|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الوعي الواضع ـــ يوسف سلامة إذا كان الوعي المتعالي هو الشرط الضروري لوجود كل صور الوعي الأخرى, وإذا لم يكن هذا الوعي إلا الطاقة التي تتعين في ما لا عدد له من صور, وإذا كانت الصورة الأولى التي يكشف من خلالها الوعي المتعالي عن نفسه هي قصدية الوعي, أو الوعي من حيث هو متجه بصورة دائمة نحو موضوع بحيث لا وجود لوعي فارغ من موضوع, بل لابد للوعي حتى يكون وعياً من الارتباط بموضوع, أو فكرة ارتباطاً قصدياً, فإن (الوعي الواضع) هو ذلك النمط من الوجود الذي يعبر الوعي عن نفسه من خلاله أو يعينها في هذا النمط من الوجود من خلال تطلع الوعي إلى أن يفرض صورته ومضمونه على العالم الذي يعيش فيه من حيث أن هذا الموضوع أو العالم هو المضمون الفعلي للوعي من حيث هو (وعي واضع). وعلى ذلك فإن (الوعي الواضع) يشير إلى القوة المنتجة أو الخالقة لجملة الأفكار التي يستهدف الوعي فرضها على العالم المعاش على اعتبار أن علاقة الوعي بالعالم تتعين أولاً, وقبل كل شيء, من خلال مقصد أساسي يتمثل في فرض تلك الأفكار على العالم, مما يجعل العالم, نتيجة لخضوعه لتلك الأفكار التي يبدعها الوعي, ونتيجة لامتلاك العالم الصيغة التي يريدها الوعي مادة مرنة أو مطاوعة تنحصر كل ماهيتها في التشكل والتقلب وفقاً لمشيئة الوعي من حيث هو طاقة واضعة. وإذن فالوضع فاعلية خلاقة أو عملية منتجة من حيث المبدأ للأفكار التي يحاول الوعي فرضها على العالم وهذه العملية ـ أي عملية الوضع ـ إنما تتحقق طبيعتها وماهيتها الحقيقية عندما يتحول العالم إلى مجرد (وساطة) أو (فعل توسط) بين الوعي وذاته, فالوعي لا يريد أن يضع أفكاره في العالم أو يصوغ العالم وفقاً لها إلا من أجل التعرف على ذاته في هذا العالم, فبغير هذا التعرف على الذات, وبالأحرى بغير هذا الوعي الذاتي الذي يدرك الوعي من حيث هو واضع ذاته من حيث هو قوة أو طاقة تعيد خلق العالم أو إنتاجه على نحو يصبح (الوعي الواضع) قادراً على التعرف على ذاته أو تحقيق وعيه الذاتي بالذات في الصورة الأرقى للعالم التي اضطر (الوعي الواضع) العالم للتطابق معها أو ممتلكاً للصيغة التي أرادها (الوعي الواضع) لعالمه. فقبل أن يتخذ (الوعي الواضع) من العالم وساطة بينه ويبن ذاته, كان العالم أخرية غربية كل الغرابة عن الوعي وتطلعاته. وهذا يعني إن العالم قد كان يقف وجهاً لوجه أمام الوعي باعتباره ذاتية مستقلة عن الوعي تماماً, فالأخرية عندما تكون متحررة من كل سلطان للوعي عليها تكون ذاتية بكل تأكيد, حتى وإن لم تكن مكوناتها الماهوية تؤهلها لأن تكون كذلك. وبعد أن ينجح (الوعي الواضع) في سلب الأخرية ذاتها, وفي تحويلها إلى مرحلة من مراحل نمو الوعي ذاته على حساب تلك الأخرية فتتحول بذلك من موضوع صرف, ينحصر دوره في أن يتحول إلى موضوع من وضع الوعي ذاته, وعندئذ يتم سلب كل ذاتية منه لأنه يتحول إلى مجرد مناسبة أو لحظة تعاد صياغتها على نحو لا ينقطع لتردد في إيقاعها الإيقاع الباطني لنمو الوعي وهو يعيد صياغة العالم في الوقت نفسه الذي يثبت لنفسه في كل لحظة بأنه ليس مرآة ينعكس العالم على صفحتها, بل هو فاعلية خلاقة مبدعة ومنتجة لا تكف, ولا للحظة واحدة, عن النظر إلى الأخرية أو العالم على أنه مجال أو فسحة مرفوعة دائماً أو مسلوبة ودونما انقطاع, ومن شأن هذا الرفع وذاك السلب أن يشهد على هشاشة العالم ومطاوعته في مقابل الوعي الذي يتطلع إلى الارتقاء بالعالم إلى مستوى ذاته. وهشاشة العالم هذه إنما تشهد في الحقيقة على ما ينطوي عليه الوعي من رغبة لا متناهية إلى تعيين تلك الطاقة وفضها في ما لا عدد له من الوساطات أو التوسطات التي يشكل العالم في نهاية المطاف جماعاً لها. وإذا كان العالم ذا ماهية هشة ومطاوعة ومرنة, فهذا يعني أن امتلاك الوعي الذاتي من خلال تحقق (الوعي الواضع) بالوساطة ليس من حقيقته مواجهة بين الوعي والعالم, بل إن المواجهة الحقيقية إنما هي قائمة بين البشر الذين يتطلعون جميعاً ـ حتى وإن كان ذلك بصورة لا شعورية ـ إلى بسط سلطانهم على العالم. وبما إن من ماهية العالم إن يقبل الارتقاء بحيث يتطابق مع أفكار (الوعي الواضع), فإن تحقق العالم أو الوسيط على هيئة وعي ذاتي محدد ومعين إنما هو ناجم في الحقيقة عن انتصار هذا (الوعي الواضع) أو ذاك على ما عداه, مما يشهد على أن العالم قد أصبح متطابقاً ومحققاً لشرائط الوعي الذاتي لهذا (الوعي الواضع) أو ذاك دون غيره في حين إن (الوعي الواضع) يكون قد انكفأ إلى الوراء ولم يعد واضعاً بحال من الأحوال وعندئذ يتحول من (وعي واضع) إلى وعي يحيا في الذكرى والذاكرة وهنا تظهر الصور المختلفة للوعي الأصولي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |