جريدة الاسبوع الادبي العدد 1010 تاريخ 10/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كاظم جواد ـــ عبد الرزاق عبد الواحد

كان صباحاً ربيعياً دافئاً... وكنا, أنا والسياب, جالسين في مقهى صيفي بباب المعظم. أحياناً يتراءى لي وأنا أحاول استذكار الأحداث, أن موقع المقهى هو نفس موقع التمثال الذي في مدخل جسر باب المعظم حالياً من جهة الرصافة. لقد تغيرت خارطة المكان تماماً, فلم يكن الجسر قائماً آنذاك ولا الساحة التي أمامه. كان ذلك في أوائل الخمسينات, ومدينة الطب لم يكن لها وجود, بل كان هناك مستشفى (المجيدية), ومستشفى الأمراض العقلية, وكلية الطب حيث هي الآن... وأمامها جميعاً, بمواجهة الساحة, كانت محطة مصلحة نقل الركاب.‏

في إحدى صحف ذلك النهار كانت قصيدة جديدة للبياتي.. وكنا, أنا وبدر نقرؤها, ونعلّق عليها بلؤم!.‏

فجأة وقف على مائدتنا شاب نحيف أسمر, أجعد الشعر, أقرب إلى الوسامة رغم الحَوَل الواضح في إحدى عينيه. قدّمنا بدر إلى بعضنا: الشاعر كاظم جواد... الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد. عندما شدَّ على يدي, أدركت بأنني إزاء إنسان شديد الاحتدام!.‏

حال جلوس كاظم معنا, التفت إليّ مثنياً على أشعاري, مبدياً إعجابه بها.. وبدوري شكرته, وبادلته التلطّف كما كان يحصل آنذاك في أول لقاء بين شاعرين, إلا إذا كان أحدهما رشيد ياسين!.‏

التفت كاظم إلى بدر متسائلاً, وهو يتناول الجريدة التي بيننا: هل قرأت قصيدة عبد الوهاب؟ قال بدر: قرأتها.... فعقّب كاظم: كيف وجدتها؟؟. عاديّة... أجاب بدر.... وأسرعت أنا بإضافة: بل ساذجة, وسطحية جداً!‏

فتغيرت سحنة كاظم ـ رحمه الله ـ وقال, وعلائم الاستياء تحتلّ وجهه احتلالاً: "إذن أنتما لم تفهما القصيدة!". رددت أنا بامتعاض, وبنبرة فيها شيء من الاستخفاف: "وما الذي لا يُفهم فيها؟.... إنها قصيدة تافهة".‏

إلى اليوم.. وأنا في هذه السنّ.. لم أتعلم أن أتروّى حيث يجب التروّي!.‏

ما كان من كاظم إلا أن التفت إليّ محتجاً بصوت مرتفع: "البياتي أكبر من أن تفهمه!" التفتُّ إلى بدر وأنا أعاتبه بلهجة فيها شيء من التخابث: "كان عليك أن تخبرني بأن الأخ أحد تلامذة البياتي!". وإذا بصاحبنا يستشيط غضباً وهو يصرخ, وبلهجة عربية فصيحة: "أرجوك, أنا ما كنت, ولن أكون تلميذاً لأحد".. في تلك اللحظة انتبهت إلى أن جميع الوجوه التي حولنا في المقهى قد استدارت إلينا. قلت: "أرجوك أيها الأخ... أنت جئت طارئاً على جلستنا, فأرجو أن تلتزم بحدود اللياقة, "وإذا بكاظم ينفجر عليّ انفجاراً مريعاً, وبالعربية الفصحى أيضاً!... إنني أكاد أحفظ حتى هذه اللحظة كل ما قاله, وبالحرف الواحد, لقد التفت إليّ صارخاً بأعلى صوته: "أخي مَن أنت؟... ومن أين أتيت؟.. وما حَسَبك؟ وما نَسَبُك؟؟".. نظرتُ ببلاهة إليه, ثم قلت له, وبمنتهى اللامبالاة واللاتقدير للعواقب: "اسمع, أيّاً كنتَ فرأيُك فيَّ لا يتجاوز كعب حذائي!".‏

كانت على المنضدة كأس زجاجية كبيرة فارغة. ما أتممتُ جملتي حتى اختطف كاظم الكأس, ووقف بين دهشة الجالسين جميعاً, وصاح ـ وقد نسي العربية الفصحى فجأة: "شلَون؟؟... أخَّ ال.... !!, ثم رفع يده بالكأس.‏

كنا, أنا وبدر, ذاهلين ننظر إليه.. كانت عيناه ـ لفرط هياجه ـ قد تباعدتا عن بعضهما بشكل موجع.. ثم قذف الكأس بكل قوّته!..‏

في طرفة عين كان الدم يغطي وجه السياب وثيابه جميعاً!. قفزتُ إلى بدر الذي لم يكن قد وعى شيئاً. كان أول شيء فكرت فيه أن أحمله إلى المستشفى المجاورة... وإذا بكاظم يمسك بثيابي ويسحبني إليه... لقد كان يريد أن يواصل الشجار!. في تلك اللحظة, كان أحد الجالسين قد أوقف سيارة أجرة, وعاد راكضاً وهو يقول: "ساعدني على نقله إلى السيارة".. بينما دفع كاظم مخلّصاً ثيابي من بين يديه. في المستشفى خيِطَ رأس بدر بستّ غرزات, بعد أن بذلنا جهداً كبيراً لإقناع الطبيب بأن لا حاجة لتقرير الشرطة, فالحادث تسبب عن عثرة سقط الجريح على أثرها وشُجّ رأسه!.‏

في اليوم التالي كنا جالسين في مقهى الرشيد, ورويت للمجموعة ما حدث, بلند ضحك ضحكة لا تدري كيف تفسرها!. أكرم الوتري نظر إليّ باهتمام حزين ثم قال: "معقولة؟!.. طلع من بدر دم؟؟!". فضحك الجميع لهذا التعريض بنحافة بدر رحمه الله!.‏

كان كاظم سريع الهياج... عنيف ردود الفعل. أما في مجالس الشراب فهو غير مأمون العواقب... ولكنه ـ بالمقابل ـ كان ودوداً, بسيطاً, طيباً, بالغ الطيبة والبساطة.‏

روى مرة أحد الخبثاء من مجموعتنا, أن كاظم وعبد الملك نوري كانا يشربان في حانة بشارع أبي نواس وقد أخذ الشرب منهما مأخذه... وإذا بكاظم ينادي على النادل طالباً رأس خس, ولم يكن الموسم موسم خس!.‏

وكرّر كاظم الطلب بأعلى صوته.. ثم لم يلبث أن نهض واقفاً فوق المنضدة التي يشربان عليها, وراح يصرخ وهو يرتجف غضباً: "أيها الجاحدون. أديبان لامعان... أنفقنا عمرنا نكتب لكم, ونضحي من أجلكم.. حرمان, وسجون, ومعتقلات... وتبخلون علينا برأس خس؟؟ أي نوع من البشر أنتم؟!".‏

بعد جهد جهيد استطاع بعض الحاضرين أن يُفهم كاظم ـ رحمه الله ـ أنه لا يوجد خس في هذا الوقت من السنة, رغم أن كاظم ظل يردد: "غلط. هذا غلط... عندما قاصّ كبير, وشاعر كبير, يريدان خسّاً... فيجب على الخس أن يوجد!".‏

كنت ذاهباً ذات صباح إلى سوق السَراي*.. وبينما كنت في شارع المتنبي, إذا بي أسمع هاتفاً ورائي: عبد الرزاق. عبد الرزاق.. وقفت والتفتُّ, وإذا بكاظم يسعى خلفي راكضاً. ما إن بلغني حتى احتضنني وراح يقبّلني وهو يقول بهياج شديد: "هنّيني.. اليوم طلعت من التوقيف.‏

موّتوني بَسط.. شبَعوني جلاليق وراجديات!....لك داد عبد الرزاق.. جنت ميّت من القهر, أشو كلكلم انفصلتو, وتوقَّفتو, وانسجنتو.... بس آني بقيت. لَعَد شنو آني جاسوس؟؟!. هسّه بَس يا الله احترمت نفسي وارتاحيت"... ثم سالت دموعه وهو يحتضنني بكل عنفه ويقول: "هنّيني داد عبد الرزاق. آني مناضل مثلكم مو جاسوس!!".‏

الله...‏

رحمك الله أيها الإنسان الصادق... والشاعر الصادق. يا رفيق الدرب الطويل... والعذاب الطويل!.‏

* سوق السراي: هو سوق المكتبات الرئيس في بغداد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244