جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الجزائر تعيد اكتشاف أديبها العظيم: ألبير كامو ـــ توفيق المديني

ما بين 24 إلى 28 إبريل الماضي, نظمت جامعة الجزائر لأول مرة ندوة تكريمية رسمية ممولة من قبل من ولاية تيبازا, تحت عنوان: "ألبير كامو والآداب الجزائرية, الفضاء ما بين الخطاب" وفيما مضى, عقدت ندوة في مدينة وهران حول ألبير كامو في يونيو2005, بمبادرة من جمعية أصدقاء وهران. بيد أنه لم يحدث أبداً أن قامت السلطات الرسمية الجزائرية بمثل هذه الخطوة, أي الاعتراف بفضائل هذا الكتاب العملاق Albert Camus كمؤلف وفيلسوف فرنسي, وواحد من النجوم الاجتماعيين لتيار الوجودية (مع جان بول سارتر).‏

ولد ألبير كامو في موندوفي بالجزائر يوم 7 نوفمبر 1913 إبان الاحتلال الفرنسي لعائلة من المستوطنين الفرنسيين, وكانت والدته تعود لأصول إسبانية, وتوفى والده في الحرب العالمية الأولى, وعاش كامو في ظروف من الفقر والعوز في الجزائر, وأثناء دراسته الجامعية في الجزائر التقط كامو مرض السل وأثر ذلك على نشاطاته الرياضية والدراسية, وعمل كامو خلال سني دراسته في أعمال يدوية بسيطة, وتوفي في فرنسا في حادث سيارة في الرابع من حزيران ـ يونيو 1960, من سخرية الأقدار أنه كان قد علق في أوائل حياته الأدبية, أن أكثر موتاً عبثياً يمكن تخيله هو الموت في حادث سيارة, في الوقت الذي كانت فيه حرب التحرير الجزائرية مشتعلة ضد الكولونيالية الفرنسية, وقبل سنتين من الاستقلال.‏

لقد جاء الوافدون إلى هذه الندوة من فرنسا, بكل تأكيد, ولكن أيضاً من تونس, والبرازيل, والولايات المتحدة الأمريكية, وهولندا. وكان المتدخلون الذين تعاقبوا على مراجعة نصوص ألبير كامو, لم تطأ ـ للبعض منهم ـ أقدامهم مسقط رأس مؤلف رواية الغريب. وهذا الأمر ينطبق على حفيد المستشرق ريني باسيت (أول عميد جامعة الجزائر) وعضو شركة الدراسات الكامية, الذي قام بأول زيارة للجزائر.‏

وتعتبر هذه الندوة ثمرة "المصادفة والصداقة والعناد" حسب قول كريستيان شاوليت ـ عاشور (من جامعة سيرجي بانتواز), ولكنها هل ستكون كما تعتقد رفيقته المتآخية نجاة خده "نتيجة لترسب طويل "أي بطريقة أخرى "كردة فعل معكوسة على الأصولية الإسلامية" حيث أن المجتمع الجزائري, الذي خرج من حرب أهلية ضروس طيلة عقد التسعينيات", لم يعد يقبل بالمعتقدات الراديكالية والشمولية".‏

في كتابه "ألبير كامو والجزائر" (الصادر عن دار نشر بارزاخ, الجزائر, 2004) يقدم كريستيان شاوليت ـ عاشور عرضاً عن مواقف المثقفين الجزائريين التي كانت في الأعم الأغلب سلبية وعنيفة ضد كامو. فقد اتهمه خصومه بعدم إدراج شخصيات عربية في رواياته, وأنه رفض في مواقفه السياسية مساندة المعسكر (وأساليب) الوطنيين الجزائريين فقد سببت حرب الاستقلال الجزائرية التي اندلعت عام 1954, لكامو حيرة نفسية أمام معضلة أخلاقية, كان كامو يتصور إمكانية حصول حكم ذاتي في الجزائر, أو حتى حصول العرب على فيدرالية خاصة بهم, لكنه لم يتصور فكرة الاستقلال التام, كانت تلك الأفكار مرفوضة من الجانبين, لكن ذلك لم يمنعه من مساعدة السجناء الجزائريين ـ سرّاً ـ والذين كانوا يواجهون عقوبة الإعدام في السجون الفرنسية في الجزائر. في الفترة بين 1955 و1956 كتب لصحيفة الاكسبرس, وفي السنة اللاحقة حاز على جائزة نوبل في الأداب, ليس من أجل كتابه (السقطة) الذي صدر في السنة السابقة, ولكن من أجل سلسلة مقالات كتبها وانتقد فيها عقوبة الإعدام.‏

