|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مدينة بلا سماء في شعر "مروة حلاوة" ـــ عبد اللطيف الأرناؤوط تبرز الغنائية الفردية لدى الشاعرة "مروة حلاوة" في أجلى صورها, فنلاحظ أننا أمام بوح داخلي يتجلّى في قصائدها, إذ تعكس صوت امرأة في آمالها وآلامها وقلقها, على أن هذه الغنائية الفردية تتحول في ثنايا قصائدها إلى صوت النساء في المجتمع الشرقي حيث تمتزج الغنائية الفردية بلون من الواقعية الإنسانية, ويخيّل لنا أن صوت الشاعرة ينطق بلسان نساء المجتمع, فيختلط الخاص بالعام والذاتي بالموضوعي. يوحي عنوان ديوان الشاعرة "مروة حلاوة" (مدينة بلا سماء) بأكثر من دلالة, فهو شديد الإيحاء, وقد يعني أيضاً رفض الشاعرة قيم العصر حيث نضب الشعر, وسدت المادة كل منافذ الجمال. وصرفت الإنسان عن كل ما يجمّل الحياة1. فالشاعرة ترمز بالمدينة إلى الحضارة الراهنة, وتستنكر ما حملته هذه المدينة من قيم مادية صرفت الإنسان عن الطبيعة وبساطتها والحب وقيمه والجمال وتجلياته, مدينة أصبحت المرأة فيها سلعة والحب سوقاً للمزاد يُباع ويُشرى: ونلاحظ أن ضمير المتكلم يحتلّ مكانة متميزة لدى الشاعرة, فمن خلال بوحها الذاتي تعكس مواجع المرأة الشرقية, فكأنها تقدم نفسها نموذجاً لجنس مضطهد تريد أن تحرره من عبوديته: يا هذه الدنيا الشقية. إنني امرأة تُقيم طقوسها.. من دون شط أنا طفلة الأشياء أسراب الليالي السود تاريخ الأسى واليأس أحزان الغناء. في قصيدتها هذه تعدد الشاعرة عذابها بل عذاب المرأة الشرقية التي "أهملها الكل" وحجر عليها ضمن فانوس سحري يتوق المارد فيه إلى أن يهتك قيوده, فهي في كتبها وتحجيمها تريد أن تشق الظلام, وتبصر النور, وتمسح عن جفنيها دموع الذل والاضطهاد.. ففي قصيدة عنوانها: (حواء والحزن العتيق) تضرب على الوتر ذاته: سأنسج كل النخيل خباء يلفّ العشيرة كل مساء لتعرف هذي العشيرة إن النخيل يحب السماء وتدرك أن العنوان يتسع مدلوله ليغدو رفضاً للتراث الشرقي الذي حجر على المرأة وقيّدها, فأمست نجماً صغيراً يدور في فلك الرجل بعد أن احتجز الرجل السماء والفضاء له, ولم يدرك أن المرأة مثله كوكب يدور معه في فلك واحد, ولم يدرك أيضاً أنه لا يكتمل إلا بالمرأة, ولا تكتمل إلا به. تقول: لماذا انكساري؟ وحزني بوسع البحار طقوسي جمال.. وحب وشعري صلاة الكنار لفجر البراري وكل حياتي حروب وأنت ربيع انتصاري وتسأل: فيمَ انكساري؟ وتبدو أكثر اقتناعاً حين لا تقسو على الرجال على رغم جريمتهم بحق المرأة, بل تدفعهم بحنانها وحبها المتدفق, واعترافها بأن المرأة لا تستطيع أن تنفصل عن رفيق دربها, ولا تجد سعادتها إلا بقربه. وفي قصيدة عنوانها: (مدينة الجليد) تعمد الشاعرة إلى التعبير الشعري المتكئ على الأساطير والرموز, فهي تبحث عن رفيق دربها الرجل في مدينة من جليد تحجر قلبها, أما النساء فيها فأسراب من الحجر تشوى عظامهن في الظل بلا نار, وعبثاً تبحث عن سيّدها الذي مزّق قلبه عالم المال. على أن دعوتها لتحرير المرأة الشرقية, تتعزز بقصائدها الذاتية التي تفصح عن عمق المرأة وإخلاصها ووفائها لهذا الحبّ.. والقارئ قد يثني على شجاعة الشاعرة في التعبير عن مشاعر المرأة الوجدانية التي كانت مكبوتة بكل صراحة, ويندر أن نجده في الأدب النسوي, لخشية المرأة من أن تُتهم بالتبذل وتلوكها الألسنة. قليل من الشاعرات ملكن مثل هذه الشجاعة والجرأة, وحطمن "تابو" المحرّمات التي من أبرزها التعبير بصراحة عن مواجدهن, وأنّى للمرأة أن تطالب بحريتها, ثم تخشى هذا التابو, فلا حرية لها إن لم تبدأ بنفسها, وما تبوح به الشاعرة قد يعبر عن رغبات المرأة حتى لو جاء بضمير المتكلم. حين تتحدث "مروة" بلسان المرأة العاشقة, تبوح بكل مكنونات نفسها بلا مواربة. وتختار للعشيقة رجلها الذي يتخطاها سناً, فقد وخطه المشيب. لكن السن لا تقيم فوارق بين قلبين, والحب لا يعرف الحدود ولا السدود: إن نور الحب في عينيك أكبر من تجاعيدَ... ومن شيبٍ.. وأكبر من شباب يتفجّر والرجل حياة المرأة, ومعنى وجودها, ومصدر سعادتها: أحبّك.. كلّ حياتي ضَياع وأنت الهداية.. أنت الأمل أحبّك ناراً تموجُ ونوراً يضيء الطريق لكل البشر أحبك حب السماء لعزف الرياح وشدو المطر.. أغار عليك من الفاتنات.. وسرب السنونو وزهر الحديقة إما أطلتَ إليه النظرْ وتقلّ الغنائية لدى الشاعرة في شعرها الذي يندرج في باب شعر التفعيلة, فيتميز بعمق الفكرة والبعد عن الخطابية, وهدوء الإيقاع الخارجي, ويتشح أسلوبها ببعض الغموض, فيغدو لمحاً ينأى عن المباشرة, وتسوده الصور الموحية, والاستعانة بالرموز, والمرايا والأساطير والأقنعة بلا إفراط... ومن هذه الرموز بابل وخادمات المعبد تعبيراً عن خضوع المرأة لسلطوية الأعراف والرجال. ومن الرموز التي اعتمدتها الشاعرة التعبير عن رجال المقاومة بفرسان المعبد, مستعيرة هذه التسمية مما أطلق على الفرق الصليبية المحاربة, وما أحسب أن الرمز يلائم المقاومة. فالقارئ العربي لا يكن التقدير لفرسان المعبد الصليبين الذين جاؤوا غزاة فاتكين, ولم يكونوا دعاة تحرير وجهاد. وقد نستعير مراياها من التاريخ كما في قصيدة عنوانها (إلى الإسكندر المكدوني) فتطلبه قائداً ومحرراً للمرأة وليس غازياً: جوادك هذا القوي العتيد جوادي.. وأنت البعيد البعيد ووجهك هذا السَّني البديع كوجهي.. أطلَّ بساح الخلود كما تستعير من التراث صورة شهرزاد تداري استعبادها بالحكايات التي ترجئ موتها بيد شهريار, وفي بعض قصائدها تستسلم إلى النظم على البحور التقليدية المجزوءة, وتحشد لها أرقّ الكلمات, فتوفر للنص غنائية ظاهرة وإيقاعاً لطيفاً ينهل من مسيرة الشعراء الرومانسيين. و"مروة حلاوة" في شعرها القومي طويلة النّفس, تستثيرها المشاعر حتى تغدو القصيدة بياناً سياسياً وردّاً على العدوان, وتسترسل في النّهل من ألمها الداخلي, وأملها في التحرير, تخاطب القدس فتبكي لفقدها خطاب حبيب فارق حبيبه, وتشيد بالمدينة الروحية في نفوس العرب المسلمين, وتأسى أن يضيع في عصرنا ما عرف من عدل "عمر" حين زارها: أرى "عمراً" في الرحاب يسلّم "قسَّ" المدينة "عهد" الأمان ليحفظ سكانها والحقوق.. ويكتب في سِفرها باسم ربّ العباد.. والناس أحرار رغم اختلاف العقائد رغم اختلاف الرّؤى والمكان وتجمع في شعرها الموضوعي بين المشاعر الذاتية الخاصة, وتحتكم إلى العقل والمنطق متجاوزة تغريب الشعر كما في قصائدها الوجدانية الذاتية, وهذا الاجتياز من الغنائية إلى الواقعية يظل يجمع بين الذات والموضوع. وأبرز ما يميز شعر "مروة" احتفاؤها بسلامة اللغة واحترام قواعدها, فلا تسعى إلى تحطيم وظيفتها الدلالية أو إيجاد لغة في قلب اللغة, ولا تضحي بسلامة بناها ووظائفها شأن كثير من شعراء الحداثة, معتمدة لغة شعرية سهلة قادرة على الإيصال, ولا تهدم اللغة لمصلحة الشعر, وإنما تُخضع الواقع للشعر بمفهومه الأصيل, لأن الافتئات على اللغة هدم للشعر في سبيل واقعية موهومة. إن التجريبية التي اعتمدتها "مروة" تكشف عن شخصية شعرية متميزة لها سماتها, وهي تكشف عن أنفاس شعرية أصيلة, وقدرة عالية على النظم بأشكال القصيدة الشعرية القديم منها والحديث, وتملك مرونة في تطويع موهبتها لمختلف أساليب البيان الشعري. 1 مدينة بلا سماء.. مجموعة شعرية. للشاعرة السورية: مروة حلاوة منشورات وزارة الثقافة عام 2003م في (79) صفحة من القطع المتوسط. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |