جريدة الاسبوع الادبي العدد 1010 تاريخ 10/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رواية عذبة ـــ خليل الجيزاوي ـ مصر

المسافة بين المتخيل الروائي والواقع التسجيلي هي التي تجعل الكاتب يقف في مفترق الطرق حتى يبحث لنفسه عن تقنية تحتوي التاريخ بأحداثه الدامية ممزوجة بالمتخيل الروائي.‏

ورواية "عذبة" للقاص صبحي فحماوي, رواية تعيد تشكيل أحداث التاريخ من خلال استقراء الواقعي المعيش بالمتخيل الروائي, فهي رواية واقعية استمد الكاتب أحداثها من الحياة الخاصة لأبطالها حيث قام الكاتب المتخفي وراء شخصية عماد المنذر (الراوي العليم) بسرد التفاصيل الدقيقة بعد خمسة وأربعين عاماً (1948 ـ 1993) حين عاد إلى فلسطين مع مجموعة في الباص السياحي ليرى شوارع يافا المعطرة برائحة زهر البرتقال.‏

الحدث:‏

يرصد الكاتب الأحداث الدامية للصراع العربي الإسرائيلي بدروبه المختلفة تصويراً دامياً ومؤلماً, حيث يصور مذابح دير ياسين التي شاهدها بعينيه, ثم الخروج الجمعي لأهل فلسطين هائمين على وجوههم إلى الأردن ومصر خوفاً من بطش عصابة "الهاجاناه" التي كان يقودها الإرهابي مناحيم بيجين.‏

لقد نجح الكاتب في رصد وتصوير أدق المشاعر الإنسانية التي كانت تموج بها نفس بطل الرواية "عماد المنذر" الذي خرج من يافا قسراً حيث قُدّر له أن يشهد مأساة فلسطين خطوة خطوة وأن تظل هذه المأساة بكافة صورها النفسية والشعورية والفكرية تطارده وهي تنسكب مرارة على مرآة ذاته من خلال صور وقائع الماضي المرير والحاضر الكئيب.‏

وهكذا استطاع الكاتب أن يصوغ لنا سيرة حياة الشعب الفلسطيني من خلال رصده سيرة بطل الرواية "عماد المنذر" وحبيبته "عذبة" في صورة مترابطة على أساس من الوحدة والاتساق في البناء الدرامي للرواية وفي أسلوب أدبي شيق وممتع يجيد فيه الكاتب تصوير المشهد تصويراً ساخراً وفكاهياً ورصده بلغة شاعرية يجعل القارئ في حالة تشويق ومتابعة من خلال بث الحياة والحركة في تصوير الوقائع والشخصيات حيث يتم تضفير المتخيل الروائي بأحداث اليومي الحياتي الواقعي حتى اشتبك الخاص بالعام وباتت حياة عماد المنذر وعذبة هي مأساة فلسطين والأمة العربية كلها.‏

لقد جاءت رواية "عذبة" راصدة وكاشفة لأنواع القمع المتخلف على أيدي العصابات الصهيونية وبلغة حادة ومدببة تكشف صور الاحتجاج البسيطة من خلال مقاومة الانخراط في المجتمع الجديد ورفض كل صور الإغراء بالتجسس إلى رفض الاحتلال حتى ولو جاء رمزياً من خلال انتفاضة أطفال الحجارة.‏

وهكذا كُتبت الرواية الفلسطينية سطورها تحت جحيم القمع وصور التعذيب البشعة والمكرورة يومياً.‏

رسم الشخصية:‏

يعتمد الكاتب في رسم الشخصية ـ بصورة رئيسية ـ على الوصف الخارجي إلى جانب رصد الملامح الداخلية حتى نقف على أبعاد الشخصية الروائية (الخارجي/ الداخلي/ العام) حيث يتم التلاحم والتعاطف بين المبدع والمتلقي في تصور ملامح الشخصية الروائية, فإلى جانب الوصف الخارجي للشخصية يرصد الكاتب خلجات شخصية بطل الرواية عماد المنذر وهي تمور بالحزن والمرارة بعد الخروج الدامي من أرض فلسطين بعد نكبة 1948, لقد خرج عماد المنذر كسيراً حزيناً محطماً, متصدعاً من الداخل, مثل المبنى المتداعى بالسقوط إلا أنه راح يحث نفسه بضرورة التماسك, وهكذا تعانق وصف الكاتب للشخصية من خلال رسم إطارها الخارجي إلى جانب رصد ورسم أناتها الداخلية وما تمور به نفسه من أنات وصراخ وآلام نتيجة المأساة الكبيرة التي فجع بها وزلزلت كيانه وشتت شمل الأسر الفلسطينية.‏

ولا يكتفي الكاتب في رسم ملامح الشخصية الرئيسية في الرواية (عماد المنذر/ عذبة) فحسب, لكنه يولى اهتماماً كبيراً برسم الشخصيات الثانوية محدداً ملامحها بدقة, وهكذا نلمح شخصيات مثل: (أبو البطيخ/ أبو العبد/ أم محمد/ أبو الخناجر/ جعفر الحيفاوي/ أبو هاشم/ الكولونيل روك/ عبد القادر/ عبد الرحمن/ سامي الشوباشي/ الخالة زريفة/ الشيخ ناصر/ أبو حمد السمكري حلاق معسكر أنصار 13/ سعد الجبعاوي/ منذر/ رغدة/ أبو عنان/ أبو مهيوب/ عائشة/ تغريد) على أن الكاتب لا يقدم لنا الشخصية دفعة واحدة إنما يبثها من خلال سرد الأحداث فجاءت تفاصيل ملامح الشخصيات في الرواية بعين الشخصية المواجهة والمشاركة في السرد والحدث.‏

الصراع في الرواية:‏

ينقسم الصراع في الرواية إلى صراع داخلي حيث يعاني عماد المنذر ـ الشخصية المحورية ـ من صراع نفسي حاد يكشف الجانب الإنساني في حياته الممزقة بعد خروجه قسراً من أرض فلسطين بعد النكبة الكبرى في 1948 التي زلزلت كيانه وبعثرت أفراد أسرته بين قتيل ومطارد أمام المذابح البشعة التي اجترفتها عصابة مناحيم بيجين في دير ياسين والتمثيل الفظ غير الأخلاقي للسيارة التي كانت تطوف شوارع المدينة وهي تحمل عشرات الفتيات وهن عاريات تماماً, إلى جانب الصراع الخارجي الذي يتمثل في واقع مرير محبط مضطرب تمور به الأحداث والنكبات الكبرى وحالة الشتات التي كتبت على معظم الفلسطينين بعد ضياع معظم فلسطين بعد نكبة 1948, واحتلال بقية الأراضي الفلسطينية بعد هزيمة 1967, ثم موت جمال عبد الناصر الأسطورة والرمز للوحدة والقومية العربية 1970.‏

وهكذا جاءت شخصية عماد المنذر شخصية مأزومة على مستوى الذات والواقع, منكسرة أمام الصراع الداخلي والخارجي والمعاناة النفسية والفشل المكرور أمام الهزائم المكرورة التي شكلت الهم الرئيسي (1948 ـ 1967) ومأساة فلسطين والواقع المرير, إنها شخصية إنسانية بقوتها وضعفها, صحتها ومرضها, حلمها وانكساراتها واقعيتها ورومانسياتها, خوقها وأملها.‏

تقنية السرد وبنيته:‏

يقدم الكاتب رواية "عذبة" من خلال تقنية منظور الشخصيات المتعددة المتراكبة, وهي تقنية تسمح بتقديم أحداث متعددة المستويات ومواقف مستديرة مجسدة من جوانب مختلفة وهي تقنية معروفة في الرواية العالمية الجديدة وخاصة عند الروائي الأمريكي "فوكنر", ولقد نجح الكاتب في تضفير الفن بالسياسة في دراما إنسانية آية في الإبداع حيث قدم في رواية "عذبة" دراما عالية تقوم على اختزال الأحداث الكبرى خلال الخمسين عاماً الأخيرة في صفحات قليلة, حيث يقوم الكاتب على اختيار أهم ملامح الحدث بالتكثيف تارة وبسرعة إيقاع الزمن في القص تارة أخرى, ثم نجده يعود ـ أثنا سرده للأحداث ـ لتقنية "الفلاش باك" لتوضيح ملامح الصورة التي يرمى إليها واختار الكاتب أسلوب السرد باستخدام الراوي العليم ببواطن الأمور وضمير الغائب حتى يتحرك في الزمان والمكان راصداً ومفسراً وشارحاً الأحداث بحرية تارة, وبالتلميح تارة ثانية ليعيد تشكيل ملامح الصورة أمامه, وليقدم الكاتب من منظور الراوي العليم ومن خلال حركة الرواية وتفاعل الشخصيات وقدرته على التنويع في شخصيات الرواية الأمر الذي خلق تيارات التوتر الدرامي الفعال سواء في البنية السياسية أو الرومانسية أو الاجتماعية حتى يقدم لنا مادة الخطاب الروائي ودلالته.‏

وهكذا نجح الكاتب في تضفير الواقع اليومي والحياتي بالهم القومي والسياسي من خلال رصده مأساة عماد المنذر الإنسان المنكسر, المحكم, المهجّر, المغترب, المبعد, المنكوب بمأساة فلسطين نفسياً واجتماعياً وقومياً من خلال ربط الهم الخاص بالعام, فقصة حب عماد المنذر وعذبة, هي قصة حب وعشق عماد المنذر وفلسطين الممزقة / النازفة/ المغتصبة, والدلالة الفنية والرمزية واضحة.‏

لغة الرواية:‏

إن الجدل لا يزال قائماً بين النقاد والمبدعين حول اللغة حتى أن فريقاً من المبدعين والنقاد ينتصر للعربية الفصحى سواء كان ذلك في السرد أو الحوار ويرى ضرورة الالتزام بالعربية الفصحى بدافع قومي وخاصة أمام اللهجات المغرقة والمستغلقة أمام القارئ العربي من المحيط للخليج وعلى رأسهم د. طه حسين, لكن الكاتب في رواية "عذبة" وإن التزم الفصحى في السرد إلا أنه آثر اللهجة الشامية في الحوار مما أعاق القارئ قليلاً ومع ذلك جاءت اللغة في الرواية شارحة وواصفة, جميلة, شاعرية, متجانسة في تناغم بديع وصور متلاحقة في دراما اجتماعية وعاطفية وكذلك رصد الأحداث السياسية التاريخية التي عاشتها الأمة العربية في صراعها الطويل مع العدو الصهيوني منذ نكبة فلسطين 1948 وحتى الآن.‏

لقد نجح الكاتب إلى حد كبير عن طريق الحذف والإيجاز وعدم الاستطراد في اللغة والتكثيف واختيار لحظات معينة تشي بالأحداث المؤلمة والمؤثرة في حياة بطل الرواية عماد المنذر وكأنها كولاج وشريط سينمائي يمر أمام عينيه وهو يعود إلى أرض يافا راكباً الباص السياحي بعد خمسة وأربعين عاماً من التشرد والاغتراب عن أرض كنعان الجميلة, وذلك بلغة شاعرية, فصيحة, سهلة, مؤثرة’ متدفقة, جذلة موجزة نجحت أن تقول وتشي بالخطاب الروائي الذي قصده وأراده الكاتب دون مباشرة أو خطاب أو زعيق يقلل من قيمة الرواية التي ترصد وتسجل نكبة فلسطين روائياً.‏

إن رواية "عذبة" للكاتب صبحي فحماوي رواية تشي بالكثير وتبشر بكاتب واعد ننتظر منه الكثير على طريق الألف ميل الروائي, وتشكل إضافة حقيقية للمكتبة العربية عن الرواية الفلسطينية التي ترتكز على إبداع النكبة والمقاومة في الوقت نفسه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244