|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
المقاومة وحلم الارتقاء ـــ د.حسين جمعة لم يعد الحديث عن المقاومة جديداً؛ ولم يعد الاحتفاء بالجهاد والتضحية بالنفس مثيراً عند كثير من الناس والباحثين؛ ولا سيما حين شُوّه مفهوم المقاومة تحت طرقات ثقافة الاستبداد والسيطرة والعربدة الأمريكية التي مارستها بحق المصطلحات الفكرية والثقافية والاجتماعية الرفيعة الدلالة... لم يعد الاحتفاء بالموت من أجل الحياة, كما يقول المثل العربي الشهير: اطلب الموت توهب لك الحياة؛ يمثل إثارة متعاظمة لعدد غير قليل من الناس شرقاً وغرباً. فالخديعة الكبرى التي هيأت أمريكا والغرب الموالي لها شروطها المناسبة أخذت تظهر بأنماط فكرية منهجية متقدمة لربط الجهاد والمقاومة بالإرهاب والقتل؛ وتصوير الشهيد انتحارياً يزهق حياته وحياة الآخرين مما يعود عليهم بالأذى وعلى شعبهم ووطنهم والإنسانية بالويل والثبور. ولما أرادت أمريكا والكيان الصهيوني وغيرهما تأكيد ذلك طفق صناع القرار فيهما يخططون للعديد من الجرائم وتنفيذها على أرض الواقع بأشكال شتى من فلسطين المحتلة إلى العراق إلى لبنان وإلى غير ذلك من أقطار الوطن العربي والعالم. ففي لبنان الذي كُبِّل بالعديد من القرارات الدولية في مجلس الأمن كالقرار (1559) والقرار (1680) شرعت أمريكا والكيان الصهيوني تعززان مفهوماً واحداً يثبت أن الأزمة الحقيقية للبنان إنما تتجسد بالمقاومة الوطنية وسلاحها، ولذلك لا بد من نزعه؛ ويساعدهما على ذلك عدد من أرباب جماعة (14) آذار مردوا على التلون والنفاق؛ إذ باتوا يقيمون الذرائع تلو الذرائع لتجريد حزب الله من سلاحه قبل أن يكتمل تحرير الأرض اللبنانية بمزارع (شبعا). ولم يقف الأمر عند ذلك بل تجاوزت المهمة الموكولة أرباب النفاق وأعوان الشيطان إلى تبني المفاهيم الصهيونية ـ الأمريكية ومصطلحاتها: بأن لغة المقاومة والتحرير أصبحت لغة خشبية قديمة تعيش خارج الواقع والتاريخ، ولا بد للعرب من اعتماد لغة واقعية مرنة تتجاوب مع توجهات النظام العالمي الجديد؛ إنها اللغة الواقعية التي دفعت فئات عدة في لبنان إلى أن تتبارى في تكريم السفير الأمريكي جون بولتون المشهور بمواقفه العدائية للعرب والشعوب المناضلة، ومن لم يتخل ـ من العرب ـ عن آرائه الوطنية والقومية وسلاحه يعد إرهابياً قاتلاً. وهذا ما يجري في فلسطين من قبل الكيان الصهيوني ودهاقنة السياسة، ففي هذا القطر زادت أعباء المسؤولية الوطنية على أصحاب المشروع المقاوم للاحتلال الصهيوني الاستيطاني حين اختار الشعب الفلسطيني منظمة (حماس) ممثلة لـه في الحكم. لهذا أخذت حكومة الكيان الصهيوني تمارس سياسة التجويع المنظم على الشعب الفلسطيني في الوقت الذي تمعن آلتها الوحشية قتلاً ودماراً، فأصدرت قراراتها بإيقاف المساعدات عنه بدعم فاضح من أمريكا وبعض دول أوربا. وهي الدول التي منعت دخول المعونات الشعبية والإنسانية إلى داخل الضفة والقطاع. وجميعهم شرعوا يصورون حكومة حماس بأنها السبب الذي حملهم على فعلهم اللا أخلاقي. إنه عقاب قاس شنيع ومنظم للنيل من الشعب الفلسطيني؛ لأنه مارس اختياره بحرية، وقال كلمته الأخيرة غير هيّاب من الحراب الصهيونية. ومن ثم أمعنت الممارسات الوحشية الصهيونية في قتل العوائل الفلسطينية الآمنة في القطاع والضفة، وآخرها الجريمة النكراء التي أتت على عائلة بكاملها في ساحل غزة. وعلى الرغم من ذلك بقي الشعب صامداً، لم يرهقه درب الآلام والجراح الطويل، ولم يجعل قناة المقاومة لديه تلين أو تتراجع. فمن قلب المعاناة المرة والجرائم الصهيونية المروّعة تعلو صيحة العزة والمجد للمقاومين الأحرار, بل إن طريق المقاومة اختصرت المسافات بين مفهوم الآلام والجراح ومفهوم المجد والعزة والشرف على مذبح الارتقاء إلى حلم الحرية. فالأحداث التي تجري على الساحة الفلسطينية والعراقية ـ وجرت في جنوب لبنان من قبل ـ أثبتت بكل وضوح أن طريق المقاومة إنما هو طريق محاربة النفي والإبعاد والقتل والدمار؛ والذل والاستعباد وطريق عشق الكرامة والوجود الإنساني الحر. وإذا كانت دماء الشهداء قد جرت شلالاً متدفقاً يروي الأرض ويدافع عن الشرف والعرض والقيم الأخلاقية والإنسانية النبيلة فلنتذكر في كل لحظة أن المشروع الصهيوني الأمريكي إنما هو مشروع استعماري استيطاني يعمل على أهداف تحقق له مصالحه الخاصة في الوطن العربي، وفي طليعتها تصفية كل الشرفاء الذين يقفون في وجه هذه المصالح المدعومة من قبل الشركات الاحتكارية الكبرى. لهذا كله فإذا كانت الضغوط الأمريكية المدعومة بالصهيونية وببعض الدول الغربية عظيمة وخطيرة حين يكون الحديث عن المقاومة الوطنية في لبنان وفلسطين والعراق فإن ما يجري في داخل هذه البلدان من أحداث شديدة التداخل والتعقيد تستعصي على الحل، أحداث تشي ـ بما لا يقبل الشك ـ بأن هذه الأزمات الداخلية العجيبة ما وقعت إلا بتخطيط محكم من قبل الدوائر العالمية صاحبة القرار اليوم, تخطيط ينفذ بأدوات مشتركة بين الداخل والخارج من الأعداء والخُصوم الذين انتهزوا الفرصة، وسقطوا في مشروع الفتنة، ثم فرطوا في العديد من الثوابت الوطنية والقومية. ومن ثم كانت القرارات الدولية التي تريد نزع سلاح المقاومة الوطنية في لبنان وفلسطين وتصفيته؛ وهي قرارات لا تقل شراً وتزييفاً للحقائق لخداع العالم عما تسعى إليه أمريكا لدمج من يسير في ركابها من المثقفين والساسة في داخل المجتمع المدني للوصول إلى ما ترمي إليه من أهداف.... أما السلاح الصهيوني والأمريكي الذي يسفك الدماء ويعتدي على الآمنين فلا يجوز لأحد في العالم أن يسيء إليه بأدنى كلمة؛ وإلا فهو معادٍ للحرية والتقدم... ولهذا فالخيار الوحيد للشعوب المقهورة أن تواصل مسيرة آلامها ومعاناتها، فقدرها أن تواجه القتل والدمار بأجسادها وإرادتها إلى أن تنتصر في بناء حريتها ومجدها وعزتها والارتقاء نحو الحلم الأعلى. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |