي, إضافة إلى مبلغ مالي مكافأة على نزاهتي, وعدم سكوتي على تصرفات رئيس القسم. وتوقفت, لم أعد أحتمل سرد المزيد من الكلام. ورأيت علامات الاستغراب على الوجوه, وبعض النظرات المشككة, والرغبة في السؤال, فقلت: إياكم والظن السيئ, فالظن السيئ أكذب الحديث, وكما تعلمون فأنا محب للصدق والعدل وكاره للكذب والجور. قالوا بنفاد صبر: قبضت المكافأة؟!. قلت بثقة: نعم, وفوق هذا أوصت اللجنة بمراقبة رئيس قسمنا ريثما تدرس الوثائق التي قدمتها وقد يوضع تحت المساءلة في القريب العاجل. دهشوا من هذه الواقعة غير المسبوقة!. وقالوا بأصواتٍ متعالية: الدنيا تغيّرت, ولن نظل على الحياد, علينا الاعتراف بما فعلناه حتى نكافأ ويحاسب رئيس القسم, نحن شركاء معك, عارضنا رئيس القسم, وشتمنا المدير العام, ألا تذكر هذا في جلساتنا الخاصة؟! قلت: بلى. وصبّوا المدائح عليّ, وحرصوا على تذكيري بأدلة قوية على سوء علاقتهم برئيس القسم, ونظر إلي بعضهم نظرات غيرة وحسد, وكأني نلت شرفاً رفيعاً, أو نزلت عليّ ليلة القدر, ولم يروا لون وجهي الخريفي, وعاتبني آخرون عتاباً مراً لأني نسيتهم أمام اللجنة راجين ألا أكرر هذا في لقاء قادم, وتخيّل كلٌ منهم رئيس القسم بالصورة التي يشتهي. ولم أقل لهم أني ارتديت قناعاً, وبقوةٍ أخفيت مظاهر خيبتي, وسردت وقائع كنت أتمنى أن تقع, ولم أقل لهم إن كل ما جاء في التقرير عدّ حقائق ثابتة في نظر المدير العام, وقد نصحني بطريقته الخاصة بتحسين سلوكي وتهذيب لساني, وإلا فسأواجه عقوبة مدمرة. وعدته بذلك, وقلت: أنا بعد اليوم لا أسمع, ولا أرى, ولا أتكلم, ولا أعرف الشكوى. وعدي لم يبيّض أوراقي لديه, إنه يريدني أن أغرّد في سربه, فقال بصراحة صارمة: ستبرهن على صدقك إذا صرت عيناً وأذناً لنا على العمال, وستنجح في هذا, ولن تظل عاملاً مهمّشاً في قسمٍ منسي من الدائرة. ووضع جهاز تسجيل صغير في جيبي. ولم يكن أمامي سوى الخضوع والطاعة. رآني العمال بطلاً, هزّ الإدارة, وعاد غانماً مكرّماً. تحركت إلى داري محاطاً بهالات الإعجاب والاحترام. طرقت الباب متعباً, منكس الرأس, أجاهد للحفاظ على توازني, وما إن سمعت زوجتي صوتي حتى نست مشاحنات الأمس, وضاقت الدنيا بفرحها, وكأن طيور السعد زارتها وأطلقت زغرودة طويلة. رأتني هي الأخرى بطلاً, يمتلك شجاعة لا مثيل لها, ولم تلاحظ إني ازددت وهناً, وبتّّ أكبر من عمري. ورأيت في نفسي مبتلى يرثى لحاله. وعندما تخيلت العمال, وقد علموا بفعلتي, وذاقوا ما ذقته, ونظروا إليّ كمسخٍ دنس مكروه, يشمئز منه الهواء, وتنفر منه الأرض, وتعافه الجرذان, تمنيت لو أنّ أمي لم تلدني. ولم أستطع إكمال الدور المخطط لي, وما كان منّي إلا أن أرسلت زفرة غاضبة, وأخرجت جهاز التسجيل من جيبي, ولم أهدأ حتى سمعت طقطقة مفاصله تحت قدمي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |