جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

دفاتر الصباح ـــ باسم عبدو

كعادتي في كلّ صباح أوّل من يخطو على الرصيف. أعرفه ويعرفني منذ سنوات. لم أتركة رغم ترهله وشيخوخته, يضيق نَفسي حين يضيق. أنزل منه قسراً لملاقاة صديق قديم.‏

الرصيف في هذا الصباح مثقل بالأحذية الناعمة والخشنة, تترك الأقدام فوقه همومها وغبار أحزانها, ولم أشعر بالملل:‏

السعادة الطَّرية تبوح بأسرارها المُبلَّلة بندى النساء. تبكي خدودهنَّ المُعطَّرة قطرات خجولة باشَّة, تارة تَعْبُر نفحات وردية,وتارة تصعق أنفي رائحة المُخلَّلات الفائحة من براميل بلاستيكية مركونة كالحُرَّاس, أمام فلافل أبي حيَّان التوحيدي, أتجنّب محفظة صبيّة تائهة تلوح بها, تلمس خاصرتي بين فينة وأخرى, فأبتعد عنها, ولا تعتذر منّي.‏

أوّل ابتسامة استقبلها, انطلقت من كُرسيّ كهربائي لجارتي المقُعدة, فتبخَّرت وتبدّدت بقايا عطور سابحة في فضائي الصغير المحاصر بين عديد الرؤوس.‏

وقفتْ الابتسامة حائرة, شامخة الطول بيني وبين امرأة تمشي, ورأسها للأعلى, أكثر من الحدود المسموح بها, وظهرها لم ينحنِ رغم الإنجاب والعمل. تتقدَّم أحياناً خطوتين, وفي أحيان تتلكأ خلفي متلهّية.‏

أتلفّتُ نحوها, فيرتجف خدّها, وهي تحاول أن تقتلع الابتسامة من جذورها, تُعدِّل هندامها, تُعيد قميصها المتُهدّل إلى كتفيها المصقولين كألماستين, وتمشي واثقة من نفسها.‏

تموء هامسة كقطّة أليفة, ترفض العطف ولا تشكو من عُري أو جوع.‏

ما تزال تلك المرأة أحد أحلامي الجميلة, كانت في يوم من أيام القرن الماضي, البقعة السّاحرة في حياتي, وهي الآن أكثر إغراء وانسياباً رغم افتراقنا الطويل.‏

يكاد كتفانا يلتصقان. أحسستُ أنَّ شيئاً ما يجذبني, لكنَّ هذه اللحظة الأنيسة, سَرْعان ما انقطعت, عندما نظرتْ إليَّ, وتجمَّعتْ بيننا كتلة غير متماسكة من الابتسامات حديثة الولادة, وصباحات تقافزت نحوي من صديقاتها, يلهثن للالتحاق بالحافلة, ولم يبقَ إلاَّ دقائق لعبورها.‏

نهضتْ أحزاني كأنَّ شيئاً حرَك سكونها, أصبحتُ بين أمرين صعبين, غدوتُ رقماً بينهما لا قيمة له, فرفعتُ رأسي لاعتبارات كثيرة, وخطوتُ بثبات دون الاكتراث بما يجري حولي.‏

تعددت الاتجاهات والاختلاجات, وكانت العطور الهابة من أنواع و"ماركات" أجنبية, تلفح الوجوه الواجمة, القلقة, المتفائلة, الحائرة, وإلى ما هنالك من تقلّبات لها علاقة بالطقس والرتابة.. وهكذا يتكرّر الصباح كلّ يوم.. الوجوه والحافلة اللاّمعة والسائق الأشيب, يرشف الشاي الأخضر. وفي مثل هذا الوقت يصدح صوت فيروز, يلتهمه صمت وسكون وأحلام ولحظات انتظار ولهفة وسباق.‏

الأشياء في الصباح متماهية, مرهونة بمصائرها, يكتنفها شرود وانتهاكات, قلّة يتهامسون بأخبار بائتة, ولا يختلفون, أو أنَّهم لا يجدون ما يشغلهم, فيبحثون في ارتفاع وانخفاض درجات الحرارة, وأشكال الغيوم, وارتفاع الموج, وأنواع الطعام, وزيادة الأجور والمنح قبل الأعياد والمناسبات الوطنية.‏

صباح رتيب, إيمان مشوب بخوف مجهول الهوية والإنتماء, لابُدّ قادم! وكلّ ما يجري ويتكرَّر أمامي, هو أحزان مسقوفة بألواح الإنشراح, وجزئيات الفرح الدَّفين, التي تنهض مُشتّتة, كأنّها تعرف الهزيمة أوَّل مرَّة, فأشفقت على روحي, أحاول تغيير الواجهة الأمامية وطلائها, وتفتيت ما لا يُعجبني, وأنا أتابع الكرسي الكهربائي الذي يختفي في المنعطف الأخير.‏

تواضعت سهام. سألتني عن صحتي وعملي, وعن عدد أطفالي. تصوَّرتْ أنَّهم لم يكبروا! اقتربت أكثر لتقول: متى تتقاعد؟ ومازحتني متضاحكة: أو مُت قاعداً!‏

خدش سؤالها الماضي, تسرَّب منه ضوء, حمل إليَّ عَجْزاً كأنّي انتظرُ أمراً عجولاً يسحق ما تبقى من خططٍ وأمل, كأنَّ سؤالاً يُسرِّع بإتلاف حُلم صغير ما يزال يتحرَّك بحرّية. أشدّه ويشدّني.. أجذبه بشهيّة نحوي, ويجذبني نحوه.. أحياناً نتعارك ولا تنتهي المعركة, فأنتصر مرّة وينتصر أخرى, وأنكسر مرَّات. أما الحُلم الجنين فنقص وزنه وتجعَّد جلده, مع مرور الأيام والسنين, وغاب في سُبات طويل. تحوَّل إلى جسد مُترهّلٍ مُنحنٍ.‏

أدركتُ سرّ السُّؤال, وهي تُشير إلى كهولتي النَّاعسة, وعيني الذَّابلتين اللاَّهثتين, يفضحهما خطٌّ أسود عريض, وتبدو سهام في فتوّة تُحسد عليها, كأنَّها باقية للأبد في شموخها وأناقتها وتألّقها, وموقد قلبها المُشتعل صباح مساء, لا يعرف الحزن.‏

تبدو سهام في قمّة السعادة, رُبّما كما تصوَّرت أنَّ هذا الاكتناز, وهذه العافية يصنعان فَرحاً, وأنَّ عذوبة الفرح مصدرها إرهاصات عشق قديم, يُثير أشجاناً يبعث الغضب, ويبدو أنَّها مثل النساء اللَّواتي عرفتهنَّ في حارتي, ومكان عملي, وفي الشَّارع وفوق المسرح, وعلى الشاشات, مُلثَّمة بالهموم, وفحيح فجوات الروتين والكسل, أو أنَّها تسعى بكلِّ جروحاتها لتبرير فشل الليلة الفائتة في سهرة ناقصة.‏

تتوزَّع المشاهد في هذا الصباح في شارع قصير, وفي محطّة الانتظار, وفي كلِّ ما يتجمَّع فوق الوجوه من ملامح مسكونة بالتشتّت, مثيرة للغبار والنواقص, وما يظهر على السطح يتغاير مع ما هو كامن في الأعماق.‏

رصيف صامت تُقبّله الأقدام, تثقله الأجساد بإلياتها وأكتافها العريضة, كحمارة "بَلْعَاد" لا يتعب, دون تمييز أو حقدٍ بين الأشكال والألوان والإنتماء.‏

قضمتُ مفردات عجائز, خبأتُ بعضاً منها, هضمتُ أُخريات في معدة ذاكرة, اعتادت على التشرّد والنسيان. أخرجتُ أفكاراً لقيطة, فكبرت وغَدت ندّاً لولادات سليمة, وعندما سحبتُ السّتار دارت معركة شرسة بينهما.‏

ترفض ذاكرتي كلَّ مَنْ يحاول طمسها وإيقافها, عند حافة الهاوية, أغلقتُ فتحة صغيرة يتسرَّب منها الزمهرير, خوفاً من اندلاق الفضيحة من قاموس تجربة مريرة, لن تتكرَّر مع امرأة سكبت روحي في فوّهة بركان خامد قابل للانفجار والثوران في لحظة غضب.‏

حاولتُ ألاَّ أُجيب عن أسئلتها, والاحتفاظ بما يخصّني, والاكتفاء بدسِّ بقايا حنين بين فتحات أزرار قميصها, كما كنت أفعل في خلواتنا, أمَّا الآن فلا يوجد ما يغري أو ما يحرِّك الماضي البعيد, فجمّدتُ صبري, وأنهيت عقدي, واحتفظت بكلام وثير كي لا أتنكّر للجميل, وأفضح الأسرار الباقية في صدرينا, المحبوسة في لهاثنا, وهي تدري أكثر منّي, ولا تقدر أن تتجاهَله مهما علا شأنها!‏

أغرتني هواجسها المتلعثمة, وهي تطأ عَتَبة هَوَسي, داستني ثغثغة قدميها, وهي تتمايل وتصعد إلى الحافلة, ثمَّ التفاتتها الغامزة, وإشراقة نصف وجهها المطلّ عليَّ, وأنا ما زلتُ ألُقي بَلادتي وكسلي على الرَّصيف, فيضحك ولا يمل, ويرى ما لا أراه, ويحرص على المراقبة والرصد.‏

أحسستُ أنَّ هذا الشريك يزاحمني, تيقّنتُ أنَّه الصباح الوحيد الذي تكلَّل ببعض النجاحات, بلا دسيسة, واحتفالات وولائم على طريقة الجاهلين الذين يغتصبون الحُبَّ فيميتون بذور الحياة.‏

بقي الصّراع ساكناً, مختبئاً, يُخفي شرراً, يلهث وامضاً من بقايا ظلِّ عينيها, ينفث بُخاراً ساخناً, تأكّدتُ أنّه يهبُّ عليَّ, وإلاّ من أين جاءت هذه اللّفحات الدَّافئة, علماً أنَّ الشَّمس ما تزال خلف المساكن, ولم تسقط أشعّتها بعد على الرَّصيف!‏

تذكّرتُ آخر اتهام, حينما رمقتني قبل عقدين ونيْف تُبشّرني بأنَّها تشمُّ رائحة الخريف من أوراقي, وأغصان قصائدي. تتكلَّم نزقة, تقول: ستتساقط أوراقُكَ, ولا تجد ورقة توت واحدة تستر عُريك, ولا أحد سيغفر خطاياك, ويسامحك, لذلك ابتعد عنِّي.‏

شعرتُ بالإثم يُسْكرني, يُفجّر ما تبقى من إرث حافظتُ عليه, وهي تُغلق أذنيها بكفّيها, لا تريد انتظار بقية الكلام.‏

أصبحتُ وحيداً, ينظر الرّصيف إليّ, تحثّني عيناه, يدفعني بصره كي أتركه يتخبّط في همومه وأوجاعه, لأنّه ينتظر أفواج التلامذة والعمال العائدين من مدارسهم ومعاملهم.‏

وقفت في زاوية بعيدة عن الناس, بجانب شجرة مُعمّرة, عارية من أوراق الحُبّ, عدا أغصان احترقت رؤوسها, وكان الفضاء أمامي مخنوقاً بحموضة كريهة, لكنَّه ترك فُسحة ضيّقة تطلُّ على ذاكرة مطموسة أقفلت بابها, وأغلقت نوافذها منذ زمن.‏

خفتُ أن يحترق قلبي, وهي تصبُّ البنزين من عينيها, وتشعل فتيل ابتسامة محشوة بالمفاجآت, فأتحوَّل إلى رماد!‏

لمعتْ بين غمازتيها شرارتان كأنَّهما تتراقصان في فُوْهتين ناريتين, ونَفَرت بعض التجعّدات اليابسة, المهووسة من اكتنازات مخمورة, ونزوات شريرة.‏

لا أُنكر تلك الصَّحوة التي هزتني من أعماقي, وشدّتني من عُنقي, فأعادت إليَّ ما كان يجذبني نحوها, وحينما اقتربتُ منها, وتحرّيتُ قدرتها على الطيران, انتكستُ ولم يَعُدْ ينفع العلاج ارتفعت درجة الكراهية إلى سقف الحقد وانحنى الخطّ البياني, ولم يرتفع منسوب الحُبّ.‏

أصبحتُ كُتلةً جامدة كعمود ملح, والذكريات تتقلّب وتثور ممغنطة, تحمل إبراً ودبابيس, وأفكاري تمشي أمامي, بينما جسدي ظلَّ مُسجَّىً, لا تكنسه مَحْدَلة من مكانه, بعد جفاف طويل, لا شيء يسحره, ويقهر اليَبَاس, إلاّ تلك الوردات في سلّة عمري من صبيان وبنات وزوجة لا تغفر لي, إذا عَرفت أنّني غرستُ زيتونةً منذ عقدين ونصف, لكنّها لم تُثمر, فقطعتُها من جذورها, وغرسها آخر في كرمه.‏

أعرف ذلك الرجل, ويعرفني في الحارة والمدرسة, أعرفه أنّه يكرهني, ويتمنَّى أن تقع بين مخالبه, لينتف أرياشها, وكان يكذب وهو يقول بعد أن سمع حكاية والده مع أُمّها, والحُبّ الذي غمرها قبل أن يذهب كلّ واحد في سبيله, وكان يتمنَّى أن تكون سهام من رحم أُمّه.‏

أصبح هذا الرجل كجرذ جائع, يتحيَّن الفُرص لقضمها, لكنّي الآن, وبعد أن تخاصمنا وتباعدنا تيقَّنتُ أنَّه تاجر كلام, أتذكَّر كيف كانت تبوح لي بعد ثلاثة أشهر من زواجها, بأنَّه يركلها بالكلام البذيء, ويرفسها, فتفوح منه كما قالت رائحة تيس قذر.‏

في هذا الصباح وما قبله, أي في تلك الليلة, مزَّقتْ العاصفة بعنفٍ شرايين المدينة.‏

هدَّمت وخرَّجت وجرفت البيوت, اقتلعت الأشجار, وقطعت أسلاك الكهرباء, لكنَّ الشجرة العارية أصبحت على كلِّ لسان, وفي كلّ الصُّحف ونشرات الأخبار, أثخنت العاصفة جراحها, فَهَوت كباخرة فوق الرَّصيف.‏

وبينما كان جلد الهواء يتمزَّق أوراقاً وأغصاناً, يدفعني بقوّة, يُحّملني مسؤولية شتائم العاصفة وموبقاتها, كنتُ ولا أدري كيف كنت أقفز من سريري وأطير بلا أجنحة, عندما سمعتُ صوت زوجتي يخرج هادئاً من حُنْجرة النَّوم يُناديني, لنشرب القهوة معاً كعادتنا في الشُّرْفة المُطلّة على رصيف الصباح, لنقرأ صفحة من دفاتره!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244