|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الموت في شعر محمود البريكان ـــ د.لؤي شهاب العاني ـ بغداد (1) لم يحصل أن تواءَمَ شعرٌ مع صاحبه حدَّ التطابق كالذي نظفر بهِ من تواؤم بين محمود البريكان وشعره: فكل منهما: صامت, مُغترب, مُتفلسف, غرائبي فمحمود البريكان, مثل شعره, مثل صارخٌ للفرادةِ الحياتية والفنية معاً. وفي هذا البحث المتواضع نحاول أن نتلمس واقعة "الموت" عند محمود البريكان من خلال بعض النصوص الشعرية التي تُشكل عالماً خاصاً غامضاً ومركبّاً ليس أمام الباحث إلا أن يمتطي متن التأويل ليسبرغور هذه الذات المُبدعة, ويكتنه أسرارها. (2) ليس أقسى على الإنسان الذي يمتلك الحرية ويحن إلى الأبدية, وينزع نحو اللانهائية, من أن يشعر أن لحريته حدوداً, وأن الزمان ينشب أظفاره في عنقه, "وأن التناهي هو نسيج وجوده"(1). فالإنسان "يستطيع أن يدفع عن نفسه كل شيء إلا الزمان إن كان قد بقي بعده شيء غير الموت, فالزمان هو المرجع الأخير في تعريف جوهره لأنه المعضلة التي يتعاطاها في وجوده, والإنسان كائن يتلجلج بين الزمان والموت, وكل ما سوى ذلك يُقصيه عن حقيقته البشرية"(2). والحياة بما تنطوي عليه من بقاءٍ وزوال تشّده إلى نبذ السكون الذي يمثل هبوط الحياة وصخبها إلى الثبات الذي يذكرّهُ بالموت, فيغريه بالمضيّ في التغير والتقلب والحركة الدائمة, وفي الوقت نفسه تدفعه إلى اليقين بأن اتجاه الحياة هو إلى السكون الأبدي. إذ تبدو (الأنا) مُكبَّةً على فكرة الموت فيصبح الموت الذي ينفي الحياة ظاهراً, مؤكداً لها, ومحركاً لقوى الذات كي تنفي عنها هاجس السكون الأبدي, وبهذا فإنه لا مناص أمام غرائز الحياة إلاّ إحداث توترّات جديدة (3) بهدف تأخير ذلك الثبات المطلق. وما دام الموت يُذكي لدى الإنسان حنيناً إلى الخلود, وما دامت نظرته إلى الموت هي نظرته إلى الحياة, فإن وسيلة الإنسان لتأكيد وجوده وتخفيف حدّة إحساسه بالسكون الأبدي تتجه إلى ما يخفف من وطأة ذلك: مثل الحب, وممارسة الفن, وكتابة الشعر... (3) والموت عند محمود البريكان هاجسٌ حياتي مُتمكنٌ منه, مثلما هو هاجس شعري, بل إن كل ما نشره من نصوص لا تخرج عن فكرة الموت على سبيل التأويل السليم فكل نصوصه تنطق بالموت, وتتحدث عنه, وليس ذلك بغريب ما دام الموت والحياة وجهين لحالة واحدة. كل منهما يصدر عن صاحبه, وفيه يصب, فما الوجود سوى نهرٍ ضفتاه: الحياة والموت. يقول الشاعر(4): تحتضر الطيور في الأوكارْ تنطرح الوحوش في الكهوفْ تنكفئ الثعالبُ الشمطاءُ في الأوجارْ تنجذبُ الأفيالْ إلى مكان صامتٍ في آخر الغابةْ مزدحمٍ بالعاج والهياكلْ حيث تموتُ موتَها ووحده يموتُ في داخله الإنسانْ في العالم الباطنْ في مركز السريرة الساكنْ كل شيء في الوجود ميتٌ, السكون يملأ هذا الكون, والصمت يخيم على العالم على الرغم من حركة الأشياء والموجودات فيه: والبريكان في النص يضع الإنسان وحده في مواجهة الحيوانات جميعاً... إنها تموت كما كُتب لها أن تموت: ولكن الإنسان ينفرد فيها بالموتِ الباطني (في الداخل). لقد أغلق الشاعر منافذه على الحياة, فاعتزل, على أنّ عزلته ليست معتمة, لأن ضياءً خفياً يتسلل من خصاصها, ويترشحُ عَبْرَ هذه التجربةِ الغريبة, ومع ذلك فإن الشاعر ميتٌ قبل موتِهِ البيولوجي, فهو يؤمن بأن "الموضوع الكامن وراء موضوعات الشعر هو التوتر بين الحياة والموت.... بين التحقق والضياع"(5). لقد انفصل الشاعر كلياً عن الوجود في الوقت الذي اتحد فيه بهذا الوجود: وهنا سرّ شعريته الناضجة: السعي بصمت بين الحياة والموت, بين التحقق والضياع, بين التمدد والانكماش, وسعيه هذا الـ (بين بين) هو الذي يمنحُ شعره ـ ومن قبل منح حياته ـ هذه النكهة الغرائبية ذات اللذاذة المفرطة, والعطر الصارخ. يقول في قصيدة (المأخوذ)(6): مسحوراً بنداءٍ لا يفهمه منتزعاً من مملكة الأفراح الأرضية مغترباً حتى عن نفسه يخطر نحو الباب يترك خلفهْ امرأة مطفأة الوجه وطفلا يحلم في مرقده وكإنسان مسلوب الروح يخطو نحو الباب يترك كلباً لا يعرفه وخزانة كتبٍ لم تقرأْ وحسابات مصارف وكإنسانٍ آلي يخطو نحو الباب المفتوح فيحّدق في الظلمة وتحدق فيه ويصيخُ إلى همس لا يسمعهُ في الكون سواه وبلا رفّة جفنٍ يخطو... هذا هو وجود الشاعر مُبعثراً بين الحاجة المعنوية (سحر النداء الذي لا يفهمه, ارتفاعه فوق الأفراح الأرضية, اغترابه عن نفسه), والحاجة المادية (امرأة مطفاة الوجه, وطفل حالم), إنه إذ يُقبل على الحاجة المعنوية بدليل وقوعه في سحرها, فإنه يعزفُ عن الحاجة المادية فقد ترك زوجة وطفلاً, وعندما كان مسحوراً أصبح الآن مسلوب الروح. وانتقاليته من الحاجات المادية الأنُسية المتمثلة بالمرأة والطفل إلى الحاجات المادية الحيوانية والجمادية (الكلب وخزانة الكتب وحسابات المصارف) فإنه كما يشي النص يُساوي بين تلك وهذه لأنه ابتنى له عالماً خاصاً, ولأنّه أيضاً بات إنساناً آليّاً... أي بلا روح وفي هذا قمة المأساة البريكانية, لماذا؟ لأن الباب هنا غير الباب الذي نعرفه سواء كان موصداً أم كان مفتوحاً, إنه الباب الذي يُفضي به إلى الموت: ولنقل إنهُ باب القبر... فالشاعر بعثر وجوده أولاً: عازلاً حاجةً عن أخرى, وهاجساً عن آخر, وكأننا أمام مُحتضرٍ تُسَلُّ ملابسُهُ قطعةً قطعةْ, حتى إذا لفظ أنفاسه الأخيرة, جرّد منها جميعاً ليُغسَّلَ ويُكفَنَّ فيما بعد. وهاهو الشاعر: يحدّق في ظلمة القبر, ويستمع إلى وشوشةٍ تُبَثُ لوحدَهُ ثم أخيراً هاهو يُسْلمُ الروح. تُرى هَل يموت الشاعر ميتة الصوفية؟ ربّما, فالموت عندهم انتصارٌ "على الموت العضوي, وما البعث إلاّ مرحلة أخرى في هذا الموت"(7). تلك إطلالة سريعة على موضوعة الموت عند الشاعر محمود البريكان. وربما تُتاح الفرصة للباحث في أن يتوسع فيها ويتناول جوانب أخرى منها لم تسمح الظروف الراهنة في الكشف عنها. الهوامش... (1) مشكلة الإنسان, زكريا إبراهيم, مكتبة مصر (الفجالة ـ مصر), (د. ت), (د. م), ص71. (2) التركيب اللغوي للأدب, لطفي عبد البديع, مكتبة النهضة المصرية, ط1, 1971, ص39. (3) يُنظر: الأناوالهو, سيجموندفرويد, تر: محمد عثمان نجاتي, دار الشرق, بيروت, ط3, 1962, ص38. (4) مجلة الأقلام, بغداد, العدد 3 ـ 4, 1993, ص80. (5) من حوار مع الشاعر, مجلة المثقف العربي, بغداد, ع2, آذار, 1970. (6) مجلة الأقلام, بغداد, العدد 3 و4, 1993. (7) الموت في الشعر العربي السوري المعاصر, د. وليد مشوح, اتحاد الكُتاب العرب, دمشق, 1999, ص20. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |