|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حاوِلْ ألاّ تموت ـــ عبد القادر الحصني حدّثني صاحب كبير في كلِّ ما عرفته عنه, قال: ضمّني وبعضَ الأصدقاء مجلسٌ, تجاذبنا أطراف الحديث فيه حول مهمّة كنت قد اضطلعت بها, فوفِّقتُ في أداء ما أوجبَتْه عليّ, فراح الأصدقاء يثنون على ما كان من حسن صنيعي, وينوَّهون بما تحصَّل من خير للناس جرّاء ذلك الصنيع, فشكرتهم, مشيراً إلى أنّ ما فعلت لم يكن أكثر من القيام بالواجب, والقيام بالواجب؛ يعفي صاحبه من اللوم والمحاسبة فحسب, ولا يكون عليه ثناء ولا شكر, وأمّلت من كلمتي هذه أن تُنهي ما نحن فيه, وتقلب صفحة الحديث إلى شأن آخر. هذا ما أمّلتُ. ولكنّ صديقاً من بينهم, وكانت له حاجة عندي, عقّب على كلمتي, مستنكراً بلهجة واثقة: أنْ لا. ما قمتَ به فوق الواجب, وإذا كنت تعدّه واجباً, وقمت به, فهذا من رفعة نفسك وجليل قدرك, في زمن عزّ فيه من يقوم بواجبه, فأنت مستحقّ الثناء والشكر مرّة أخرى على تواضعك وكريم معدنك. قال صاحبي: شعرت, مما سمعت, بدمي يغزُّ في داخلي, ويطفر صاعداً إلى رأسي, وبالعرق يتصبّب من جبيني, فأطرقت لا أنبس ببنت شفة, معَوِّلاً هذه المرّة على الصمت.. لعلّه يقطع دابر الحديث. قلتُ: وهل أفلح الصمت في ما عوّلتَ به عليه؟ قال: هيهات يا صاحبي. بل فعل عكس ذلك. قلتُ: كيف؟ قال: كان الأمر كما لو أصبت ناراً متأجّجة برشاش ماء, فزاد هذا في تأجّجها وتميّزها. فقد بادر غير واحد ممن في المجلس إلى تأييد ما عقب به الصديق الأول, ثمّ إن الأمر انتقل من الثناء والشكر على المهّمة التي كانت موضعهما إلى مديح شخصيّ, انصبّ على مفاصل كثيرة في حياتي: أحدهما أشاد بتحصيلي العلميّ وتفوّقي الدراسيّ, وبما لم يلحق به أقراني, في نظره. وآخر تناول ما ألّفتُ من كتب فجعلها آيات في الإبداع, تطاول أعمال الكبار من السابقين, ولا يدانيها اللاحقون: لغتها, لو علم أئمة اللغة بما سيكون منها لما أوقفوا الاحتجاج عند إبراهيم بن هرمة (ت 176هـ), وفكرها لا يُبارى, وخيالها لا يُجارى. وذهب ثالث إلى أمر لا أعرف كيف تقصّى المعلومات ليقول ما قال فيه, إذ تناول تربية أولادي وتعليمهم ومجالات عملهم وتبريزهم, عاطفاً ما كان منهم على ما سلف من معالي الأمور عن أجدادهم. وهكذا دواليك (لا أعرف كيف تركّبت دواليك هذه في اللغة) حتى صرت مُمَدَّحاً ومُقَرَّظاً أصلاً وفرعاً من (سنسفيل) أجدادي إلى أصغر أحفادي. ثم صمتَ, ممتعضاً وراح يحدّق فيّ. خيّم صمت ثقيل على كلينا, شقّه صاحبي بقوله: لا أريد أن أسألك عن رأيك في ما جرى, فرأيك في مثل هذا الهُراء والنفاق والمجاملة المبالغ فيها أعرفه. قلت: وعمّ إذاً؟ قال: أسألك إن كنت تستطيع أن تقدِّر كيف كان شعوري وأنا أسمع ما أسْمع. قلت: الخجل, والحياء, والضيق, والحرج, وربما الاشمئزاز والقرف. قال: لا... ما ذكرت شعرت به أول وهلة لدى سماع الأوّل منهم... أما بعد ذلك فلم أعد أشعر بأيّ شيء. قلت: كيف؟ قال: الميت لا يشعر... كنت ميتاً يا صديقي. والمجلس ما كان, عندي, إلاّ حفل تأبين.. تأبين كذلك التأبين الذي يقيمونه على الميت المسجّى في تابوته قبل دفنه. ولكنّي تلمّست جنبيّ, فوجدتني ما زلت أحسّ, فنهضت من بينهم قبل أن يهيلوا التراب علي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |