|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
اللبوة ـــ صالح سميا كحمار يحمل أثقالاً كنت هذا الصباح يا مرزوق, كنت هذا الحمار الواقف على الباب يرفس برجليه دون جدوى. كثيرة هي المرات التي حذرتها من التباطؤ عندما تكون أمام الباب, وكثيرة هي المرات التي علا فيها صوتكما حتى وصل الجيران, كان قلبك يحترق غيظاً وأنت تصرخ, تضع أثقالك على الأرض, تبحث عن المفتاح, وعندما تدخل تجدها جالسة في مكانها المعتاد, رأسها محشور في الكتاب وعيناها تلتهمان حروفه, مشاعر مختلطة, بركان راح يمور في داخلك, فتتقدم نحوها, تكلّمها لا ترد, تصرخ: يا كلبة, يا بنت الكلب, اتركي هذا الكتاب من يدك وانظري إليّ عندما أكلمك, لكنّ صراخك وغضبك لم يغيّر من الأمر شيئاً لم يرهبها, ولم تترك الكتاب الذي تحتضنه, داست على هيبتك ووقارك يا مرزوق. نقترب منها, تلاطفها كمتسول يطلب إحساناً. ترفع رأسها إليك, تشاهد وجهها الصبوح من تحت شلال الشعر المنفلش, تتصّنع الدهشة في عينيها, تهمس بوقاحة: هل جئت يا مرزوق؟.. لم يتمالك مرزوق نفسه, راح يصرخ ويلعن ويسبّ والمرأة ساكنة لا تنطق بكلمة. حنقه يبلغ ذروته فتنتفض في داخله جميع الشياطين, يقسم أنه سوف... لكن القسم اختنق في صدره, وبقيت عيناه تتملى الوجه الذي لم تتغير ملامحه, بل أرخت رأسها وراحت تواصل القراءة. انتزع مرزوق نفسه من هول الصدمة, تقدم منها, تمنى لو يحرقها, يدمرها, يقتلها, لكن صمتها وهدوءها أشعراه بالإعياء ومنعاه من تنفيذ ما كان يريد أن يفعله. يا بنت ال... أكلمك فتديرين وجهك, أطلب منك ترك الكتاب فلا تردين وكأتي لست شيئاً في هذا البيت. رفعت رأسها, نظرت إليه بعينين شيطانيتين همست بشفتيها الرقيقتين. لا تصرخ في وجهي, كلمني بهدوء واحترام أرد عليك لم يتمالك الرجل نفسه, ضربها على وجهها ورأسها رفسها بقدميه وهو يصرخ هائجاً يسب ويلعن أجداد أجدادها, تكومت المرأة على الأرض دون حراك, لم تصدر عنها أنّة, لم تعبّر عن ألم اعتقد أنها ماتت, لكنه شاهدها بعد قليل تنهض واقفة. نظرها مثبت في وجهه. كان وجهها بلا ملامح, ازداد غيظاً وتوتراً همس لنفسه. إنها تريد تدميرك يا مرزوق, تريد أن تجلطك, هذه المرأة شيطانة, أي والله شيطانة لا تمت لبني البشر بشيء, قد تكون جنية أو عفريتة. جميع نسائي اللواتي مات منهن من مات وطلقت من طلقت لم تكن واحدة منهن على شاكلة هذه المرأة, كأن الله وضعها في طريقي لتحطيم أعصابي والقضاء عليّ. يذكر مرزوق يوم دخلته عليها, شاهدها تجلس متكورة على نفسها, كانت هائجة ومتنمرة وعندما اقترب منها صرخت وكأن أفعى لدغتها قالت: اسمع أيها العجوز, أنت في سن والدي وقد أرغمت على الزواج منك, أو بالأصح باعوني إليك فإياك أن تقترب مني. أفزعه صوتها, أربكه, ووجد نفسه يتهالك على المقعد, فهو لم يواجه بموقف كهذا الموقف من قبل, أحسّ بالخزي والعار. يقول مرزوق: إنه لأول مرة يشعر بالخوف لقد خاف من هذه الطفلة الصغيرة ولم يستطع فعل شيء لقد دفع ثمنها غالباً, وهاهي تصدّه وترمي بحممها في وجهه. مضى الشهر الأول والثاني والثالث ولم يستطع مرزوق الاقتراب منها, ففكر بطريقة مغايرة ليصل من خلالها إلى قلبها وجسدها قال لنفسه: عليك أن تغير من أسلوبك معها يا مرزوق امنحها مزيداً من الحرية, اسمح لها بقراءة الكتب وزيارة الأهل والصديقات, قدم لها الهدايا. ونجحت خطة مرزوق, فراحت المرأة تستكين وتستجيب, ويهدأ شيطانها. ذاق مرزوق بعدها ألواناً من المتعة والهناء لم يذق مثلها من قبل مع زوجاته السابقات. كانت تمرّ عليها لحظات من الحنان تروح تصبّه على مرزوق كالعطر يضمّخه, فينشي وهي ترقد وادعة مستكينة, تاركة للعجوز العبث بثدييها, تنكمش بين ذراعيه, وعندما يغفو ويتعالى شخيره في جنبات البيت, تلفّها قشعريرة, وتركض إلى المغسلة تتقيأ. لم تدم سعادة مرزوق طويلاً, فسرعان ما عاد شيطانها يتلبسها لتتحول إلى لبوة وتحوّل حياته إلى جحيم, تلّم عليه الجيران ويصبح البيت تنوراً ملتهباً, فيخرج محزوناً تعيساً, كارهاً لوجوده, ولاعناً الساعة التي تزوجها فيها. يقول مرزوق بحسرة: لقد فشلت في طرد الشيطان من داخلها وانهزمت نعم انهزمت أمام جمالها وفتنتها, وأصبحت ألعوبة بيدها تأمرني فأطيع, تحتقرني فأركض إلى السوق لأشتري لها هدية تأخذ الهدية بلا مبالاة, تطوقني بنظراتها المتحدية, هذه الدودة التي لم يتجاوز عمرها عمر ابنتي الصغرى. تريد تدميري, بت أشاهد نظرات الشفقة وربما الاحتقار في عيون الجيران والأصدقاء وتخلّى عني أولادي جميعاً, والذي يغيظني ويفجّر غضبي هو هذه اللامبالاة التي تبديها أمام كل محاولاتي لاسترضائها. قلت أهجرها حيناً من الزمن, بنت الكلب. كان هجراني لها سبباً في إسعادها, كانت تقوم بجميع واجبات البيت من غسيل وترتيب وتنظيف وطبخ, ثم تجلس بعيداً تقرأ أو تشاهد التلفاز, وعندما أعود ظهرا أجدها في نفس المكان كأنها لم تتحرك لكني أجد الطعام جاهزاً وموضوعاً على الطاولة. لقد احترت في أمرها, شهران لم أكلمها, كنت خلالهما ألوك مرارتي وقهري, واصطبر على الحرمان حتى ذوت صحتي, وأصابني الذبول ولم أعد قادراً على الاستمرار في الهجر والمقاطعة فذهبت إلى السوق, اشتريت لها هدية من الألماس وثياباً حريرية وعطورات وعدت. كان التوق لارتشاف رحيق شفتيها يحرقني ناديتها فلم ترد, ناديت ثانية وثالثة, صرخت, اقتربت منها ملاطفاً فابتعدت اقتربت أكثر, كان كل شيء في داخلي يغلي ويفور صرخت فيها, صفعتني وصفعتها أريد إطفاء الحريق, لم تبك, لم تتأوه أو تشتكِ. قلت في يأسٍ: ماذا تريدين يا امرأة؟.. رفعت وجهها الملتهب, نظرت إليّ بعينين حزينتين. قالت: طلقني أيها العجوز. أرجوك طلقني, وبقيت نظراتها منغرسة في وجهي كأنها تريد التمتع بإذلالي وانهزامي فلم أستطع الصمود لعينيها قلت في داخلي: إنه الحل الوحيد, وعندما رميت يمين الطلاق عليها, راحت الكلبة تتمرغ فيِّ, تلثم يديّ تغسلهما بدموعها, حاولت أن أتملّص من حرارة شفتيها التي كانت تصهرني, بينما كان الإحساس بالهزيمة يملأ كياني. خرج مرزوق من البيت, لم يقل شيئاً, نظر بعينين حزينتين, حاول أن يتخلص من ارتبكاكه وهزيمته, سكت برهة من الزمن, راح ينظر في عينيّ, يبحث عن محطة يستريح فيها شاهدت عينيه المغبرتين تحمرّان, وقسمات وجهه تتقلص بينما كان هدير البحر يزحف نحو المدينة منذراً بهبوب العاصمة. اصفرّ وجه مرزوق, وبانت الأخاديد التي حفرها الزمن, خيّل إليّ أن شيئاً من علامات الموت راحت ترتسم على وجهه, وتظهر في ارتعاشات الشفتين, حاول أن يتكلم لكنه لم يستطع, تركني ومضى مترنحاً في مشيته, بينما كانت يداه تلوّحان وكأنه يتحدث إلى نفسه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |