جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مأثرة أم الكاتب التركي: ظفر غوكهان ـــ جمال دورمش

كان يشهق, وهو يتحدث مسترسلاً عن مصيبة حلت بهم, يتحدث محتضناً بين ذراعيه أخاه الذي يصغره ببضع سنوات, وهو الذي لم يتجاوز العاشرة من العمر, نظرات مستمعيه المتحلقين حواله, المتعاطفين معه, مشبعة بالألم والشفقة.....‏

ـ قبل سنة قتلوا أبي دون رحمة, لتتولى أمي رعايتنا والاعتناء بنا. ثلاثة أيام والجوع ينهش بطوننا, ممنوع الخروج من البيت بسبب منع التجول, لذلك لم يبق في البيت ما يسد الرمق. أخي الصغير كان يبكي بلا انقطاع من شدة الجوع, بينما أمي تحاول جاهدة إسكاته, وفي ذات الوقت تبتهل إلى الله بكل جوارحها لإنهاء هذا الظلم.‏

كالعادة سمعنا أصوات قرقعة السلاح ودوي انفجارات وصراخ, بعد خمس, عشر دقائق بتنا نسمع ومن مكان قريب أصوات شتائم وصراخ, هبت أمي فوراً نحو النافذة لتستطلع ما الأمر.‏

في هذه اللحظة, ضغطت أمي بيدها على كتفي عندما لاحظت أنني سأتحرك من مكاني ولسان حالها يقول: اجلس في مكانك ولا تتحرك, وراحت تسترق النظر من إحدى زوايا النافذة. أخذت تبكي, الدموع ترسم خطوطاً على وجنتيها, لم أتمالك نفسي أكثر من ذلك, هرعت نحو النافذة, تجمد الدم في عروقي من هول ما رأيت, عرفت سبب بكاء أمي.‏

إذ إنها كانت تستحضر صورة أبي وكيف قتلوه, نعم كانت تتخيل أبي, مثلما كنت أتخيله تماماً. ثلاثة من الجنود الإسرائيليين حاصروا شاباً فلسطينياً, وراحوا يضربونه حتى الموت. كم تمنيت أن أكبر بسرعة حتى أستطيع تلقينهم جزاء ما اقترفوه, داسوا الشاب بأقدامهم لفترة من الزمن, عندما لم يبدر الشاب أية ردة فعل, تركوه يسبح بدمائه مقهقهين وهم يقولون "مات على الأغلب" نافضين ايديهم وكأنهم أنجزوا مهمة صعبة, ثم راحوا يعملون على ترتيب ملابسهم وبدوا كأنهم يتبادلون التهاني.‏

بعدها اختفوا تماماً وبتنا لا نراهم أمام سور الحديقة الواقعة أمام بيتنا, رحت أنا وأمي نرمق ذلك الشاب الفلسطيني الممدد السابح في بركة من الدم, كنا نبكي, كنا تواقين لمساعدته إلا أننا في الوقت نفسه كنا مرعوبين خائفين...‏

سرحنا بتفكيرنا حين كسر باب الحديقة "كنت سأقول عندما أصحو آه كم هو رائع أن ما رأيته ما هو إلا كابوس وسأرتاح هكذا كنت أظن, إلا أنني لم أستطع أن أصحو, فكل شيء كان حقيقياً في هذه اللحظة احتضنتُ أمي من شدة الخوف والهلع, ورحت أرتجف, خفقات قلب أمي ازدادت حوالي ثلاث مرات وبر جسمي انتصب مثل الشوك.‏

اتجه الجنود الإسرائيليون مقهقهين نحو بيتنا, في هذه اللحظة بالذات سحبتني أمي من أمام النافذة وأقعدتني بجانب أخي واندفعت مثل اللبوة إلى الخارج وهي تقول لي "إياك, أن تتحرك من مكانك", كان أخي ما زال يبكي دون أن يدري ماذا يجري, أما أنا فقد احتضنته مرتجفاً, وأنا أقول له: "لا تبك", خرجت أمي وهي تصرخ بصوتها المرتعش" مجرمون, خونة, منحطون, قبل سنة قتلتم زوجي, وتركتموني وحيدة: هل جاءني الدور الآن؟... ماذا تريدون منا أيها السفلة؟؟..‏

بهذه الكلمات كانت أمي تصرخ بأعلى صوتها كي تغطي على صوت بكاء أخي من ناحية ومن ناحية ثانية كي تعبر عن الحقد المدفون في أعماقها منذ سنوات..‏

بعد برهة رحت أسمع صرخات أمي (قد تكون هذه الصرخات من جراء ضرباتهم), كما فعلوا مع الشاب الفلسطيني, شعرت وكأن ربائط ركبتي قد انحلت, لا أستطيع التفوه ولا حتى النهوض من مكاني, زحفت كي أستطلع ما الأمر, ورحت أسترق النظر من زاوية النافذة...‏

لم ينه الطفل الفلسطيني حديثه إلا أنه تجمد. عيناه كانتا تفصحان عن حقد وألم.‏

سأله أحد المتحلقين حوله عما جرى لأمه, حدق الطفل بعيداً وكأنه يركز نظراته في زاوية محددة ـ السفلة كانوا يغتصبون أمي أمام عينيّ.. كنت محبطاً لا أدري ماذا أفعل, كل ما استطعت فعله أن أدعو عليهم.‏

بعد مرور حوالي خمس دقائق بدؤوا بضربها ثانية.‏

مسكينة أمي, كانت تتلوى من الألم, أما الجنود فكانوا يقهقهون وهم يدوسونها بأحذيتهم.‏

كانوا على أهبة مغادرة المكان تاركين جسد أمي يتلوى من الألم عندما أمطروها بوابل من الرصاص, لم أستطع الاحتمال أكثر, لكن, لسبب ما, لم أستطع التحرك من مكاني.‏

بعد ذلك غادروا المكان, عندما لم يجدوا أي رد فعل ظناً منهم أن البيت خالٍ ولا أحد هنا, كنت أسمع قهقهاتهم العالية عندما وصلوا إلى رأس الشارع, بينما أمي ممدة على الأرض وهي تسبح بدمائها.‏

كان الطفل الفلسطيني يتحدث وعيناه مغرورقتان بالدموع, استجمع قواه وبنبرة قوية قال:‏

ـ مسكينة أمي, ألقت بنفسها خارجاً وكان هدفها إبعادهم عن البيت وإخفاءنا عن أعينهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244