|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
محاضرة: التراث العربي بين الوعي والإلغاء ـــ عبد المعين زيتون بدعوة من ثقافة القصير (محافظة حمص) ألقى الدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب محاضرة مساء الأربعاء (31 أيار 2006) بعنوان: التراث العربي بين الوعي والإلغاء عند المثقفين العرب حضرها جمهور واسع من المهتمين. وقد تماهى د. جمعة بعفوية ويسر مع ما طرحه من رؤى وأفكار مع الحضور ومشكلات الثقافة والمثاقفة, والمثقف فبدا وكأنه واحد منهم يترجم أفكارهم وآمالهم أكثر منه محاضراً فيهم, ورأوا فيه أنموذجاً جديداً يمتلك ناصية الأسلوب والأداء الراقي الذي تفتقر إليه منابرنا الثقافية لاسيّما في طريقة التعاطي والعلاقة بين المرسل والمتلقي... وعلى مدى ساعة ونصف الساعة قدم د. جمعة أفكاره وحاور وتحاور مع الحضور بأسلوب شفيف وجريء ابتعد فيه على المواربة, فوضع يده على الجرح, لا بل ودلّ على الدواء.. في إشكالية تبدو أنها الأكبر اليوم في صراعنا مع الوجود والهوية والانتماء والمشروع القومي العربي النهضوي الذي يعد التراث فيه والنظرة إليه من أهم المشكلات التي يواجهها. ورأى د. جمعة أن التراث يمثل لدى أية أمة مكوناً نفسياً واجتماعياً وفكرياً لمشروعها القومي فضلاً عن أنه يبرز ملامح كبرى من شخصيتها الحضارية بما يختزنه من معارف وتجارب وفنون تسهم في بناء تاريخها الوطني والقومي... وميّز د. جمعة بين عدة جماعات وفق رؤية كل منها لموضوعة التراث.. ـ فثمة من جعله عبئاً على التقدم والارتقاء في تكوين المشروع القومي النهضوي للأمة العربية لم يروا منه إلا أنه استعبد أبناء الحاضر وقيدهم برؤاه. ـ وثمة جماعة رأت فيه الخلاص الوحيد لما تعاني منه الأمة, والتراث لدى هذه الجماعة منزه عن كل عيب ولذلك لابد من أخذه دفعة واحدة لحل كل ما يجابهنا في واقعنا ولتحقيق مشروعنا المنشود... ـ وأما الجماعة الثالثة فرأت أن التراث لا يمكن أن يتحرك دفعة واحدة في الزمان المطلق أو في الفكر الإنساني ووجدانه, وإنما يتحرك تبعاً لرغبات من يتفاعل معه مسخراً إياه لواقعه وحل مشكلاته... ورأى د. جمعة أن التراث عند هؤلاء يملك قيمة اعتبارية عصية على الإطلاق لأنها ذات تركيب انتقائي نفعي واتفاقي وهو على هذا النحو مادة استلهام للمثقف كيفما يشاء ويرغب فيها لتحقيق المشروع القومي النهضوي... ولعل د. جمعة واحد من هذه الجماعة التي ترى أن للتراث أهمية متعاظمة في بناء الهوية العربية وتمييزها من غيرها, فهي قيمة تكمن في بنية تفرض التفاعل معه واستعادة تجلياته الباعثة على النهوض بعد استيعاب الواقع والاندماج في الحضارة والمشاركة في صناعتها حتى يكتسب مشروعنا القومي السمة الإنسانية... ويرى د. جمعة وفق انتمائه إلى هذه الجماعة أن التراث ليس صنماً للعبادة بل هو اعتقاد الانتماء بالأصول المتجذرة بالماضي الطامحة لبناء المستقبل... وهكذا يكون التراث العربي الإسلامي كتلة حضارية في شتى المجالات يملك القدرة على توجيه العديد من شؤوننا في الحياة والفكر والفن... ويبني تصوراتنا الأصيلة لتحقيق مشروعنا القومي... واعتبر د. جمعة أن هذه النظرة إلى التراث بصفته العنصر المشكل للهوية العربية تكتسب أهميتها لأنها تمنع سقوطنا في مهاوي التنمية العمياء لتجارب السلف في ذات الوقت الذي نحمي أنفسنا من الانفتاح على الفكر الآخر فنبدو وكأننا ننطلق من أفكار مسبّقة جاهزة.. وأكد الدكتور جمعة أن كل مثقف حر يرفض القهر والاستبداد ويأبى الخضوع لأية سلطة مسبقة أيا كانت... فحرية المثقف كامنة في فهمه لتراثه, وحاضره في ضوء فعل ذاتي تأملي وخصوصي.. واعتبر د. جمعة أن التراث وفق هذه الرؤية وهذا الوعي يؤكد ذاته كسلطة فاعلة قوية وناضجة. ووفق هذا الوعي فإن التراث يتقدم بين أيدينا ليس كمدونات تنطوي على الإعجاب, بل لتغدو وثيقة حضارية تشهد على مراحل تطور الأمة والخلاص من مشكلاتها... واعتبر د. جمعة أن هذا الوعي للتراث يجنبنا الوقوع في مزالق الحديث عن الملابسات التاريخية للتراث, وما وقع فيه من صدامات, كما يجنبا الوقوع في صدام حضاري جديد مع الآخر, نحن بغنى عنه... ورأى د. جمعة أن التراث العربي الإسلامي ابتلي بما لم يبتل به تراث أي أمة, فقد ابتلي هذا التراث بتشويه وفوضى فكرية مستشرية, أو بعقوق وإنكار لأعظم ما نجزه الأجداد, أو بتفاخر وهمي زائف لا يملك أصحابه المحدثون من المقومات إلا أنهم أبناؤه مما جعلهم والحال هذه يسهمون عن قصد أو عن غيره في إخفاق المشروع القومي.. وتساءل د. جمعة: كيف إذن ندرس هذا التراث ونعيه لصنع مشروعنا القومي النهضوي؟ وكيف نجعله حياً فاعلاً في عالم مادي صناعي تقني يتفجر كل يوم بعلم جديد... لا بل وكيف نواجه مثل هذا العالم, وثقافتنا مأزومة, وحياتنا متخلفة, ران عليها الخمول والكسل ولم نستخلص الدروس والعبر لا من تراثنا ولا من تراث الآخر!!! إن مثل هذه التساؤلات وغيرها توجب على المثقف قبل غيره أن يعي التراث بما يملكه من استعداد وذكاء ومعرفة وأدوات ومناهج وتقنيات... ذلك أن القوة الواعية تدفع التراث ليغدو مادة للتنوير والتثوير وصاحب هذه القوة يدفع عن مشروعه القومي غلواء الانحراف والزيغ والضلال دون أن يصاب بالغرور وبالأنانية والهوى ودون أن تتجاذبه نوازع الانتهازية والتبعية لسلطة ما أو لمنفعة ذاتية... ورأى د. جمعة بعد ما قدمه عن رؤيته للتراث.. أن أصحاب فكرة إلغائه قد تشبعوا بنظريات الغرب وأفكاره وفلسفته الاجتماعية والمادية, ورهنوا بها تطور الأمة العربية. واعتبر د. جمعة أن أصحاب هذه الفكرة تفاخروا بالتلمذة للنظريات الوافدة أياً كانت الرياح التي جاءت بها, ثم وجدوا أنفسهم يعيشون إشكالية مأزومة بينهم وبين التراث وبينهم وبين الواقع. وأكد أهمية التلاقح بين الثقافات الوافدة والثقافة العربية بما فيها التراث لأنه كتلة ثقافية وحضارية. ورأى د. جمعة أن أنصار فكرة إلغاء التراث أشد شراً على الأمة من غيرهم... لأنهم وبدل أن يعمقوا ثقتهم بذواتهم, وأمتهم وتراثهم وأن يفهموا واقعهم ليتجاوزوه في ضوء إفادتهم من ثقافة الغرب, وجدناهم عنصراً متطفلاً على قيمها وتقنياتها وآرائها... فاغتربوا عن واقعهم وتراثهم ووقعوا في أزمة أخلاقية وثقافية. واعتبر د. جمعة أن ما ينبغي على المثقف العربي أن يدرك أن التفاعل بين الماضي والحاضر أساسه تمثل ما مضى من مواجهة مشكلات ما نواجهه, وأن التفاعل بين الحضارات أساسه التعاون بين الكم والنوع وبين الهدف والوسيلة وبين المادة والروح وهو تعادل يقوم على القيم والفضائل والأخلاق والتمسك بالهوية والتراث... وتعزيز هذا الاتجاه يمكنه أن يحافظ على قيم الأمة من الاختراق في زمن العولمة ومفاعيلها, وإلا فما معنى نقل ثقافة الآخر واستنساخها؟؟ وأكد د. جمعة أن هذا الإرث الحضاري للعرب يدل على أنه كان يشكل الفكر القومي الموحد والنسيج الاجتماعي المتماثل, في وقت كان يؤثر في الفكر الإنساني ويشكله على هيئته لآماد طويلة... وخلص د. جمعة إلى أن الحضارة أطوار يتداولها الناس على قدر اجتهادهم وإخلاصهم... ولهذا فإن دورة الحضارة رجعت إلى العرب في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين بقوة فأهدوا العالم من جديد مصطلحات العلم والمعرفة في الطب والفلك والكيمياء والرياضيات وغيرها من العلوم.. وختم د. جمعة محاضرته بالإشارة إلى أن القراءة اليسارية للتراث لا تختلف عن القراءتين السابقتين فهي تلغيه أيضاً ولكن بطريقة مختلفة, فالفهم اليساري للتراث انطلق من كنانة الصراع الطبقي الحتمي والمستمر وهذا ما لا يتفق مع مفهوم المشروع القومي العربي في بناء النهضة, لأنه ألغى ـ وفق رؤية د. جمعة ـ عناصر كثيرة من عناصر المشروع القومي لاسيّما حين رأى أن الهوية العربية معيقة للمشروع الأممي وتقدّمه الاجتماعي والاقتصادي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |