جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جرائم الحرب.. بالوثائق والصور ـــ هدية حسين

ليس بإمكاننا تتبع وإحصاء الجرائم على طول وعرض الكرة الأرضية, إذ أن الإنسان منذ جاء إلى هذا الكوكب وهو يحمل في داخله بذرة الشر.. لكن الغريب والمؤلم في الوقت نفسه أنه كلما تطور الإنسان وسهّل طرق العيش بالابتكارات المذهلة زادت بشاعة الجريمة على الأرض, وكما يبدو فالإنسان بالمحصلة النهائية يمضي باتجاه القضاء على كل ما هو جميل في الحياة.‏

ومن حين لآخر نقرأ كتباً في الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية, والانتهاكات التي تخرق أبسط حق من حقوق هذا الكائن القوي والضعيف في آن.. وكتاب (جرائم الحرب... ماذا ينبغي على الجمهور معرفته) هو آخر ما قرأت بهذا الشأن, وربما آخر الإصدارات التي تبحث في هذه القضايا.. صدر الكتاب عن "أزمنة للنشر والتوزيع" حرر الطبعة الدولية (روي غتمان) و(ديفيد ريف) فيما حررها عربياً (داوود كتّاب) وبترجمة (غازي مسعود) وتقديم (حنان عشراوي).‏

ساهم في هذا الكتاب عدد كبير من كتّاب ومختصين في القانون الدولي ومحامين ومصورين ومراسلين دوليين لوكالات عالمية وصحف وإذاعات ومحطات تلفزة خاضوا أصعب وأخطر المواقف ميدانياً في الحروب, إضافة إلى المختصين في المنظمات الإنسانية ومراكز البحث في جرائم الحرب والكثير منهم حصل على جوائز عالمية لما أنجزه وسلّط الضوء عليه في تلك الحروب.‏

الكتاب يُعد وثيقة مهمة ومرجعاً للبحث والمعرفة لما جرى ويجري في ظل الخرق المتنامي للمعاهدات الدولية.‏

الدكتورة حنان عشراوي تناولت في مقدمتها انتهاكات إسرائيل تجاه الفلسطينيين وركزت على اتفاقية جنيف الرابعة التي تنظم سلوك دولة الاحتلال وما تفعله الحكومة الإسرائيلية باتجاه بناء المستوطنات غير القانونية, والتي تُعد عقبة في طريق السلام, ودعت حنان عشراوي إلى احترام القانون الإنساني الدولي وتطبيقه, بغض النظر عن هوية مرتكب الجريمة أو هوية الضحايا.‏

وقد اعتمد الكتاب على وثائق قانونية مهمة وابتعد عن التعابير ذات المغزى العاطفي لضمان حيادية الطرح, ومن هنا جاءت مصداقية الكتاب الذي ترجم إلى الألمانية والروسية والفرنسية والاسبانية إضافة إلى طبعته الانكليزية.‏

***‏

أول البحوث كتبه (لورنس فشلر) كاتب متفرغ في مجلة النيويوركر الأمريكية, فاز لمرتين بجائزة (جورج بولك) وهو مؤلف أعجوبة وكون: تصفية الحساب مع التعذيب.. تناول الكاتب "القانون الإنساني الدولي" وهو لمحة استعرض من خلالها نشأة بعض التجمعات الإنسانية في هولندا, ثم الغارات الأولى للاستيطان فيها والتي بدأت في العام (800) وعرج على محكمة لاهاي والقوانين التي تعمل بموجبها, وعاد إلى قواعد الفروسية التي كانت سائدة في القرون الوسطى والتي كانت تستند إلى العلاقات المباشرة وجهاً لوجه والتي عجزت عن الاحتفاظ بمكانتها بمرور الوقت عندما أزاحتها المدفعية والذخائر في أرض المعركة.‏

وتتبّع لورنس فشلر النظام الإنساني القانوني أو ما اسماه (قانون الحرب) الذي يحكم العلاقات بين القوى المتحاربة, وبينها وبين القوات غير المحاربة, ومبادئ حقوق الإنسان.. وجاء على أمثلة كثيرة موثّقة عن عدد الذين ماتوا في حرب القرم 1854.. ومعركة (سولفرينو) التي راح ضحيتها أربعون ألف خلال بضعة أيام, هلك معظمهم لعدم معالجة جروحهم...‏

***‏

فيما تناول (رأوين أليسون وروبرت كوغود غولدمان) المناطق الرمادية في القانون الإنساني الدولي, حيث المشاكل التي يواجهها المراقبون في النزاعات المسلحة بين قوات حكومية ومتمردين, وفيما إذا كانت داخلية أو خارجية... تلك المشاكل والصراعات التي تنشأ في المنطقة الرمادية بين السلم والحرب, وأية مادة في اتفاقية جنيف تنطبق على هكذا حروب.. كما تناولا في موضوع آخر الأفعال غير القانونية أو المحظورة التي تضر بالأشخاص المحميين, كالمرضى والجرحى أو منكوبي البحار أو المدنيين.. وأيضاً الانتهاكات الخطيرة غير الخاضعة للحق الدولي برغم أنها خاضعة للمقاضاة في محاكم مختلفة..‏

كما ورد في التقرير الذي كان أكثر تحديداً في تلك الأفعال, استخدام الأسلحة السامة أو أية أسلحة مصممة لتسبّب معاناة غير ضرورية للإنسان كالهجمات الغادرة التي لا تستعمل شارات حماية أو شارات البلدان المحايدة.‏

***‏

أما أصناف جرائم الحرب فقد تناولها (ستيفن آر. راتنر) وهو أستاذ قانون في جامعة تكساس ومن كبار باحثي مؤسسة (فولبرايت).‏

وصنّفها كجرائم تحدث في معسكرات الاعتقال, وأخرى عن التطهير العرقي وإعدام الأسرى, والاغتصاب وقصف المدن.. وقد استعرض الكاتب جرائم حدثت في التاريخ القديم (نحو 200 قبل الميلاد) مروراً بمحاكمة (بيترفون) في العام 1474 في النمسا والتي حكم عليه بالموت لقيامه بأعمال وحشية في وقت الحرب.. وتعتبر تلك المحاكمة أول محاكمة حقيقية في جرائم الحروب.. ومن ثم عرج على اتفاقيات لاهاي لسنة 1899 وسنة 1907 وما تلاها من مواثيق ومعاهدات تعرّف بالجرائم... ثم اتفاقيات جنيف لسنة 1949 التي قنّنت القانون الإنساني الدولي بعد الحرب العالمية الثانية والتي شملت في طيات صفحاتها جرحى ومرضى الحرب البرية, وجرحى ومرضى الحرب البحرية, وأسرى الحرب والمدنيين, وكذلك تلك الاتفاقيات التي تتعلق بالقتل العمد والتعذيب أو المعامل غير الإنسانية التي توقع أذى بدنياً أو صحياً على الأفراد, وإجبار الأسير على الخدمة في قوات الدولة الخصم, وتعمد حرمان الأسير من حقه في محاكمة عادلة... والهجوم على مواقع مجردة من وسائل الدفاع مما يجعل المدنيين ضحايا حتميين, والاستعمال المخادع لشارة الصليب الأحمر, أو الهلال الأحمر, والإبطاء غير المبرر في إعادة الأسرى, وغير ذلك من الخروقات والجرائم التي ترتكب بحق الأبرياء وقت الحرب.‏

***‏

وطبعاً لا يمكننا في هذه المساحة أن نستعرض كل ما كُتب بشأن الجرائم لكننا نحث على قراءة هذا المرشد والدليل الذي تعزّز بالوثائق والصور التي أرّخت لمجازر بشعة اقتُرفت ضد الإنسانية وحدثت على مراحل مختلفة من تاريخنا المعاصر, ونشير إلى ما تناولته المقالات والبحوث في عدد من النقاط الساخنة في آسيا وأفريقيا وأوربا الشرقية وأمريكا الشمالية والجنوبية وركزت معظمها على الحرب بين العراق وإيران, والأراضي الفلسطينية المحتلة, والشيشان, وما تبع ذلك من انتهاكات وعقوبات جماعية, والقتل العمد, وتدمير البنى التحتية, والحجز اللاشرعي للأفراد, والترحيل والإبعاد, والحصار, والتدمير التعسفي والسلب والاغتيالات وفرق الموت..‏

