|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
التغريبية والعصرية والعصروية ـــ د.عزت السيد أحمد رُبَّما لا تكون أمتنا وحدها التي تعاني من فوضى الاصطلاحات وأزمة ضبطها, ولكن لاشكَّ في أنَّ أمتنا هي التي تقف في طليعة الأمم التي تعاني من هذه الفوضى في هذه الأيَّام, إذ رُبَّما لا يمر اصطلاح متداول إلا وفيه تناقضات أو غموض أو تشتت أو خلط أَو كل ذلك معاً. ومن هذه المفاهيم المختلطة مع بعضها في أذهان الكثيرين وفي كثيرٍ من الكتابات العربيَّة التغريب والتغريبية والعصرية والعصروية والتأثر والتأثير. كثيرون يخلطون لسببٍ أَو لآخر بَيْنَ التغريب والعصريَّة والتغريبيَّة والعصرويَّة, ويتعاملون معها على أنَّها متساوية الدَّلالة تحلُّ محلَّ بعضها. وهذا محض خطأ لا أساس له من الصِّحَّة, لأنَّ الفرق بينهما كبير وإن تقاطعا مثنى مثنى في كثيرٍ من النُّقاط. العصريَّة والعصروية والمعاصرة ذات جذر لغويٍّ واحدٍ, فهي إذن ذات اتجاه دلالي واحدٍ يدور حول الانتماء إلى العصر عامَّةً. وتفترق عن بعضها بانتماءاتها الاشتقاقيَّة. العصريَّة والمعاصرة هي الانتماء إلى العصر وحسب من دون ملحقات أَو تبعات, فما كان عصريّاً فهو منتمٍ إلى العصر الذي يتمُّ الحديث فيه, بغضِّ النظر عن طبيعته وأصله ومنبته وعمره الزمني ومدى حداثته أَو إيغاله في التاريخ, فقد نتحدث عن سلوك أَو فكرة أو نظرية على أنَّها عصريَّة على الرَّغْمِ من أَنَّها قديمة قليلاً أو جدّاً. وينطبق الأمر هنا أكثر ما ينطبق على كثير من القيم والعادات الاجتماعية والأخلاقيَّة والجماليّة... ولعل أبرز مثال على ذلك هو بيت الشعر الذي ما زلنا نكرره منذ مئات السنين على أنَّهُ كأَنَّه قيل لزماننا وهو: نَعِيْبُ زَمانَنَا والعَيْبُ فِيْنا * * * وَمَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوانا أما العصروية فهي قديمة الاشتقاق في المبدأ حيث النشأة بالذات. فالواو واو التمذهب تفيد التعصب أو التطرف في الأمر الذي أضيفت له هذه الواو. وهي اصطلاح يعني الانتماء للعصر مع قطع الصلة مع الماضي, ورُبَّما يصح إضافة قطع الصلة مع التراث كله بوصفه ماضياً. أمَّا التغريب أَو التغريبيَّة فهي المناداة بتغريب العالم العربي كلاً أَو أجزاءً بإحلال منظومة التفكير والقيم الغربيَّة كلاًّ أو أبعاضاً محلَّ منظومة التفكير والقيم العربيَّة كلاًّ أو أبعاضاً. أو هي من زاوية أخرى جعل الواقع؛ الواقع العربي مثلاً, غريباً عن فكره وقيمه وعاداته. ومن زاوية ثالثة هي إدخال أفكار وقيم وعادات غريبة على المجتمع أَو الأمَّة. فإذا أردنا أن نفهم الأمر في سياق الثنائيات, من باب أنَّهُ بضدها تتميز الأشياء, فإنَّ ما يقابل العصرويَّة التي هي قطع الصلة مع الماضي أو التراث هو العودة إلى التراث أو الماضي, ويمكن القول حسبما يريد بعضهم, وإن تحفظّنا على ذلك, إنَّ ما يقابل العصرويَّة هو السلفيَّة. أمَّا التغريبيَّة بوصفها استبدال فكر وقيم وعادات بمستوى من المستويات فإنَّها مسعى لقطع الصلة مع الهويَّة بل لتغيير الهويَّة أو معالم الهويّة, وهي بذلك تكون مقابلة للهويَّة أو بالمعنى الأصح للعروبيَّة. هذا التمييز يفيدنا في التمييز بَيْنَ المتورطين في التغريب بحسن نيَّة وبَيْنَ الْمُصِرِّين على التغريب لغاية في نفسهم معلنةٍ أو غير معلنةٍ, فالتَّشابه الظاهري بَيْنَ المفهومين والتقاطعات القائمة في الممارستين أدَّت اللبس في السُّلوك على بعضهم فخلط بَيْنَ التغريب والمعاصرة ووجد المعاصرة في التغريب, فلم ينتبه أَو يدرك أنَّهُ من أجل العصرنة يقوم بعمليَّة تغريبيَّة. خلاف حال المفكرين التغريبيين الذين كانت نواياهم مرتبطة بإدخال المجتمع العربي في العصر الحديث بقصد التغريب لا بقصد التطوير والتحديث. التغريبيون لم يتراجعوا عن مشاريعهم لأنهم في أغلب الظّن يعرفون أين يتحركون وماذا يفعلون. أما دعاة المعاصرة والعصرنة الذين التبس الأمر عليهم أو أدركوا الاختلاطات والمخاطر المنداحة من دوائر تحركهم فقد تراجعوا عن أفكارهم, ومنهم من اعتذر عن ماضيه, ومنهم منصور فهمي ومحمد حسين هيكل وخالد محمد خالد وجمال الغيطاني وغيرهم غير قليل. لقد صحا هؤلاء المتراجعون فجأة في دوَّامة المتناقضات وما يسمى اليوم ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين, فالشعارات الغربيَّة التي ينادي بها الغرب للشرق, ويمول الداعين لها من مؤسسات وأفراد, ويقف وراءهم ويشد أزرهم... ليست إلا أوهام وتناقضات فالحريَّة والعدالة والمساواة والديمقراطيَّة وإرادة الشعوب والأمم واستقلالها... كلها شعارات وحسب يريدها أو يقبلها الغرب لمجتمعاته ويرفضها ويحول دون تطبيقها في العالم العربي... لقد ثبت بالتجربة أنَّ العقل الغربي لا يمكن أن يستوعب أن يتقدَّم الشرق أَو يتطور أو ينال استقلاله وحريته وسيادته.. هذا الاستنتاج كان في النصف الأوَّل من القرن العشرين, واليوم يزداد الطين بلة بسلوكات غربيَّة صارخة يكفينا أن نذكر آخرها الذي نخن في وطيسه اليوم وهو المناداة بالديمقراطية والضغط على الحكام العرب بشدة من أجل تطبيقها, وفي أوَّل تجربة ديمقراطيَّة في العالم العربي نجحت حماس في فلسطين وتحت الاحتلال فرفض الغرب نتائج هذه الديمقراطيَّة, ولم يكتف برفضها بل حاصرها الغرب كله حصاراً خانقاً, فمنع عنها المساعدات وصودرت أموال السلطة الفلسطينية, وأغلقت حدودها ومنعت الدول من التبرع لها, ومنعت الدول من استقبال أعضاء هذه الحكومة.... المفكرون التغريبيون الذين اكتشفوا هذه الحقائق, ولا تحتاج إلى جهدٍ أو نظرٍ ثاقبٍ لاكتشافها, على الأقل اليوم, كبحوا جماح اندفاعهم وتراجعوا عن أفكارهم, ومن أبرز هؤلاء المتراجعين منصور فهمي الذي يعدُّ أحد أبرز مؤسس الاتجاه التغريبي في مصر, فهو يعلن تراجعه عن تغريبيَّته ويهاجم التغريبيين, فيقول: "ليست بيئتي التي أعيش بها ولها