جريدة الاسبوع الادبي العدد 1010 تاريخ 10/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عبد السلام العجيلي ـــ غالية خوجة

لم تنم الحكاية ذلك اليوم, فكم تمنتَ أن تظل كالحلم في الرواية لتلهو بالأبدية, لكنها لمَا شعرتْ بأن يدك لم تتحرك لتمسك عكازك, تحيرت, ثم اقتربتْ منك لامسة وجهك كما تلمس الوردة الندى... كنت روحاً هاربة من الجسد.. وكانت الحكاية خليطاً من الدمع والانتظار والسؤال... لم تتحرك يدك, لكن الحكاية تركتْ سكونها وغابت بين كلماتك لتكون لهباً يذرو الرماد على الغابات فتأتيك مع رواياتك إلى قبرك...‏

ستنام الآن قليلاً, لتناديك الشمس الخضراء, وحين تفتح الريح أحداقها, تراك البلاد سيرتها, ويراك الغيم أمطاره..‏

أيا عبد السلام العجيلي, كم على الكاتب منا أن يحضن موته الميتافيزيقي ليلتقي موته الفيزيقي؟‏

ألمحك كما لمحتك ذاك اليوم في حلب, كنت تخطو كنسيم مضيء, لكنه مكلل بتعب الأزمنة, هموم الناس, ووشوشات الفرات.. العكاز تسند ما فيك من كتابة, والأرض في تلك الساحة كانت على وشك الالتفات..‏

المشهد خطفني إليه مع النبأ وهو يمر على شاشة الكمبيوتر: "خبر حزين من سوريا: توفي اليوم الروائي السوري عبد السلام العجيلي: "... الخبر يتلوى على شاشة (النت), وأعصابي تتلوى مع الموت الذي باغت محمد الماغوط قبل يومين من مباغتته لك.. أيها الراحل إلى بغتة أخرى للوقت, عانق (محمد الماغوط) و(نزار قباني) و(ممدوح عدوان) و(كل المبدعين) وأخبرهم بأننا أمة عمياء لا ترى مبدعيها إلا بعدما يسير إليهم القبر, فتصرف على نعيهم حبراً يكفيهم التشرد والسجن والغربة, ويغنيهم بعضاً من الجوع... وقبل الأربعين يوماً من التراب, يخفت الاهتمام العام ويأتي دور الذين نسوا المبدعين وهم أحياء ـ أيضاً ـ وأعني (النقاد), فيتسابقون للكتابة كي يلصقوا اسمهم باسم المرحومين الذين اعتادوا أن يقتاتوا على الحلم والكلمة واللون والموت, لذلك أصروا ويصرون على متابعة رسالتهم رغم الجحيم العربي..‏

ولا أعرف لماذا اكتشفت الآن ـ بعد غباء مكثف ـ فضيلتين:‏

ـ فضيلة الموت.‏

ـ فضيلة الرقص والعري.‏

الفضيلة الأولى تطمئن قلبي فتجعلني أثق بأن أمتي ستذكرني قليلاً بعد طول نسيان عمره أكثر من عشرين مؤلفاً كحد أدنى.‏

أما الفضيلة الثانية فتجعلني أندم على موهبتي المختصة بالوعي والمخيلة, وتعاتبني بشدة لأنني لم أحترف الرقص والغناء والفيديو كليب وتعزيز المبدأ الغريزي في المجتمع المهووس بنصفه الأسفل منذ متى لا أعرف؟!!!!‏

أيّ عبد السلام العجيلي, لا تخبرهم بأنني قررت تفجير دماغي نووياً كنوع إرهابي حديث لم تألفه أمريكا بعدُ, ولا غيرها..‏

لا تقل للموتى أنهم يحتفون بليلة (المؤدية) بما يعادل قرابة ربع ميزانية إحدى وزارات ثقافاتنا, ولا تجعل المقابر تشمت بنا, لا تخبر الموتى أن أرضنا وسماءنا لم تعودا لنا... وكل همنا أن نطفئ ما تبقى فينا من الضوء... آه, لو كانوا يستطيعون سجن الشمس أو تمويتها لفعلوا.... لذلك, كن مع المبدعين الذين عانقوا الموت, وسيعانقونه, شمسنا في العالم السفلي... واتركهم يسرفون في الأحبار والأخبار والكتابات....‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244