|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الـنوفيلا وشرعة الإبداع "زوينة" لمحمد جبريل /نموذجا/ ـــ د.فاروق إبراهيم مغربي إذا كانت كلمة "نوفيلا" في التوراة تعني المرأة المتعفّنة، فإنها في الأدب تحمل معنى مغايرا تماما... إنها الرواية متوسطة الطول؛ أو بمعنى آخر: أطول من قصة، وأقصر من رواية، أو هي بلغة محترفي الكتابة قصة يتراوح طولها بين 15000 ـ 50000 كلمة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل الحجم وحده هو العامل الحاسم في تحديد ماهيتها؟ بالطبع ليست مسألة الحجم عاملا في تحديد ماهية الرواية متوسطة الطول هذه ؛ لأن هذا النوع من القصة الروائية ـ إن جازت لنا التسمية ـ يتنكر بأقنعة عديدة؛ فهي من حيث انتماؤها إلى عالم القصة تعتمد على مشهد محوري، ولكن هذا المشهد ينبني على تفصيلات متعددة كاشفة كتلك التي تضمّها الرواية. إن جوهر القصة الروائية أن فيها وحدة عالية التركيز ما بين الهدف الذي يرمي إليه الفنان، والتصميم الذي يسير بوساطته نحوه، لأن التقنيّات المستعملة جميعها (الشخصية، الحدث، الموضوع، اللغة...) تركّز على مسألة واحدة. ولئن كان تشكيل القصة الروائية مشابها لتشكيل القصة، فإن ثمّة اختلافا يكمن في انعكاس يجري على خط الحدث في الأولى؛ قد يكون صدمة، لقاء غير منتظر، قرارا، ... إلخ. كثير من الروائيين بدؤوا حياتهم بكتابة هذا النوع، ولكنهم ما لبثوا أن عادوا أدراجهم إلى القصة، أو توجّهوا إلى الرواية الطويلة؛ ذلك أن المحافظة على وتيرة فنية عالية في هذا الشكل الفني أمر في غاية الصعوبة لأنه يحتاج إلى تكثيف الشاعر ورؤياه، وموسوعية الروائي وتنظيمه وحنكته، وامتلاكه الفكر الموسوعي القادر على السرد والتذكّر والإحاطة، وبعد النظر؛ وبراعة القصاص القادر على التقاط أكثر الجزئيات دقة. إننا لا ننسى عندما نتذكر هذا النوع من الكتابة، نوفيلا (موت في فينيسيا) لتوماس مان، و (المسخ) لفرانز كافكا، كذلك لا ننسى بعض نوفيلات بهاء طاهر: (أنا الملك جئت، محاورة الجبل، بالأمس حلمت بك)، ولكن كل هذه الأسماء تتضاءل ـ كمّا على الأقل ـ إذا ما ذكر عملاق النوفيلا في الوطن العربي، الروائي "محمد جبريل"، صحيح أن هذا الأديب قدم مجموعات قصصية قصيرة مثل: "هل، سوق العبيد، انفراجة الباب، موت قارع الأجراس".. وقدم أيضا أعمالا روائية كبيرة مثل: "زهرة الصباح، والنظر إلى أسفل، وقلعة الجبل، واعترافات سيد القرية، ورباعية بحري"... ولكنه اختص، فيما نرى، بهذا الشكل الذي رافق أكثر نتاجاته، إذ قدّم للقارئ العربي "الصهبة، وقاضي البحار ينزل البحر، والأسوار، والخليج، وحكايات الفصول الأربعة، وصيد العصاري، وزوينة".. وغيرها كثير. وزوينة ستكون محور هذه القراءة لأنها تعكس صورة مثالية عن هذا الشكل الروائي، وتتألف هذه القصة الروائية (نشرت عن نادي القصة، القاهرة، 2004 م)، من مئة وخمس وأربعين صفحة قصّية، (بتشديد الصاد) وعلى الرغم من أن الإسكندرية هي المكان الأثير الذي تدور فيه، وحوله، وعنه، معظم أعمال الروائي، إلا أن أحداث "زوينة"، تجري في مسقط، إذ سافر الراوي، كما يسافر معظم من لا يستطيعون سدّ حاجاتهم المادية في بلادهم، وكعادة "النوفيلا" فإن القصة فيها تنطلق من موضوع واحد، وهو هنا موضوع الغربة عن الوطن، وهذه الغربة مزدوجة؛ فهي مكانية وروحية في آن، صحيح أنها لم تكن ناتجة عن حالة سياسية، بل إن الراوي إنسان صحفي ناجح ملتئم مع أهله، ولكنه، في الوقت نفسه، لا يستطيع تأمين منزل وتأسيسه بشكل يجعله قادرا على الارتباط بخطيبته، الجانب الآخر، الروحي أن علاقته بخطيبته كانت تقليدية، فهو لم يخطبها نتيجة لحالة حب واقتناع، ولذلك سهل عليه الابتعاد عنها في البداية، على الرغم من أنه طلبها إليه زوجة في أثناء وجوده في مسقط، ولكن هذا الطلب لم يتعدّ فيما نعتقد، الحاجة الجسدية التي يحتاجها أي رجل في بلد هو غريب فيه، وليس ثمّة من يؤنس وحدته القاسية، بل إن رفضها المجيء إليه، والانصياع الأعمى لما تقوله والدتها، يظهر سطحية هذه الفتاة، وهذه العلاقة برمّتها. إن خط الرواية يبدأ منذ أن تطأ قدما البطل أرض مسقط، وهنا بالذات يبدأ التغير الجذري، وتنقلب الغربة إلى اغتراب، وتتغير وتيرة اللغة، ويتداخل الوصف مع المونولوج الداخلي، مع الهذيان: مسقط حلم سخيف، سجن أسواره جبال صخرية، مصمتة، ليس ثمة ما تبدأ منه أو تنتهي إليه، تمتص أشعة الشمس، أشعة أنثوية خصبة، تعكسها على الحياة بكل صورها، فيرين همود هو أقرب إلى الموت، وتغيب الشمس فتنفث الجبال مخزونها الصهدي في تواصل قاس مؤلم."(الرواية ص 16). إن جوّ الاغتراب صوّر المكان كابوسا مؤلما هو إلى الموت أقرب، وصورة الموت أو السجن كانتا تهيمنان على فكر الراوي: "الشمس تنعكس حرارة قاسية على الأرض والجدران والأشياء الساكنة والمتحركة، وفي الرائحة الخانقة، المتصاعدة في الجو رائحة غريبة تذكّرك بالموت وتطل النافذة على الساحة الترابية والأسوار التي تحيط بها، كأنها سجن حقيقي، معزول عن العالم الخارجي. دنيا بعيدة، جزيرة معزولة، لا صلة لها بآفاق المياه المترامية من حولها."(الرواية ص 17). إن محمد جبريل هنا يرسم صورة فنية متميّزة لجغرافية السلطنة، وأجوائها، وآثارها. بدءا من الحرارة اللاذعة، والرطوبة الخانقة، والمراوح التي تزيد الطين بلّة، فلا تنفث إلا السمّ الحار،... إلى الجبال والطرق المتعرّجة، فالفولكلور المتشعب حيث يلتحم فيه الواقع بالأسطورة... مما يدفعه بشكل غير شعوري يميل إلى المقارنة بين هذا الجو وجو القاهرة الأثير لديه، فتنضغط نفسه، ويزداد ألمه.(انظر ص 17). هذا هو الخط العام لهذه النوفيلا، ولكن الطبيعة الفنية لها ستقضي بأن يطرأ طارئ ما ويغيّر في أحداث هذا العمل ولو إلى حين، فما هو هذا الطارئ، وإلى أي مدى سيقدر على تغيير مجرى الأحداث؟ يتجلّى هذا التغيير في منحى الرواية عندما تبرز "زوينة" الفتاة الزنجبارية، ذو الأصل العماني، والتي تعمل مضيفة أرضية ومن سماتها الشخصية أنها تميل إلى التحرر، وفي البداية لا تكتسب أية أهمية إلا كونها فتاة في مجتمع كامل الذكورة، لا وجود للمرأة فيه إلا وراء الجدران، ووراء الحجاب، ولكن الراوي يؤخذ بعفويتها التي تتعامل بها معه، وجرأتها وثقتها بنفسها، وهذا ما شجّعه، ربما، على الدنو منها ومحاولة تقبيلها، ولكن، وبعد أن صدّته بطريقة حاسمة، بدأت الأمور تتغير، وبدأ شعوره يتعاظم تجاهها، فغدت تهيمن على كيانه كلّه، تستلبه، وتصير الواحة الوحيدة التي لا يوجد غيرها بالنسبة إليه في مسقط: "لحظات الوحدة كثيرة ومتواصلة، لكنني لا أشعر بالعزلة، لا أشعر بالوحدة التي أحياها... هذه هي واحتي الظليلة. لا صلة لها بما أحياه في القاهرة أو مسقط. لا صلة لها بشخصيات أعرفها أو ألتقي بها. أنا لا أتصور الحياة بدونها." (الرواية ص 64) عندما يشعر المرء بمثل هذا الشعور تعمى عيناه، وينسد أفقه، ويصبح رهين هذه الحالة التي لا تنفك تأسره بكامل حواسه، وهذا ما يجعلنا الروائي نعيشه في هذا العمل، وعبر صفحات طويلة؛ فهو يصف حالة بطله بلغة شفيفة صادقة، حتى إن القارئ يحس أنّ هذه الـ "زوينة" صارت بديلا لوطنه: "هذه الفتاة استأثرت باهتمامي كله، أبعدتني عن الشوق إلى القاهرة، وتعب العمل في مسقط، شحبت ـ في وجودها ـ كل الملامح التي كنت أراها في الآفاق من حولي." (الرواية ص 76). هل يمكن أن توجد مثل هذه الفتاة؟ فتاة تصبح بديلا عن الأهل والوطن، إن الروائي أدخل على هذه الشخصية الروائية طبيعة السحر، وجعلها أسطورة من خلال تصرفاتها الطفولية التي صعقت الراوي: "... كنت أنفض رأسي، ربما تغيب صورتها، لكن الصورة تظل في موضعها من الذهن، ليست ثابتة، ليست مجرد وجه وعينين وأنف وشفتين، تتبدل في حركات وتصرفات وإيماءات، من لقاءاتنا في المكتب، في السيارة، في الشوارع، في الفنادق، تختلط الصور وتتشابك، فلا يبقى إلا صورة زوينة وحدها، واضحة الملامح والقسمات." (الرواية ص 102). هنا يشعرنا الروائي أننا أمام نوع من الوله مضى زمنه، انقرض تحت وطأة الحاجة المادية، والنفاق، والبؤس، والمصالح المادية التي تلغي كل روحاني، تدخل زوينة على شكل ملاك حارس، والروائي، في أثناء هذه العلاقة يدخل فصلا، على حد تعبير ماهر شفيق، مقدّم الرواية، من أقدر الفصول على تحريك القارئ وهو وصف زوينة للمحنة التي مرّ بها قومها منذ سنوات: حركات الزنوج والسواحليين التي كان همّها التخلّص من العنصر العربي بالقتل وإطلاق الرصاص وإضرام النار لإخلاء زنجبار من العنصر العربي وإحلال الجنس الإفريقي مكانه، وكيف قامت الوحدة بعد أربعة أشهر، بين تنجانيقا وزنجبار وصار اسمها فيما بعد تنزانيا. كان من الواجب لهذه العلاقة الوطيدة بين العاشقين أن تنتهي إما سلبا وإما إيجابا، والإيجاب يعني أن أحدهما سيستغني عن جذوره وتربته التي نبت فيها، أما الحل السلبي فيعني الفراق، وكان الخيار الثاني الذي ينطوي على عقلانية واضحة، ولا سيما أن بطلي القصة مثقفان، ناضجان تجاوزا مرحلة الرومانسية التي لا تلائم سنهما، ولا فكرهما: "أقلعت الطائرة... بدت مسقط في صعود الطائرة مناطق متناثرة بين الجبال والصحراء والبحر والزراعات القليلة... تضاءلت ـ بارتفاع الطائرة ـ وشحبت، ثم لم يعد إلا الفراغ المحيط وصوت المحركات." (الرواية ص 154) بهذه الكلمات ختم الراوي روايته، وبها قد أعلن دون مداورة أن مسقط لم تكن بالنسبة إليه أكثر من محطة لتحسين وضعه المادي، فهي مناطق متناثرة بين الجبال والصحراء، شاحبة، لا حياة فيها. إن مسقط هنا عادت ـ روائيا ـ إلى وضعها الطبيعي، لأن عنصر الخصب الوحيد فيها (زوينة)، صار خارج فضاء الروائي. إن محمد جبريل في هذا العمل صائغ بارع عرف كيف "يطوّع مفردات اللغة وتراكيبها للغوص في أعمق عذابات الروح ونشواتها وتقلّب أطوارها. إنه فنان حقيقي موهوب... أوتي من رهافة الحس وشمول النظرة الجامعة بين البانورامي والمنمنم وبراعة التقنية، ما يجعله صوتا من أقوى الأصوات وأصفاها في المشهد الروائي العربي اليوم". (الرواية ص 9 ، والكلام لمقدم الرواية د. ماهر شفيق، ولإدوار الخراط. إن مثل هذه القصص الروائية (النوفيلات)، في رأينا، مهمة للقارئ العربي، وذلك لأسباب عدة، أذكر منها: ـ انشغال الفرد العادي في هذا الوقت بلقمة عيشه، وعدم امتلاكه الوقت الكافي لقراءة المطوّلات، يجعل هذا الشكل الأدبي ملائما له. ـ هذه الروايات ذات منحى فكري غير متشعّب ويمكن للقارئ مهما كانت ثقافته أن يستوعبه. ويتفاعل معه. ـ اللغة في مثل هذه الأعمال عالية الشفافية، وهي قريبة من لغة الشعر لما فيها من التكثيف والتنوّع نتيجة لانكسار الحدث ومن ثم اتجاهه صوب الحل، وهذا يفيد في رفع المستوى الفني للقارئ، ويجعله مستعدا للتفاعل مع أعمال فنية أكثر صعوبة وتعقيدا، وهذه الغاية النبيلة قد لا تلمس نتائجها على المستوى القريب، أو المباشر، ولكن نتائجها البعيدة أكثر من ممتازة؛ فالنص الأدبي يمكن أن يصير منبعا للمتعة والفائدة، على حدّ تعبير "أرسطو"، وهي وظيفة، للأدب، قد لا يقرها كثيرون، ولكننا لا نرى بأسا من اجتماع هاتين الفضيلتين. إن الأديب الروائي والصحفي المصري محمد جبريل، هو أحد روّاد هذا الشكل الأدبي الروائي، وهو ممن ترك بصمة واضحة الأثر، ليس على صعيد مصر وحدها، وإنما على صعيد الوطن العربي كلّه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |