جريدة الاسبوع الادبي العدد 1010 تاريخ 10/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

علم الاكتناه العربي الإسلامي ـــ عبد الإله نبهان

الاكتناه من الكُنْه, وكُنْه الشيء هو كما فسّره ابن سيده بقوله: كُنْه كل شيء قَدْره وغايته, وعلم الاكتناه مصطلح جديد وضعه الباحث العراقي الدكتور قاسم السامرائي الذي يعمل حالياً في جامعة لندن بهولانده, وهذا المصطلح يستخدم ـ حسب علمي ـ لأول مرّة في ثقافتنا العربية القديمة والمعاصرة, وهو كما أراد له واضعه يشتمل على فنين هم:‏

1 ـ باليوغرافي palae graphy وتعني الكتابة القديمة أو رسمها أو نقشها أو علم معرفتها.‏

2 ـ كوديكولوجي Codicolgy وتعني علم معرفة الكتاب المخطوط.‏

وهكذا نجد أنّ هذا العلم (الاكتناه) يتجه ويتخصص في معرفة الكتابات القديمة وخطوطها وورقها وحبرها وتجليدها وكل ما يتعلق بها من اسم الناسخ وسماعات العلماء ومصطلحاتهم الورقية كالكراسة والمجلد ونظام التعقيبة والسماع والقراءة والإجازة وتقييدات التمليك وما إلى ذلك, لهذا حدد واضع هذا المصطلح عناصر المعرفة التي يجب أن يمتلكها الخبير في علم الاكْتناه العربي الإسلامي, فهو يجب أن يكون على معرفة جيدة ودربة وافية بعلم تطور الخطوط العربية وأنماطها وتطور صناعة الورق: ورق البردي والرقّ والكاغد والزجاج والنسيج والنحاس والحديد والخشب والأحجار الكريمة والرخيصة, أي كل المواد التي كتبت عليها الوثيقة المخطوطة أو المنقوشة أو المرسومة, ويكون أيضاً على علم واسع بصناعة أنواع المداد والحبر والمواد المصنوعة منها عبر العصور الإسلامية والأصباغ والألوان وصناعة الجلد وطريقة التجليد والتذهيب والتزويق في كل قطر من الأقطار الإسلامية".‏

ومن هذه العناصر يبدو أن المراد بعلم الاكتناه هو ثمرة تلك المعارف المتمثلة بحدس مبدع وملكة حية تمنحك القدرة لتحكم على المخطوط العربي الذي بين يديك وتعلم أصحيح هو أم مزوّر؟ ونسبته إلى مؤلفه المدون اسمه عليه أتصح أم لا تصح؟ وهذا التاريخ المدون على المخطوط أصحيح أم مزوّر؟ وهذه الأحكام كلها تقودك إليها الدربة والممارسة والخبرة المديدة, فهذا العلم ليس اختصاصاً علمياً فحسب بل يجب أن يكون هوايةً أولاً, هوايةً في حبّ المخطوطات والعمل في مجالها, إنه "هواية طاغية وشغف دافق, وتعلّق بها شديد" "إضافة إلى تدريب واسع وتجربة طويلة المدى ماتعة, قبل أن تكون مهنة تدرّ على ممتهنها لبناً وعسلاً" إنها الهواية التي تتحول إلى صنعة, إلى فنّ قائم بذاته, ومع أن التحقيق بحد ذاته يعني إحياء الكتاب المخطوط على الوجه الذي كتبه عليه مؤلفه إلا أن علماء التحقيق الأعلام وضعوا لكل فن من فنون تحقيق التراث طريقة ومنهاجاً, فمخطوط التاريخ يختلف العمل فيه والتعليق عليه عن مخطوط الشعر وهذا يختلف عن مخطوطات الجبر والصيدلة والطب... زد على ذلك أن فهم عبارات القدماء وإشاراتهم تحتاج إلى دربة وممارسة ومعرفة بلغة العصر الذي ألّف فيه المخطوط... والحدس بذلك كله يندرج فيما سمّي بعلم الاكتناه, هذا العلم الذي يجب أن يستند في أساسه على وازع خلقي وخلفية علمية, وإنّ غياب الوازع الخلقي هو وراء تلك الغزارة في كتب التراث القديم التي تنشر بهدف الربح والكسب السريع على حساب سلامة النصوص مما دفع أحد الباحثين إلى القول مصوراً هذه الجائحة: "ولكن الذي نريد أن نعرضه اليوم هو هذه الجائحة الجديدة, هذه الغارة التي قامت بها إحدى دور النشر على كتب التراث, ما نشر منها وما لم ينشر, أما ما لم ينشر فقد أخذتْ في نشره مصحَّفاً محرّفاً مليئاً بالأخطاء والخطايا بصورة لا تحتمل, ويا للهول والفزع حينما يتّخذ الباحثون الشداة المبتدئون هذه النصوص التراثية المحرّفة مصادر لأبحاثهم وأطروحاتهم, فتشيع الأخطار وتفشو في الناس.. إن المسألة ليست في ضياع الحقوق المالية, على ما في يذلك من جرم,ولا في ضياع الحقوق الفكرية مع ما في ذلك من بشاعة, ولكنّ الكارثة في هذا الإفساد العلمي والفكري والتضليل والتزييف للحياة العلمية واقعاً ومستقبلاً".‏

ويبحث علم الاكتناه أيضاً في مفاهيم تلك المصطلحات التي وردت في المخطوطات القديمة, فماذا تعني الكراسة؟ وما حجمها وما قياس ورقها, وماذا يعني المجلد, وما نوع الجلد الذي جلّد به.. لأن كل حاضرة لها نوع خاص من الجلد تصنعه أو تستجليه لهذه الصناعة... وكذلك أنواع الورق لكل نوع مصطلح, فهناك الكاغد البغدادي وهناك الكاغد الطلحي الخراساني, وهناك ورق الآبرو الذي صنع صناعة خاصة واستخدمه المجلدون الأتراك في تغليف باطن دفتي التجليد... وكان بعضهم يصنع الورق الملوّن, ذكر الصلاح الصفدي في كتابه "أعيان العصر وأعوان النصر" أنه كتب من دمشق رسالة اعتذار لمغلطاي بن قليح البكجري في سنة 739هـ على كاغد أحمر لأن الحمرة دليل الخجل!! إن تتبع تاريخ صناعة الورق وتطورها وانتقالها من الصين إلى سمرقند ثم إلى العالم العربي الإسلامي ومنه إلى أوربا عبر مسارب متعددة لهو أمر مفيد معرفياً, والمفيد أكثر منه معرفة هذه الأنواع التي كانت تصنع من مواد مختلفة بحسب كل منطقة, وقد دخلت صناعة الورق إلى الأندلس في القرن الرابع للهجرة وفي سنة 674هـ = 1275م أنشئ في إيطاليا أول معمل للورق وكان يسمّى "طاحون الورق".‏

إن تمرس الخبير بأنواع الورق وما يتصل بها من أنواع الحبر والغراء والجلد كل هذا يؤهله ويمنحه الملكة في الحكم على المخطوط القديم... أقديم هو أم مزوّر؟,مع الإشارة إلى أن التزوير في مجال المخطوطات أمر قديم, وعندما يقوم الشك في أمر مخطوطٍ ما لا يكفي أن نكتفي إن الناسخ فلاناً قد كتب إنه نسخ الكتاب سنة كذا... بل يجب أن تكون هناك دلائل أخرى تدل على صحة هذا التاريخ وعلى أن الناسخ المذكور اسمه هو نفسه الذي نسخ الكتاب مع العلم أن التقييدات والإجازات وبعض الملاحظات التي تدون على الحواشي تساعدنا كثيراً في التحقق من صحة المعلومات التي يقدمها الناسخ..‏

من كل ما تقدم نرى أن علم الاكتناه يُعنى بقضايا كثيرة لا يُعني بها المحقق العلمي إلا عرضاً, لأن هذا الأخير يعني بالدرجة الأولى بتحقيق النص وضبطه, وربط مسائله بمراجعها, أي تهمة علمية النص, أما البتّّ في المسائل الأخرى المتعلقة بمادة المخطوط كنوع الورق والحبر والخط والتجليد والتذهيب فأمور يُعنى بها عالم الاكتناه, فهو الذي يستطيع أن يوثّق هوية المخطوط على نحو قطعي أو شبه قطعي وخصوصاً أن العلم الحديث قدم كثيراً من الوسائل والأدوات التي تُعين في هذه السبيل.‏

إن علم الاكتناه هو علم جديد بهذا المفهوم وهو جامع لعلمين جديدين نسبياً في عالمنا العربي.. نهنئ واضع هذا العلم, ونرجو لهذا العلم نمواً نظرياً وتطبيقياً..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244