|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
محمد الماغوط في إيابه الممتنع وتجاوزه المستحيل ـــ د.وفيق سليطين أيها الحارس العجوز يا جدّي أَعطِني كلبكَ السلوقي لأتعقب حزني أَعرني مصباحك الكهربائي لأبحث عن وطني من أزقّةٍ طويلة كسياط أجدادي آتي إليك... "الفرح ليس مهنتي" *** يبدو أن الماغوط يسطّر برحيله الموجع جملةً جديدةً حائرة تنضاف إلى هوّة المفارقات الحادّة, التي اضطلع بتفجيرها وارتياد أعماقها, لم يخلّفْ وراءه, فقط, الأسئلة الصعبة في إبداع الحياة, وحياة الإبداع, وتوترات الخلْق, بمناقضة الاستحالة وهزّ جذوع العطب واليباس في الفن والحياة والوجود والمعنى, بل إن مغادرته في هذه الظروف تنعطف على الأسئلة السابقة, وتستنفرها, وتكسبها شحنةً إضافيةً خاصة, وكأن شاعر التوهج, في احتراقه الخلاّق, يشحذها ويصقل آلتها بالموت, بعد أن غذّاها بالحياة, وأطلقها على أفق إنساني رحيب, يطلع من اليومي والعابر, من البسيط والأليف والغارق في رتابة المعيش, يُقيم فيه, ويرفعه إلى مستوى الفن, ويستولد منه قوة المغايرة, وحدّة المعنى وطاقة الإدهاش. من "حزن في ضوء القمر" و"غرفة بملايين الجدران" و"الفرح ليس مهنتي" إلى "سياف الزهور"... الخ. يشرع الماغوط قصيدة النثر أسلوباً فريداً متميزاً في الرفض والتمرد, يوسّع ويهدم, ويتحدّى صلابة المعيار الفنّي والاجتماعي, خالقاً للّغة في اعتصاره لها وانحرافه بها, وللشكل في نقض ثوابته وقداسة أعرافه, مجترحاً فضاءً من الحرية في التشكيل والتعبير, يُطلّق به ميتافيزيقا المعنى والتجريد, ويجبه به الموضوعات الكبرى المتعالية التي دارت عليها تقاليد الشعر, واستغنتْ بها عن الحياة. تحفر قصيدة الماغوط بعيداً في طبقات عالم القسوة المتراصّة, فتعمّق من مفارقات الواقع في استثمارها لها وتجليتها فنياً. وفي صلابة العناصر المشكلّة لهذا القران, تسرّب دفقات الحلم وشاعرية الخيال, فتؤلف بين المتباعدات, وتصهر المستويات المتعارضة في قران صعب لا يتأتّى إلا للموهبة الفذّة التي ترشّح الشعر من مناطق التوتر المجلّلة بعتمة الألفة وحجاب القرب, مستثمرة تقانات من السرد والتصوير, والتكثيف والتركيز, واقتصاد الإشارة, والانحراف بمستويات اللغة وطرائق التدليل, على النحو الذي يخلخل طرائق التلقي المعتاد, ويوّجه إلى نحو جديد من فعاليات الاستقبال, وهو ما تكفّلتْ به مسيرة الماغوط الإبداعية في ريادته لقصيدة النثر العربية التي بدأت على يد جماعة مجلة "شعر" في بيروت /1957. وفي هذا المتصل لم يزل إبداع الماغوط يعزي بمزيد من الكشف والمعايشة الفكرية والجمالية, التي تتطلّب مبارحة القناعة المضروبة, واليقينيات المعهودة, للاشتباك المتجدد مع تجربة عارمة تبدأ من مناطق الاختلاف, فلا تسنيم إلى طمأنينة المتحقق, بل تتعيّن صدماً له, وكشفاً لعواره, بما من شأنه أن يهزّ ركود الحياة العربية في قطاعاتها المؤسسة, وفي أبنيتها الأفقية والرأسية, التي يدفع الماغوط إلى مساءلتها بموته, كما ذهب إلى صدعها ومطاولتها النقضية, إبداعياً, في حياته. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |