جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بحوث في الترجمة ـــ لميس ديب

صدر مؤخراً عن مكتبة ودار ابن حزم للنشر والتوزيع في الرياض ـ السعودية كتاب بعنوان "بحوث في الترجمة" بطبعته الأولى (1426هـ ـ 2005م) للأستاذ الدكتور فؤاد عبد المطلب من قسم اللغة الإنكليزية وآدابها بجامعة البعث. يقع الكتاب في مائة وتسع وأربعين صفحة من القطع الكبير, ويحتوي على تقديم وخمسة بحوث ـ فصول.‏

يركز الكاتب في التقديم على فكرة أن اللحاق بركب التقدم العلمي والثقافي العالمي أخذ يستدعي مؤخراً الاهتمام بقضايا الترجمة والمثاقفة والاتصال, والحوار على نحو حثيث. وعلى الرغم من الحاجة القصوى إلى الترجمة في أيامنا هذه فهي لا تلقى الاهتمام الذي لاقته في فترات النهوض الحضاري التي تميزت جميعها بغزارة التعريب ووفرة الإنتاج العلمي والأدبي والثقافي العام المنقول عن لغات أجنبية عديدة. وقد يكون السبب في ذلك نزوع الكتّاب والمفكرين إلى التأليف أو ندرة المتعمقين في اللغات المترجم عنها وإليها, أو لإحجام الكثيرين عن الترجمة نظراً لانخفاض الأجر الذي يتقاضاه المترجم قياساً بأي عمل فكري أو يدوي يقوم به الناس في الوقت الحاضر, أو للاتجاهات التعليمية أو التثقيفية التقليدية, أو حتى الحديثة في الوطن العربي, التي جعلت من الترجمة فرعاً دراسياً عادياً من فروع الدراسة أو نشاطاً ثقافياً ثانوياً, أو بسبب السياسات البحثية العلمية الرسمية المتحجرة التي تنظر إلى الترجمة نظرة دونية أو تخرجها أساساً من دائرة العمل العلمي عامة. لهذا كله, ولأسباب إضافية أهمها النقص الكبير والفراغ الملحوظ في المكتبة العربية في الكتب التي تعنى بالترجمة ونظرياتها ومشكلاتها, والحاجة الماسّة حالياً وخصوصاً على الصعيد الجامعي أو التخصصي لدراسات تهتم بقضايا الترجمة والتعريب, جاء هذا الكتاب ثمرة لجهد متواصل واهتمام متزايد بهذا الحقل من الدراسة والممارسة يتميز العمل فيه بإيلاء الجانب النظري الدراسي أهمية واضحة يفوق الجانب العملي أو التطبيقي.‏

كما ذكرنا يتألف الكتاب من خمسة بحوث ـ فصول, الثلاثة الأخيرة منها مترجمة عن الإنكليزية, وهي على التوالي: الترجمة والبحث العلمي, وإشكالية ترجمة القرآن الكريم: ترجمة روبرت أوف كيتون مع مراجعة جيمس كريتزك لها, ومن الترجمة, ومهمة المترجم, وملاحظات في الترجمة, أما البحث الأول فيعالج العلاقة بين الترجمة والبحث العلمي, ويبين دلالات كلا المصطلحين وطبيعتهما وأهميتهما وحدودهما, وأصالتهما في التراث العلمي والثقافي العربي, ويتطرق إلى ميزات الترجمات التي يمكن أن تعد أبحاثاً علمية, ويقدم مثالاً على البحث الأدبي الترجمي ترجمة الشاعر الأمريكي بيادر تيلر لرائعة غوته "فاوست". ويخوض البحث مناقشة على الصعيد النظري حول اعتبار الترجمة علماً لا جهداً ثانوياً كما يدعي بعض الباحثين من أصحاب النظرة العتيقة ممن لا يجيدون أو يمارسون الترجمة أو يطلعون على دراسات الترجمة الحديثة. ويركز البحث النقاش حول دور الترجمة المهم في عملية التنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية ـ التعليمية وتنمية الثروة اللغوية. وفي هذا الإطار يستعرض البحث بعض المشكلات الترجمية التي نعاني منها في الأوساط الجامعية والثقافية عموماً, ويقدم بعض المقترحات والشروط التي يمكن أن تساعد عملية الترجمة والتعريب من أجل خدمة النهضة العلمية والثقافية العربية في الزمن المعاصر.‏

أما البحث الثاني فيتناول إشكالية ترجمة القرآن الكريم, والأهداف والمرجعيات التي حكمتها. وأخذت هذه المسألة أبعاداً تتجاوز حدود الأمانة العلمية والترجمة الحرفية والدلالية إلى آفاق وهواجس تبحث عن مآرب وأهداف سياسية. لذلك كان الانتقاد والتشويه ملمحاً من ملامح هذه التراجم. كما أن عدم التواضع العلمي الذي يقوم الإسهامات العربية والإسلامية حضر في أساس وتضاعيف المشهد الثقافي الأوربي ـ المسيحي في النظر إلى العرب والمسلمين... غير أن محطات استثنائية لابد من الإشارة إليها كما هو الحال مع المستعرب الروماني جورجي جريجوري الذي ترجم القرآن الكريم من الأصل العربي مستعيناً بتراجم أخرى فرنسية وإنجليزية ومفسحاً المجال لقاموس تفسيري لتلك الكلمات والمفاهيم القرآنية العصية على الترجمة الرومانية, ولم يكن الأمر غريباً أو مفاجئاً لأن (جورجي) كتب رسالته للدكتوراه عن "إشكالية ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الرومانية". إن هذا البحث يقدم رؤية تتعلق بذات الموضوع, تتمثل في إلقاء نظرة تاريخية نقدية على ظروف أول ترجمة لاتينية ـ أوربية مسيحية للقرآن الكريم والتي قام بها روبرت أوف كيتون عام 1143م بتفويض من الراهب بيتر الجليل, وذلك مع تقديم وترجمة لمراجعة جيمس كريتزك لها والتي ظهرت عام 1955م في جامعة هارفرد.‏

أما البحث الثالث "فن الترجمة" فكتبه هورست فرنز ليشكل الفصل الرابع من كتاب "الأدب المقارن: المنهج والمنظور", من تحرير نيوتن ب. شتالكنخت, وهورست فرنز نفسه ومنشورات جامعة ساثرن الينوي, صدر في كاربونديل وادوارفيل في طبعة منقحة عام 1973م. وهورست فرنز هو أستاذ الأدبين الإنكليزي والمقارن في برنامج دراسات الأدب المقارن في جامعة إنديانا في أمريكا. درس في جامعة ويسكنسن ونيويورك وعدد من الجامعات الألمانية, ونشر العديد من الدراسات المقارنة كما ترجم أعمال جيرهارت هاوبتمان المسرحية من الألمانية إلى الإنكليزية, وقد عمل رئيساً لتحرير "كتاب الأدب المقارن والعام السنوي", وحرر كتاب "آراء الكتاب المسرحيين الأمريكيين في المسرح", وكتاب "محاضرات نوبل: الأدب ما بين 1901 و1967م". يعكف البروفيسور هورست فرنز في هذا البحث: "فن الترجمة" على مناقشة القضايا والمشكلات التي تتعلق بالترجمة الأدبية بمعظم أشكالها طارحاً آراءه التي تؤكد النظر إلى الترجمة الأدبية بوصفها فناً قائما ًبذاته. وما دام دارس الأدب المقارن يظل مهتماً بمعرفة اللغات الأجنبية وبأعمال أدبية مترجمة عن لغات أجنبية, فإن قضية الترجمة ومشكلاتها تبقى من اهتماماته الدائمة بصورة عميقة, إذ إنه يتوجب على هذا الدارس في حالات معينة أن يقوم بنفسه بقراءة أعمال مترجمة لإجراء مقارنات, كما أن ذلك سيجعله يعترف أن ترجمة أعمال أدبية مهمة من لغة إلى أخرى تشكل إحدى الأقنية الرئيسة للتأثير الأدبي. وفي الواقع, ظهرت في السنوات الأخيرة دراسات تلفت الانتباه على نحو متزايد إلى المشكلات الكثيرة التي تعترض مترجم الأعمال الأدبية في كثير من بلدان العالم.‏

ويشكل البحث الرابع الفصل الثالث من كتاب والتر بنجامين "إضاءات", من سلسلة كتب فونتانا وكولينز, الصادر في بريطانيا في عدة طبعات آخرها عام 1982م, وقد كتب المؤلف هذا المقال أساساً عام 1923 م ونشره كمقدمة لترجمته لعمل بودلير "صور من حياة الباريسيين" تحت عنوان "مهمة المترجم" وصدر أول مرة بالألمانية في العام نفسه في هيدلبرغ. وقد ولد المؤلف في برلين عام 1892 م لأسرة ثرية ومثقفة وأمضى حياته وهو يسهم في كتابة المقالات المطّولة والقصيرة للمجلات الأدبية. ثم غادر ألمانيا إلى فرنسا إبان فترة حكم هتلر ومات منتحراً في أثناء ملاحقته من قبل القوى النازّية عام 1940م. تتألف أعماله من كتابين عن الأدب الألماني "مفهوم نقد الفن في الحركة الرومانتيكية الألمانية" و"أصل التراجيديا الألمانية", ومن كتابين آخرين ينطويان على أفكار فلسفية تأملية عامة "طريق ذو اتجاه واحد" و"طفولة في برلين حوالي العام 1900م" وعدد كبير من المقالات الأدبية والنقدية, ومراجعات كتب، والتعليقات.‏

تم اختيار البحث الأخير من كتاب هنري غيفورد "الأدب المقارن" الصادر أول مرّة عن دار روتلدج وكيغان بول في لندن عام 1969م ضمن سلسلة كتب مفهومات الأدب. يحتل بحث "ملاحظات في الترجمة" موقع الفصل الرابع من الكتاب, ويدرس على نحو لافت للنظر قضايا الترجمة الأدبية ومشكلاتها. ويتطرق هذا الفصل إلى نقاط رئيسة هي: الأخطاء الحتمية في الترجمة, ونزعة التشويه, ويأخذ كمثال ترجمات جيد الشكسبيرية, والاستجابات الناقصة بالضرورة للشعر الأجنبي, والرواية حين تضعف بالترجمة إلى جانب بعض القواعد الأساسية في الترجمة الأدبية, مثل أن الترجمة النهائية غير ممكنة, وانعكاس طابع الفطرة في الترجمات (ترجمات شليغل وتيك, والترجمة المعتمدة للكتاب المقدس), وأفضلية الترجمات التي تنقل الحياة والحركة الأصلية (رأي ماثيو أورنولد في ترجمة الكسندر بوب هوميروس) والأمانة في نقل سلسلة الانطباعات التي هي أكثر أهمية من الحفاظ على الصيغة الإيقاعية, ودرجة القرابة والمحاكاة, ودور الترجمة في تطوير اللغة, مع نظرة إلى الأعمال الكلاسيكية المترجمة.‏

يتضمن هذه الكتاب بحوثاً مفيدة وشاملة عن الترجمة, اعتمد فيها الكاتب على مصادر عربية وأجنبية, ويعد من الكتب القيمة في هذا المجال, لأنه يقدم خدمة للدارسين والدارسات, وخصوصاً طلبة الأقسام الجامعية, الذين يرغبون في التخصص في هذا الفرع العلمي الذي خطت فيه جامعاتنا ودوائرنا الثقافية عموماً خطىً واسعة في السنوات الخمس الأخيرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244