|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
همسات لغويّة من الحقيقة إلى المجاز (2) ـــ جرجس ناصيف تتدرّج ألفاظ اللّغة في تطوّرها من معنى إلى غيره, ولها في هذا مذاهب تعود كلّها إلى ما نسمّيه المجاز, ولنا على ذلك أمثلة: 1 ـ هذّبَ: جاء في لسان العرب لابن منظور: وأصل التهذيب تنقية الحَنْظَل من شحمه ومعالجة حبّه حتّى تذهب حرارته ويطيب لآكله, ومنه قول أوس:
(والشّرْي هو الحَنْظلُ أو ورقه), وأرى أن اللّفظَ هذا قد انتقل مع الأيَّام من معناه الخاصّ هذا إلى معنى عامّ يشمل تنقية كل شيء ممّا فيه من زوائد وشوائب, فقيل "هذّبَ الشجرةَ" أي قصّر أغصانها الزائدة, جاء في اللسان أيضاً "هَذَبَ الشّيءَ يَهذِبُه هَذْباً,و هذّبَهُ: نقّاه". ثم ما لبث أن ارتقى اللّفظ هذا من هذا المعنى المحسوس إلى معنىً معلوم لا تدركه الحواسّ, قال ابن منظور "والمهذَّب من الرَّجال: المخلَّص النّقيّ من العيوب, ورجل مهذَّب أي مطهّر الأخلاق". وجاء في المعجم الوسيط "هذّبَ الصّبيَّ: ربّاه تربية صالحةً خالية من الشّوائب", قال محمّد مهدي الجواهريّ:
2 ـ راع: يقال "راعَهُ الأمرُ أو أراعه أو روّعه" أي أفزعه, والرَّوع هو الخوف, قال تعالى: )فلمّا ذهبَ عن إبراهيمَ الرَّوعُ( ولما كانت الحرب شيئاً صريحاً سُمّيت "الرَّوع", فيقال مثل "شهد فلانٌ الرَّوعَ". ولمّا كان المُبالَغُ في جماله يعجب رائيه حتّى درجة أن يأخذ من نفسه ما يأخذه الفزع منها سمّي المُعجِبُ رائعاً, ويجمع على "رُوَّع", قال عمر بن أبي ربيعة:
ولمّا كان القلب مكان الرَّوع أي الفزع أطلق عليه لفظ الرُّوع من باب إطلاق اسم الشيء على مكانه لما بينهما من ملازمة, فقيل "الرَّوع في الرُّوع كالفرخ في البيضة", قال ذو الرّمّة: جذْلان قد أفرخَتْ عن رُوعه الكُرَبُ 3 ـ النَّدْب: يُقال "ندِبَ فلانٌ" أي ظَهَرَت فيه نُدوب, والنُّدوب آثار الجروح, و"النّدَب" اسم جنس واحدته نَدَبة, قال الفرزدق:
وقد انتقل اللّفظ من المادّي إلى المعنويّ فقيل "ندَبتِ النادبة الميت نَدْباً" أي بكته وعدّدت محاسنه لما بين المعنيين من عامل مشترك هو الحرقة واللّذع اللّذان يتركهما كلّ من الجَرح والموت في النّفوس, قال الإمام عليّ في إحدى خطبه "ويل لسكككم العامرة... من أولئك الّذين لا يُنْدَبُ قتيلُهم". | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||