جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

النقد في الجامعة ـــ نبيل سليمان

إذا كانت الجامعات في الغرب الأوربي قد لعبت في ستينيات القرن العشرين دوراً حاسماً في تطور النقد الأدبي, فإنّ ذلك لا يزال يبدو لدينا وعداً. إلا أن صفحة جديدة للنقد الأدبي تنفتح في (حرمنا) الجامعي منذ حين, ومن ملامحها ومما يتصل بها أشير إلى:‏

1 ـ المعوقات الجمة والمتراكبة, وأقلها أن الناقد (الأستاذ) أو مشروع الناقد (الطالب) لا زالا يلهثان خلف مرجع أو مصدر قد يكون صدر منذ عشرين سنة, فيما مضى الأمر بصنوهما في بقاع الأرض من البطاقات الميكروية إلى بنوك المعلومات. ومن طرائف هذه المعوقات مصادرة المبادرات التي يقوم بها بعض الأساتذة ليصلوا بين الكتاب والطالب في الجامعة وبين الحياة الأدبية والثقافية (نصّاً وكاتباً وقضية), لكأن البيروقراطية وسواها من (الحسابات) غير العلمية تحيي بطريفها ذلك التليد الذي حاول أن يخرس طه حسين ـ على سبيل المثال ـ يوماً. لكن ذلك ولّى وبقي طه حسين, كما سيولي هذا الطريف لتبقى تلك المبادرات ـ الالتماعات تؤكد وتثري الصفحة الجديدة التي انفتحت للنقد الأدبي في (حرمنا) الجامعي.‏

ومن المعوقات أيضاً الضغوط المعيشية التي تُفاقِمُ أذى سواها من الضغوط, فينوء بها الناقد ومشروع الناقد كمواطن وكأستاذ وكطالب, وتتفشّى بالتالي ظاهرة انكفاء الكثيرين من المبعوثين العائدين وأقرانهم ممن تؤهلهم جامعاتنا نحو حالة المدرس الذي يجتر أطروحته وأطروحة أستاذه في مدرسية تجاوزها الزمن, فكم يفقدنا ذلك من نقاد ونقد؟‏

2 ـ لكن صفحة جديدة انفتحت وتنفتح, وتتلامع فيها جهود ثمينة في التأليف والترجمة, وفي تأسيس الأجيال التالية من نقاد المستقبل. ويعظم هنا نصيب الاشتغال في التراث, وفي الشعري منه بخاصة, على المستوى التطبيقي.‏

ولئن كان على المرء ألا يبالغ, وأن يلحظ تواضع شطر كبير ـ وربما الشطر الأكبر ـ مما أنجز, فإنني أحسب أن علينا أن نحتفل بمن باتوا يشكلون رصيداً مهماً, ليس فقط بعددهم الكبير أو بعدد مساهماتهم, بل بتنوع هذه المساهمات, وما يتحقق فيها من استواء منهجي ونظري, ومن تواصل مع الحياة الإبداعية والثقافية, كذلك بما يتأسس هنا للمستقبل فيما يشرف عليه بعض الأساتذة من أطروحات بعض الطلبة. وقد ينغّص على هذه الفسحة من التفاؤل تواضعُ مساهمة هذا الأستاذ أو أطروحةُ ذلك الطالب فليكن الاحتفال إذن بنقد هذا النقد, وإنني لأحسب أن ذلك بات بالغ الضرورة من أجل المستقبل الذي ستندر فيه حصة الناقد الذي لم يعبر في معبر الجامعة.‏

وتجدر الإشارة هنا إلى تفشي الأطروحات الجامعية في الجامعات الغربية حول أدب الأحياء من المسنين وممن يَلَوْنَهم, وذلك لفرط ما تداولت الأطروحات السابقة, طوال عقود, أدب الأموات, من العظيم منهم إلى العادي, حتى بات بعضهم يُنذر ـ مازحاً أو جاداً ـ بأنه لن يبقى عما قريب عدد كاف من الكتّاب لتغذية النقد!.‏

مقابل ذلك يأتي عندنا الالتفات إلى أدب الأحياء متلجلجاً وعلى استحياء, شأنه شأن الكتب المدرسية.‏

فلماذا يجد واحدنا طلاباً في الجزائر أو تونس أو المغرب أو باريس يقضون السنوات في درس عمل له أو أكثر, وتحت إشراف كبار الأساتذة الجامعيين ممن هم في الآن نفسه من كبار النقاد, بينما لا زال ذلك يُعتبر هنا استثناء أو منّة أو...؟‏

3 ـ لقد خرجت أغلب وأبرز المناهج النقدية الحداثية الغربية التي أطاشت بلبّ الكثير من مبدعينا ونقادنا, من المؤسسة الجامعية. هل أذكر برولان بارت وجوليا كريستيفا وجيرار جينيت وجاك دريدا ونورثروب فراي وتيري إيجلتون وادوارد سعيد وسواهم وسواهم؟‏

ترى متى سيكون لنا أقل القليل من ذلك؟ وما الذي ينبغي فعله كي يكون اتجاهنا صحيحاً وسيرنا حثيثاً نحو الإجابة الناجعة على مثل هذا السؤال؟‏

4 ـ ومما يتصل بالفقرات السابقة أخيراً ما يترجّع في جامعاتنا من السلبية التي قامت في الغرب بين النقد والجامعة, بسبب تحول أغلب النقد إلى ممارسة اختصاصية داخل السور الجامعي المتعالي والعازل عما هو في الخارج من حياة.‏

هل هذا الترجيع قدر مقدور بدعوى التخصص واللغة والاصطلاح والجهاز المفاهيمي؟ هل هو تعبير آخر عن أزمة الحداثة؟ هل هو تلك الحلقة المفقودة التي لابد من معالجتها كيلا يكون النقد الأدبي رطانة ونخبوية صماء, وكيلا يفقد دوره الاجتماعي والتنويري وفعاليته الإبداعية والثقافية؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244