جريدة الاسبوع الادبي العدد 1009 تاريخ 3/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قُلها, ولا تخف ـــ عبد القادر الحصني

على مدى ثلاثة العقود الأخيرة من حياتنا على الأقل, شاع اعتبار مفاده أنْ من غير اللائق أن تشير إلى سلبيّة أو سلبيات في عمل ما ما لم تشفع ذكر هذه السلبية أو تلكم السلبيات بذكر ما في العمل من إيجابية أو إيجابيات أيضاً, سواءً كان المنقود عملاً أدبياً أو اجتماعياً أو سياسيا أو اقتصادياً... الخ.‏

وأذكر أن حجج الذين (فنّوا) هذا الاعتبار كانت تنطلق من الآتي:‏

* ما من عمل إلاّ وفيه وله إيجابيّات وسلبيّات, فلماذا نركّز على النصف الفارغ من الكأس؟‏

* النقد يسعى إلى الارتقاء بالمنقود, وإبراز السلبيات وحدها يتنافى مع ذلك, ويضع الناقد في خانة الحاقد والمهدّم... بل يضعه في خانة الشبهة بالعمالة والمأجورية والعداء إذا كان المنقود عملاً سياسياً ما.‏

* في التركيز على السلبيات جلد للذات, وهذا مرض يعوّق مسيرة التقدم.‏

* نقد السلبيات فقط ليس نقداً قاصراً فحسب, بل هو نقد يضع المنقود في جانب والناقد في جانب آخر مواجِه, في الوقت الذي تقتضي فيه مسيرة البناء والتحرير أن يكون الناقد والمنقود من جهة واحدة.‏

مثل هذه الحجج بما فيها من شيء من الحقّ, والمعزّزة بسلطة المنقود ومحاسبته القاسية جداً للناقد في الشؤون السياسية خاصة مهّدت لانتفاء المواجهة الحقيقية بين الطرفين, وأشاعت ذلك الاعتبار الذي يملي استعراض الإيجابيات مع السلبيات مع تقديم للإيجابيات لينفي الناقد عن نفسه الكثير من التهم التي تنطوي عليها تلكم الحجج, وكأنّ الناقد متّهم (أصلاً), وقبل أن يباشر نقده عليه تقديم شاهد على حسن نيّته, يتمثّل بعرض الإيجابيات, يتاح له بعد ذلك أن يكون أمام نفسه وأمام المنقود عادلاً وبريئاً ومؤهَّلاً لأن يشير إلى ما يريد أن يشير إليه من سلبيات... وأمثّل على ذلك بمثال من دائرة نقد الشعر:‏

يقرأ أحدهم نصّاً متهافتاً عارياً من الشعريّة, ضارباً عُرض الحائط بمقوّمات العمل الشعريّ, ومفصحاً عن عجز واضح في امتلاك أدوات بنائه, فتباشره بالنقد على النحو الآتي:‏

ـ الأفكار الواردة في هذا النص جيّدة, وملتزمة.‏

ـ المعاني واضحة ومعبّرة عن الأفكار.‏

ـ في النص عاطفة صادقة والشاعر مؤمن بما يقوله.‏

ـ اللغة لابأس بها, ولكنّها متعثّرة في كثير من المواضع وهي قابلة للتصحيح.‏

ـ الوزن مضطرب, ولابدّ من تدارك ذلك الاضطراب.‏

ـ أين الخيال في النصّ؟‏

وما هي الرؤية الشعرية التي يحملها؟‏

مثل هذا الكلام هو الهُراء بعينه, والمراوغة في أبشع صورها, والمجاملة الجبانة التي تعرف أن كلَّ هذا الكلام قيل لتجنّب قولة حقّ مفادها أن هذا النصّ ليس شعراً..‏

في عودة إلى ذلك الاعتبار الذي شاع في مجالات الحياة كافّةٌ, أقول: إنّ هذا الاعتبار وحججه الداعمة يقع وتقع في إطار الحقّ الذي يُراد به الباطل. وإن الواقع الذي أفرزه إنما هو واقع مبتلى بالزيف, ويريد أن يلغي من الحياة مقوماً من مقومات وجودها وصحّتها وسلامتها, وأعني بهذا المقوّم المعارضة... المعارضة التي تفترض بالناقد أن يكون مواجهاً حقيقياً, يذود عن فكرته, ويقول قولته الصريحة الصادمة, ففي المعارضة مواجهة حتى الخصومة. وما لم يكن ذلك فإن الحقائق كلّها تصبح عرضة للالتواء, فيصير شعار: "الناس سواسية كأسنان المشط" إلى صيغة أخرى هي: "الناس سواسية كأسنان المشط ولكنّ بعضها أكثر استواءً من بعضها الآخر" على حدّ تعبير جورج أورويل في (مزرعة الحيوان), وتصير الفيلة قادرة على التحليق ولكن ليس إلى ارتفاع عالٍ.‏

وللقائلين بأن العدوّ قد يستفيد مما تفعله المعارضة في واقع ما, أقول: قد, ولكن ليس أكثر مما يجنيه الواقع على ذاته من هذه الجناية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244