هناك شك يلازم الكتاب, ويبدأ من التعاطف بالإجماع للقراء ـ كم لو أن هذا التعاطف قد اكتسب بالضرورة عبر ثمن من الغش, وكان عبارة عن إشارة بكل تأكيد لبعض من عدم الأهمية, على سبيل المثال, حالة ألبير كامو جاءت لتدقق في هذه القاعدة فالاعتراف المباشر الذي عرفه مؤلف الغريب قد كان له فوراً تقريباً عكسه من الحذر والكراهية. ونحن نعلم أن السنوات الأخيرة من حياة مؤلف كتاب الإنسان المتمرد ـ إذ يؤثر الأديب والفيلسوف أليبر كامو التمرد والعصيان على الثورة, ويرى في التمرد فعل نخوة ومروءة, بل إنه فضيلة اجتماعية يرفض بموجبها المتمردون أولئك "الظالمين" الذين "جاوزا المدى" ـ كانت هدفاً توافقياً من الهجمات المنسقة التي تخاض باسم السوريالية كمذهب ما فوق الواقعية, والوجودية, وحتى المادية الديالكتيكية من قبل بعض الكتاب منهم من هم في منتهى الاحترام.‏

من دون شك هناك استثناءات, لاسيما جورج بطاي, وهو شيء ليس بالقليل, ومع ذلك في الوقت الذي تسلم فيه ألبير كامو جائزة نوبل للآداب عام 1957, كانت الشائعة تعطي لروائي السقطة أنه انتهى, وهي ليست بعيدة من اعتبار أعماله كلها باطلة ولاغية ولم يغير الموت شيئاً من هذا الأمر, وعلى نقيض الأفكار المسبقة التي تموقع كامو ككاتب كلاسيكي متأخر, يعد ألبير كامو كاتباً للحداثة بل إنه من الأوائل, هناك قناعة عنده يمكن استنتاجها: لأن العالم غير معقول, فيجب الدعوة إلى حركة من التمرد للتنديد بكل شكل من أشكال التسوية مع الشر, وإلى المحافظة في سيرورتها على التوتر التراجيدي لرفض معارض بإصرار للوقع غير المقبول.‏

عندما حصل ألبير كامو على إجازته في الفلسفة عام 1935م وقد قدم في العام اللاحق بحثه في الأفلاطونية الجديدة, ثم التحق كامو بالحزب الشيوعي الفرنسي عام 1934م, وذلك مساندة للوضع السياسي في إسبانيا (والذي أدى إلى الحرب الأهلية الإسبانية) أكثر مما كان إيماناً بالماركسية ـ اللينينية, وفي عام 1936م شارك كامو في نشاطات شيوعية جزائرية تنادي بالاستقلال, ولم يعجب ذلك رفاقه في الحزب الشيوعي الفرنسي الذين وصموه بالتروتسكية, الأمر الذي عزز انفصامه عن العقيدة الستالينية, فعمل بشكل متقطع في المسرح والصحافة, وانطلاقاً من استخدام كامو لغة رفيعة لم يستخدمها إلا قلة من الكتاب من بعده, فإن مؤلف رواية حفلة عرس (1939 الصادرة عن دار نشر شارلوت, إضافة إلى كتابته لعدد من المقالات أثناء عمله الصحفي عن ظروف العرب السيئة و"حول البؤس في منطقة القبائل", الأمر الذي كلفه وظيفته), كان ينشد لجميلة وتيبازة الرسم الانتشائي للآلهة الهاربة, وعندما وصل إلى باريس في عام 1940, عمل في جريدة فرانس سوار كسكرتير تحرير, وأنهى كتابة روايته "الغريب" وتزوج من فرانسين فور.‏

المسألة الثابتة عند ألبير كامو هي تلك التي تسيطر من ظله على القرن الماضي, وهي المسألة عينها منذ الأبد, والتي لا تزال تلاحقنا في الألفية الجديدة, إنها تسمى النهلستية: العدمية, وهي نظرية تقرر أنه لا يوجد شيء على الإطلاق, وقد نادى بها "غور غياس" ودلل على ذلك بثلاث قضايا:‏

(أ‌) لا يوجد شيء.‏

(ب‌) إذا كان هناك شيء فالإنسان قاصر عن إدراكه.‏

(ج) إذا أدركه فلن يستطيع أن يلغيه لغيره من الناس.‏

وكانت العدمية نظرية أحد الأحزاب الروسية في القرن التاسع عشر وتدور حول تحرير الفرد من كل سلطة. وكانت أهم إنجازات كامو الفلسفية فكرة العبث أو اللامعقول: الفكرة الناتجة عن حاجتنا إلى الوضوح, والمعني في عالم ملئ بظروف لا تقدم لا الوضوح ولا المعنى, وهي الفكرة التي أبدع في تقديمها في أسطورة سيزيف (1942 1941), وفي الكثير من أعماله الأدبية.‏

في الفترة الأولى من الحرب العالمية الثانية, كان ألبير كامو من دعاة السلم, لكن, فيما بعد, وبالذات عندما أعدم النازيون جابرييل بيري, تبلور موقفه من المقاومة ضد الاحتلال النازي وانضم إلى خلية "الكفاح", وعمل محرراً لجريدة تحمل الاسم نفسه. وفي عام 1941 ـ 1942 عاد إلى وهران للتدريس, وأنهى كتابة أسطورة سيزيف. وفي هذه الفترة, وتحديداً في عام 1942م انتقل إلى بوردو, ونشر في تلك السنة بالذات أول مؤلفيه "الغريب, وأسطورة سيزيف" في دار نشر غاليمار.‏

مع نهاية الحرب, ظل كامو رئيساً لتحرير جريدة الكفاح, إلى أن فقدت مغزاها النضالي وصارت مجرد جريدة تجارية, فتركها عام 1947م, ونشر روايته "الطاعون", وصار مقرباً أكثر من دائرة سارتر وصار أهم أعضاء حاشية سارتر في جادة السان جرمان.‏

كما أنه قام بجولة في الولايات المتحدة وقدم عدة محاضرات عن الوجودية في عام 1946. وكان البعض يرى أن كامو لم يكن وجودياً بقدر ما كان عبثياً. في عقد الخمسينات من القرن العشرين تفرغ كامو للعمل الإنساني. وفي عام 1952, استقال من منصبه في منظمة اليونسكو احتجاجاً على قبول الأمم المتحدة لقبول عضوية إسبانيا وهي تحت حكم الجنرال فرانكو.‏

رغم أنه حسب على اليسار السياسي, فإن انتقاداته المتكررة للستالينية أكسبته عداء الشيوعيين, وعزلته لاحقاً حتى عن سارتر, حيث تجسدت القطيعة بينهما عام 1952, وهو العام الذي نشر فيه كتابه التمرد الذي قدم فيه تحليلاً فلسفياً للتمرد والثورة, وأعلن فيه رفضه الصريح للشيوعية, الأمر الذي أغضب الكثير من زملائه, كما أن انتماءه لليسار لم يمنعه من انتقاد السوفييت للطريقة التي قمعت فيها انتفاضة العمال في برلين الشرقية عام 1953 وانتقد كذلك انتفاضة المجر في عام 1956.‏

ألبير كامو الجزائري, البير كامو الفرنسي, ألبير كامو الأديب العظيم المتوسطي الذي أصبح جزءاً من تراثنا الثقافي, تلك هي الهويات المشتركة لهذا المهاجر الأول من كتاب عصره.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244