وفيها هي بيئة الغرب. فهذه سماؤها غير سماء الغرب وهذه تربتها غير تربته وهذه موقعها في ملكوت الله غير موقعه. وهذه لغتنا غير لغته, وهذا ما ورثناه من عادات ومحن وظروف وصروف غير ما ورث الغرب. أفتكون مكنوناتنا غير مكنوناته, ومميزاتنا غير مميزاته وظروفنا وصروفنا غير ظروفه وصروفه. ثم يراد بنا أن نكون كالغربيين, ويحاول داعية (يقصد طه حسين) صريحٌ أن يقنعنا بأن نتخذ من الغرب إماماً نأتم به في كليات ما يسير عليه الغرب وفي جزئياته؟... إنها لكبيرة أن ننتهج في كل شيء سبيل الغربيين". أمَّا رائد الرِّواية العربيَّة, فيما توافق عليه الكثيرون, محمد حسين هيكل فقد سبق منصور فهمي ببضع سنوات بتراجعه إذ كتب في مقدمة كتابه "في منزل الوحي" الذي صدر عام 1936م قائلاً: "لقد حاولت أن أنقل لأبناء لغتي ثقافة الغرب المعنوية وحياته الرُّوحية لنتخذها جميعاً هدى ونبراساً. لكنني أدركت بعد لأيٍ أنَّني أضع البذر في غير منبته. فإذا الأرض تهضمه ثُمَّ لا تتمخض عنه ولا تبعث الحياة فيه. وانقلبت الشمس في تاريخنا البعيد في عهد الفراعين موئلاً لوحي هذا العصر فإذا الزمن وإذا الرُّكود العقلي قد قطعا ما بيننا وبَيْنَ ذلك العهد من سببٍ يصلح بذرا لنهضة جديدة. وروَّأت فرأيت أن تاريخنا الإسلامي هو وحده البذر الذي ينبت ويثمر, ففيه حياة تحرك النفوس, وتجعلها تهتز وتربو ولأبناء هذا الجيل في الشرق نفوس قوية خصبة تنمو فيها الفكرة الصالحة, لتؤتي ثمرها بعد حين". ويكشف لنا هيكل تقليداً كنَّا نَظُنُّه حديثاً وهو إغداق الألقاب والأوصاف الطَّنَّانة الرَّنَّانة على الماشين في ركاب المشروع الغربي أو الطّعانين في الهويَّة العربيَّة, ومقابل ذلك اتهام أيِّ متمسِّكٍ بالهويَّة العربيَّة أو مدافعٍ عنها بالتَّخلف والرَّجعيَّة والانغلاق. كلُّ ذلك كان منذ مطالع القرن العشرين, واليوم أضيفت إليه مجموعة من الأوصاف الخطيرة من قبيل التطرف والعنف والإرهاب. ما إن أعلن هيكل تراجعه عن اتجاهه التغريبي حَتَّى اتُّهم بالرجعيَّة بعدما كان تقدميّاً, فقال في ذلك: "أقف هنا لأدفع زعماً حَسِبَ الذين زعموه أَنَّهُ مَغْمَزٌ غمزوني به بعد تأليف كتابي حياة محمد. حَسِبَ هؤلاء أَنَّني انقلبت بكتابة السيرة رجعيّاً وكنت عندهم قبلها في طليعة المجددين. وكيف لا أنقلب عندهم رجعيَّاً وقد جعلت القرآن حجتي وما جاء فيه عن السيرة سندي, ولم أضعه كما يقولون موضع النقد العلمي؟!... وكيف لا أنقلب عندهم رجعيّاً وقد دفعت بالحجة ما طعن به على النبي العربي جماعة المستشرقين ومن تابعهم من شباب المسلمين!؟". هذان أنموذجان فقط من نماذج كثيرة تراجعت عن اتجاهها التغريبي عندما انكشفت أمامها الحقائق. ويبدو كما أشرنا أنَّ غالب هؤلاء كانوا ينطلقون في تغريبيتهم من نوايا حسنة مثلما أشار هيكل ذاته. وفي المقابل من ذلك الكثيرون الذين لم يتراجعوا لأنهم في الأصل غالباً لم ينطلقوا من نيَّة التطوير بقدر ما انطلقوا من نيَّة التغريب على أقل تقدير. ولكن اللبس لا يتوقف هنا فثَمَّةَ من يحاول الاستنتاج لغاية في نفسه أن أيَّ تأثر بالغرب هو ممارسة تغريبية أَو دعوة للتغريب, ولذلك لابُدَّ هنا من التمييز بينهما حَتَّى لا يكون هناك خلط بَيْنَ التغريب والتأثير فيظن أنَّ أيَّ تأثُّر بالغرب أَو تأثير غربيٍّ فينا هو تغريب. التّأثر بالغرب وتأثير الغرب فينا في ظل الراهنيَّة التاريخيَّة التي نعيشها ويعيشها الغرب؛ من تخلفنا وتطورهم, أمر طبيعي جدُّ طبيعي, بل غير الطّبيعي هو أن يكون غير ذلك. وهذه العلاقة من هذا الجانب بَيْنَ الشعوب هي السَّيرورة الطبيعيَّة للعلاقة بَيْنَ الأمم المتحضرة والأمم المتخلفة, فالأمم المتحضرة دائماً تؤثر في الأمم المتخلفة, والأمم المتخلفة دائماً تتأثر بالأمم المتطورة. ومن ثمَّ لا يجوز أن نسمي أَيَّ تأثيرٍ تغريباً بمعنى النزوع الإحلالي لغاية أَو سبب. التأثير الغربي فينا وتأثرنا بالغرب هو تغريب في أصل طبيعته, ولكنَّهُ ليس ممارسة تغريبيَّة. الفرق الفاصل الأوَّل بَيْنَ التَّغريب من جهة والتَّأثر والتَّأثير من جهة ثانية أنَّ التغريب فعل إراديٌّ يتسم بالوعي بينما التَّأثير والتَّأثر فعل لا إرادي أَو لا شعوري مبني على آليَّة التَّقليد؛ تقليد الضَّعيف للقوي, والمغلوب للغالب. والفرق الثَّاني أنَّ التَّأثر والتَّأثير أمرٌ معيبٌ بينما التغريب أمر مدانٌ. فإن دلَّ التأثر على الضعف والتقصير والعجز فإنَّ التَّغريب دالٌّ على الانسلاخ من الذات والاندماج في ذات أخرى. والفرق الثالث أنَّ التغريب غالباً ما يقابل بردود فعل طاردة رافضة تقود غالباً إلى سلوك معاكسٍ, بينما التأثر والتَّقليد يَسْرِي بهدوءِ وانسيابيَّة في الأفكار القيم والعادات, ويصبح جزءاً منها لفترة تطول أو تقصر, وتقوم البنية الاجتماعيَّة بقولبة هذه التأثيرات وتهذيبها بما يتناسب مع منظومتها عندما تتاح لها فرصة القيام بذلك إذا كانت ستهضم هذه التغيرات أو التَّأثيرات, وإلاَّ فإنَّها ستطردها أَو ترفضها عندما تحين الظروف المناسبة لذلك. ولذلك لا يجوز أن ندين التَّأثُّر بالغرب بحال من الأحوال, ولا أن نوجه أيَّ إصبع اتِّهام إلى التَّأثُّر, ولا يجوز استغراب أن نجد المتأثّرين ينتمون إلى مختلف الاتجاهات الفكريَّة حَتًّى ما يسمَّى السَّلفيَّة منها. وإذا نظرنا في الاتجاهات الفكريَّة العربيَّة منذ عصر النهضة إلى اليوم أمكننا القول إنَّهُ لم يخل مفكر من التَّأثُّر بالتيارات والاتِّجاهات الغربيَّة؛ الفلسفيَّة والفكرية والسياسية والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة... فهذه الاتجاهات هي الأدوات المعرفيَّة التي يتمُّ التفاهم بها, وتتم بها المقايسة والمقارنة والفهم والتفسير. حَتَّى الذين يزعمون أنهم يرفضون التأثر فهم يرفضونه ردَّة فعل أي تأثُّراً بمعنى أَو بآخر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |