جريدة الاسبوع الادبي العدد 1010 تاريخ 10/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ناتالي ساروت وال ق. ق. ج ـــ ضياء قصبجي

في بلدة (إيفانوفا) بروسيا ولدت "ناتالي ساروت, وبعد عامين من مولدها استقرّت في فرنسا ونالت إجازة في الحقوق وعملت بالمحاماة حتى عام 938 وهو العام الذي أطلقت فيه صرخة القصة الجديدة, وذلك بنشر مؤلّفها (انفعالات) الذي يحتوي 24 ق.ج لم يجدوا لهذه الكلمة في قاموس (الأكاديميّة) الفرنسية تفسيراً لها, وإن كان قاموس (أكسفورد) قد حاول أن يوجد لها تفسيراً مؤدّاه أن الكلمة صفة (بيولوجية) تعني الحركة الناتجة عن إثارة خارجية والتي توجه الجهاز العضوي أو جزءاً منه في اتجاه الذات, وهي الحركة التي يقول عنها العالم اللّغوي الفرنسي (كوندياك) إنها تعني "الأشياء التي لا أسماء لها" وتعني في الطب النبض أو الخفقان, وساروت هي أول من أدخل هذا المصلح العلمي في لغة الأدب, وقد كانت هذه الانفعالات بداية المسيرة الصاعدة في أدب ساروت وقد نلاحظها أحياناً خارج ضمائر أصحابها وهم في بيوتهم أو في الطريق أو هم في أثناء العودة, نلحظها من خلال الكلمات, ولكنها تلك الكلمات التي تروح وتجيء, تكثر وتقلّ, ترتفع وتنخفض, تتضح وتتعقّد... وكلّها تعبير حيّ ومباشر عن الإثارات الانفعالات.. ورقّمت قصصها القصيرة جداً ب انفعال 1 ـ انفعال 2 ـ , وأطول قصة لها لا تتعدى الثلاث صفحات, وهي في حقيقتها صور وليدة اللحظة ترجمتها الكاتبة إلى كلمات مكثفة ومحدّدة تعبِّر عن أحاسيس عفويّة صادقة ولصيقة بالأِشياء... هذه الأشياء منظورة ومسموعة ووليدة ملاحظة ثاقبة ومراقبة شديدة.. لذلك جاءت كلّ الأفعال في الزمن الماضي, مثل كان, كانوا, أمّا الشيء الذي يربط بين القصص جميعها فهو المكان حجرة الطعام أو الصالون أو الطريق, وتشترك هذه القصص القصيرة جداً كما أطلق عليها, في أنها مشاهد سريعة من الحياة وشرائح حية من المجتمع كما أن وصف الأشياء والملابس قد يفوق وصف الشخصيات.‏

أمّا المكان والإنسان فكلاهما بلا هويّة ولا جنسيّة ولا أسماء على الإطلاق, المكان مطلق لأنّ الزمان مطلق, والإنسان مطلق كذلك... وهكذا تحتوي انفعالات على كل الحالة السيكولوجية وكل الأشكال اللغوية, فكل قصة تختلف عن القصص الأخرى, كما لو كانت مجموعة متباينة من الموديلات ولكنها تحتوي جميعها على شيئين معاً هما.. الرغبة والمبادرة, بهذا يتحول العمل الأدبي إلى باليه, أو أوبرا, الفرد فيهما ليس أكثر من نموذج خشبي أو قطعة شطرنج يتحرك بلا وعي ولا إرادة... وهذه بعض قصص ساروت.‏

انفعال 5 ـ‏

في أيام شهر يوليو الشديدة الحرارة, كان الجدار المواجه يلقي على الفناء الصغير ضوءاً باهراً وعنيفاً... كان هناك فراغ شديد تحت هذه الحرارة, وسكون, وبدا كل شيء متوقفاً عن الحركة.‏

انفعال 9 ـ‏

كانت تجلس القرفصاء فوق ركن من المقعد, وكانت تتلوى مادة عنقها, جاحظة العينين, وكانت تقول "نعم, نعم, نعم, نعم".‏

نلاحظ أنَّ اللغة التي تستخدمها ساروت للتعبير عمّا تريد... وإيحاء القارئ بما يريد هو أن يوحي لنفسه, تلمس الوجدان لأنها لغة الحياة المشتركة في كل مكان, إنها اللّغة الأم, ولذلك جاءت كلماتها بمثابة (البوزيتيف بالنسبة لنيجاتيف الصورة) بلا زيادة ولا نقصان, بلا رتوش.‏

"ولابد من القول أنني قرأت كتاب انفعالات بعد قصة قصيرة حدثت... هي أنَّني.. كنتُ أقرأُ قصصاً قصيرة جداً عام 1974 في فرع اتحاد الكتاب العرب (البناء القديم) فوجَّه إليَّ النقد اللاذع الأديب المرحوم جورج سالم قال: إنَّ المقالة فن جميل, صدقيني لو اعتبرت هذه القصص مقالات لكان أفضل.. لكن الناقد محمد كمال قال: على العكس لقد استمتعتُ بقصص ضياء وأنا أصرّ على أنها تكتب القصة لا المقالة, وقد ذكَّرتني بكتابة ناتالي ساروت, الأسلوب نفسه اللغة نفسها.‏

وبعد انتهاء الأمسية قال لي محمد كمال, هل قرأتِ لناتالي ساروت...؟ قلت لم أسمع اسمها من قبل.. فأهداني مجموعتها (انفعالات) هذه التي أكتب عنها, وقد أدهشني أسلوبها المشابه لأسلوبي على الرغم من الفرق الشاسع بين ظروفي وظروفها". أختم بـ.‏

انفعال 20.‏

كان يستحثهن قائلاً: ولماذا لماذا..؟ أنا إذن عدوّ البشرية, لمَ هذا, تكلَّمن.. كنَّ في أعماقهن يقمن بدور ويخضعن لشيءٍ ما.‏

ترجمة المقدمة لفتحي العشري‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244