وفي موضوع الأسلحة المحرمة تناولت الدراسات والمقالات الأسلحة النووية والبيولوجية والأسلحة الكيماوية, والسامة, والألغام مشيرة إلى أن (رصاصة البندقية) كانت أول سلاح محدد تحرمه معاهدة دولية إبان الحرب الأهلية الأمريكية, وقد اعتبرت تلك الرصاصة غير إنسانية ولا يجب أن تُشترى.. ثم تطورت بعد ذلك الأسلحة ـ على الرغم من تحريمها دولياً ـ حتى وصلت إلى أبشع ما وصلت إليه في العصر الراهن, وصارت الرصاصات الحارقة والمتفجرة من عيار صغير استخداماً قانونياً في الحروب الجوية رغم أن استخدامها في بنادق المشاة ظل ممنوعاً.‏

***‏

ومن الفظاعات التي شهرتها الإنسانية ما ارتكب بحق أهالي حلبجا العراقية حيث قامت قوات النظام السابق بإبادة أكثر من خمسة آلاف من المدنيين بالغازات السامة, وما يقرب من أربعة آلاف أثناء فرارهم إلى إيران... أما الذين نجوا فما يزالون يعانون من تقرحات في العيون, وآلام في العظام وسرطانات وأمراض جلدية ونفسية, إضافة إلى ما سببته الأسلحة الكيماوية من تلوث في أخصب مناطق الشرق الأوسط حيث أصبحت الأشجار غير منتجة, وجفّت بساتين الرمان.. ولكن الخطر الأكبر هو ما أعلنته (كرستين غوستن) أستاذة علم الجينات في جامعة ليفربول, ومن أن هذه السموم دمرت السكان المحليين جينياً, وقالت (الوضع قنبلة مؤقتة ستنفجر في أجيال المستقبل, إنه أسوأ مما كان لي أن أتخيله).‏

***‏

وقد ساعدت الكاميرا كشاهد ضد ما ارتكب بحق الإنسانية من جرائم وأصبحت في كثير من الأحيان أكثر بلاغة من آلاف الكلمات, وقد احتوى هذا الكتاب على (94) صورة فوتوغرافية يعود أقدمها إلى منتصف الأربعينات (خرائب هيروشيما).. ومن أبرز تلك الصور:‏

ـ الفلسطينيون عندما يستخدمهم الجنود الإسرائيليون كدروع بشرية (1997).‏

ـ جندي عراقي مات حرقاً بعد أن قُصفت سيارته بمحاذاة نهر الفرات (1991).‏

ـ قبور أطفال مدنيين قتلهم الصرب تظهر فوق الثلج ـ سراييفو (1995).‏

ـ القوات الأمريكية تقصف طابوراً من القوات العراقية والمدنيين ـ شمال الكويت (1991).‏

ـ هياكل عظمية لكمبوديين قتلهم الفييتناميون (1998).‏

ـ عربة أميركية مدرعة تجر جثة جندي من الفيانكونع (1966).‏

ـ رئيس الشرطة الفيتنامية يعدم ضابطاً مشتبهاً به (1968).. وهذه الصورة ظهرت مرات عديدة في أفلام وثائقية.‏

ـ سرير استُخدم لتقييد الضحايا في مركز الخمير الحمر ويستخدم أيضاً للتعذيب ـ كمبوديا (1998).‏

ـ ضحية إيرانية من ضحايا الحرب الكيماوية العراقية (1986).‏

ـ امرأة كردية وطفلها... ضحايا الغاز السام في حلبجا (1988).‏

ـ مدنيون في سنتياغو احتجزوا داخل ملعب رياضي بأعداد لا تحصى ومن ثم اختفوا ـ تشيلي (1973).‏

***‏

إن هذه الصور والوثائق التي جاء بها الكتاب لهي الدليل الدامغ على بشاعة ما يحدث أثناء الحروب.. على الرغم من أن جميع الأطراف التي تسعى لبناء عالم نظيف لا يمكنها منع ما يحدث, ولكنها على الأقل تسعى للتقليل من حجم الكوارث عبر منظماتها الإنسانية والنشطاء الخيّرين في العالم.‏

* الكتاب: جرائم الحرب.. ما ينبغي على الجمهور معرفته.‏

* الناشر: أزمنة للنشر والتوزيع.‏

* ترجمة: غازي مسعود.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244