جريدة الاسبوع الادبي العدد 1010 تاريخ 10/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حانة البيرة السوداء ـــ رشاد أبو شاور

صعدنا في الحافلة التي ستوصلنا إلى ذلك الحي الذي تقع فيه (حانة) شهيرة في (براغ), يرى (خليل) أن زيارتي لها واحدة من الزيارات الهّامة, لأنها (معلم) من معالم العاصمة.‏

أخبرني بكلمات أرادها مؤثّرة:‏

ـ تصوّر! لقد زارها نابليون وشرب فيها تلك البيرة السوداء!.‏

هبطنا في مكان لا يبعد كثيراً عن موقع (الحانة). مضيت معه متأمّلاً الأبنية العريقة العتيقة, بينما هو يشرح لي تاريخ تلك الحانة:‏

ـ عمرها قرابة أربعمائة سنة, تصوّر! أربع.. مائة. سنة!‏

يا لطيف, كم من الناس زاروها, وشربوا بيرتها, وتبادلوا الأحاديث الوديّة, وبكوا على أكتاف بعضهم بعضاً, أو تبادلوا القبلات المحمومة؟‏

سألته مستفسراً لإبداء شيء من الاهتمام بحديثه, حتى لا يأخذ على خاطره منّي, خّاصة وهو يعنى بي منذ وفدت للعلاج الطبيعي في (تشيكوسلوفاكيا).‏

ـ ألا تقدّم تلك الحانة سوى البيرة السوداء؟‏

سرّ بسؤالي:‏

ـ نعم, بيرة سوداء فقط. أول حانة تقدّم بيرة سوداء في كّل أوربة. المصنع والحانة متداخلان, ولذا لا يقدّمون سوى البيرة, يعني ما فيش (مازة) كما هو الشأن في حانات بلادنا.... رددت بصوت خافت:‏

ـ بلادنا! بلادنا!... ليس فيك بيرة سوداء, ولا خضراء, ولا بنفسجيّة. ليس فيك سوى كأس المنون...‏

توقّف وأمسك بساعدي:‏

ـ لا تقلبها غمّاً. أنت جئت لتتعالج, وأنا هنا للدراسة وبعد بضعة أشهر أعود, قال أعود! أعود إلى أين؟ أقصد أرجع إلى بيروت, فأتوظّف في (المنظمة), أو أسعى لعمل في دولة خليجيّة, أو لعلّي أتمكن من الحصول على منحة لتكميل الدراسة لنيل الدكتوراة في بلد غربي. يا سلام لو تزبط معي لندن, أو باريس, أو مدريد, مدريد! آخ على راقصات الفلامنكو...‏

فقّش أصابعه, ودار حول نفسه, وجاح بصوت ملتاع دون اهتمام بالمارّة الذين تأمله بعضهم بشيء من الفضول والدهشة, وصوته يعلو مع ضربات عشوائية من كعبيه على بلاط الرصيف.‏

هولي هولي‏

ااااااااااا آخ‏

الآه هي عنوان علاقتنا بالحياة, نحن أمة الآخ, أي الآه, أي التوجّع...‏

ثمّ:‏

ـ ولك يا حسن: اضحك, قهقه, حكمة أمّي هي الصّح: يوم الصفا لا يتفوّت. عش يوم الصفا, كله أكلاً يا حسن يا أخوي....‏

احتضنني, ودفعني للمشي بسرعة, فجاريته صامتاً, فالأوجاع في ساقي إثر الإصابة لا تمكنني من المشي السريع. وصلنا!‏

صاح كأنما يكتشف المكان لأوّل مرّة, رغم أنه تردد عليه كثيراً, أحياناً مع (مارتا) صديقته (الأساسيّة) كما يصف علاقته بها, ومع غيرها عندما تسافر لزيارة أهلها في الريف.‏

دخلنا من بوّابة عريضة مفتوحة على صالة واسعة, فيها ألواح خشبيّة يجلس عليها الزبائن متلاصقين, وأمامهم ألواح خشبيّة غير مستوية السطح, و(نُدل) يحملون صوان عليها كؤوس كبيرة تفور فيها البيرة السوداء برغوة بيضاء عكرة.‏

أرحنا جسدينا صامتين, متأملين ما حولنا من روّاد.‏

لا شيء يثير, أو يشّد. رؤوس تتمايل, أفواه تتهامس, ضحكات مكتومة, أو تفرقع ثمّ تغيض بسرعة.‏

وضع النادل أمامنا كوبين.‏

حرّضني خليل على الشرب:‏

ـ جرّب يا حسن, جرّب, ما هي إلاّ بيرة سوداء...‏

ـ لون هذه البيرة مثل حظنا في الحياة, لون قاتم, والرائحة زفتيّة, فما الذي يجذبك؟‏

ـ المكان...‏

ـ المكان بائس يا خليل, لا ونس فيه, ولا حيوية.‏

ـ ولكنه قديم, ولقد زاره نابليون نفسه!‏

ـ أنا لست معجباً بنابليون هذا, وكونه زار المكان, فهذا لا يعني أنه جاء هذه البلاد سائحاً, تماماً كما فعل عندما (زار) بلادنا من قبل!‏

أخرج خليل من جيبه قطعة معدنيّة وأخذ يحفر اسمينا على الخشب, وسط دهشة شاب يجلس قبالته, أخذ يراقب ما يفعله.‏

سأله الشاب مستفسراً (خليل ترجم لي).‏

ـ هل تكتبون من اليمين إلى الشمال؟‏

ـ نعم, هكذا نكتب لغتنا.‏

قدّم له دفتراً وطلب منه أن يكتب له شيئاً, فأخذ خليل يكتب, بينما الآخر, وقد نبّه زملاءه إلى طرافة ما يحدث, انخرط في ضحك صاخب, يشاركه زملاؤه, مستطرفين أننا نكتب لغتنا من اليمين إلى الشمال.‏

لكزت خليلاً في خاصرته, وطلبت منه أن يعطي الدفتر للفتى التشيكي, وأن يطلب منه كتابة شيء بلغته, فأخذ يكتب من الشمال إلى اليمين, فنظرت إليه بدهشة مفتعلة, ووجهت له سؤالاً (ترجمه خليل):‏

ـ ولكن, لماذا لا تكتبون من اليمين إلى الشمال؟‏

ففنطل عينيه, وأجاب:‏

ـ نحن تشيك ألا تعرف هذا, وهذه لغتنا!‏

قلت له:‏

ـ أنا لست تشيكياً, تصوّر!‏

ضحك, كأنما اكتشف شيئاً عجيباً.‏

لم يعد لدينا ما نفعله, فالحديث عن الحانة ونابليون انتهى, والبيرة السوداء في كأسينا بقيت كما هي, ومن كانوا يجلسون بجوارنا انهمكوا في ترديد أغنية يبدو أنها شعبيّة, بصوت جماعي, وهم يتمايلون على بعضهم.‏

في الشارع سرنا صامتين, وللخروج من حالتنا همهم خليل:‏

ـ يوم الصفا ما بيتفوّت! فلنفكّر في مكان يمنحنا بعض الصفاء قبل أن تعود إلى المصحّة, وأعود أنا إلى الغرفة للدراسة.‏

ـ ما رأيك أن أتصّل بمارتا وأطلب منها أن تحضر واحدة من صاحباتها و....‏

ـ ولكنني بساق واحدة!‏

ـ وهل أنت ذاهب إلى ميدان المعركة يا حسن؟‏

ـ ولغتي تكتب من اليمين إلى اليسار...‏

اصطحبني خليل إلى موقف الحافلات التي توصل إلى المصّح, وهناك تصافحنا, واتفقنا على أن نلتقي الأسبوع القادم.‏

أرحت جسدي على المقعد في الحافلة التي انطلقت متهاديةً, ثمّ مسرعة, صاعدة طرقاً متعرّجةً على التلال, ممّا جعلني أدخل في حالة نعاس لذيذ وأنا أهمس: بيرة سوداء, نابليون, من الشمال إلي اليمين, شمال يمين, يمين شمال ـ تذكّرت بداية مرحلة التدريب في المعسكر, وكيفيّة السير المنضبط في الطابور ـ ومع اهتزازات الحافلة نمت, ولم أستيقظ سوى على صوت السائق الذي وجدته ينحني فوق رأسي, وهو يهمس لي بكلمات فهمت منها أننا وصلنا. وإذ تلفَّتُ حولي لم يكن أحد من المسافرين في الحافلة, فهبطت, وأخذتُ أتنفسُ رائحة المياه الكبريتيّة التي نتعالج بها. تحت الأشجار كان المرضى من العجائز يجلسون صامتين, وبعضهم يجلس وحيداً مغمض العينين.‏

سألتني الممرضة التي تُعنى بي عن رحلتي, وماذا شاهدت؟‏

فأجبتها بأنني التقيت بالسيّد نابليون في الحانة, فسألتني ببراءة:‏

ـ ومن هو السيّد نابليون هذا الذي قابلته؟‏

ـ إنه شخص يكتب من الشمال إلى اليمين, ومع ذلك فقد زار بلدكم بدون فيزا, أو دعوة, تصوّري!...‏

تأملتني قليلاً ثمّ هزّت رأسها, وهي تردد كلمات بلغتها التشيكيّة, ربّما كان معناها:‏

ـ يبدو أنك شربتَ كثيراً يا سيّد حسن (ميّزت اسمي في كلامها)...‏

ضحكت لأنني اكتشفت أن اللغة عندما تُحكى لا يمكن تبيّن إن كانت تكتب من اليمين إلى الشمال, أو من الشمال إلى اليمين, أو في خطوط عاموديّة كاللغة الصينيّة...‏

جسدها الرشيق يبتعد, جسدها الذي لا تكتب حركته بلغة محكيّة يتوارى, وأنا أتوجّه إلى سريري لأتمدد منتظراً صباح الغد الباكر لبدء مرحلة جديدة من العلاج, فساقي يجب أن تشفى: يمين شمال يمين...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244