جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

وبعد غياب... مهرجان المرأة الفراتية في دير الزور ـــ بشير عاني

بعد سنوات عجاف سُجِّل فيها شبهُ غياب للثقافة عموماً يطل علينا مهرجان المرأة الفراتية من جديد بحلة متميزة متضافر مع العديد من النشاطات النوعية التي تحسب للسيد أحمد العلي المدير الجديد للمركز الثقافي بدير الزور.

هذا المهرجان الذي تم تعطيله لسنوات كان ذا فضل في إظهار مواهب العديد من الأديبات الفراتيات اللواتي أصبحت لهن أسماؤهن المعروفة على مستوى القطر كما أن بعضهنَّ اليوم أعضاء في اتحاد الكتاب العرب, وها هو يعود حاملاً معه العديد من المواهب الجديدة مثل: أسماء شلاش, أماني المانع, ولمياء سليمان.

استمر المهرجان لمدة ثلاثة أيام في أجواء هادئة, وامتاز بالحضور اللافت وقد ساهم التنظيم الجيد في إنجاح المهرجان.

في (عروس الثلج) امتلكت أمية جرأة بالغة في وصف ثنائية الخلق وكان الانتقال صارخاً بين الحميمية والعبثية (صدى صوتي يسري في شرايينك, ولهفتك علي تحولني إلى امرأة من لهيب).

عروس الثلج يمكن اعتبارها رسالة وجدانية ـ ذاتية يغيب عنها الكثير من أدوات القص التقليدي وكان البناء الدرامي أهم الغائبين جهدت القاصة أن تخفيه من خلال اللغة ومنحوتاتها اللافتة.

جيهان المشعان حاولت الكتابة بفن صعب, يحتاج إلى تكثيف شديد وإدهاش, نجحت أحياناً وفشلت في أحيان أخرى, فالأفكار في بعض القصص كانت مبتكرة وتتمتع بقدر من الجمالية ميزها عن سواها (ذئاب ـ ذوبان ـ سمو) فيما ساهم التبسيط, وأحياناً الغموض في إجهاض بعض القصص الأخرى (فارس المنابر ـ ثورة ـ صبر ـ جرح ـ دوران) ورغم هذا تبقى جيهان مشعان تعد بالكثير وهي الحديثة العهد بالمنابر.

شذا برغوث, وكما عوّدتنا, تسعى وباستمرار لانتقاء لغة رصينة تتناسب والبنية النفسية لشخوص قصصها, ولكن التطور النفسي لهذه الشخوص هادئ ويسهل توقعه من سطر لآخر, حيث تقوم شذا أولاً برسم الشخصية (دوافعها وميولها واتجاهاتها) لتتحرك الشخصية على هذا الأساس الأخلاقي دون مفاجآت, فكأن القصة تبدأ من نهايتها كما هو الحال في قصة (بياع كلام), وشخصياتها بسيطة في موقعها الاجتماعي أو حتى في أحلامها, ويتركز السرد القصصي أحياناً في حالات أو اندفاعات نفسية, لغته الجسد الذي تحل محل الكلام كما في قصة (حصار رقم؟؟) حيث تستخدم المرأة جسدها لتفريغ انفعال كان من الممكن أن يتحول إلى علاقة شديدة التوتر, لو وجد متلق آخر للحوار.

تدور أحداث قصة تروندا منديل في عرس حيث يؤدي المطرب أغنية تُسِّيل التداعيات فحبيبها الفقير (الغائب الحاضر) قد رفضه أبوها الغني, والغائب الحاضر, طبقاً للقالب القصصي, وصف صادق, إذ أننا نراه مرة مسافراً دون قرار بالعودة ومرة أخرى قابعاً ينتظر حبيبته في مرسم صديقه حيث تتم اللقاءات عند الظهيرة ونراه منذ بداية القصة حتى منتصفها يخاطب بصيغة الغائب (هو) ثم فجأة يتحول الخطاب دون سابق إنذار إلى صيغة المخاطب (أنت). ورغم ما ما يبدو ظاهرياً من محاولات للتجريب أو المغامرة اللغوية إلا أن ثمة ما هو غير منطقي أحياناً في التعبير كالجملة التالية: (القلب الغريق الذي ينفث رائحة الشواء!!) باختصار فإن (أغنية وذكرى) رغم تطريزها اللغوي تظل حبيسة قالب كلاسيكي يصعب معه تفكيكها.

تعمل أسماء الشلاش على طول قصتها على أنسنة الأشياء ضمن اختيار دقيق للكلمات التي تمنح للجمادات بعداً روحياً ضمن سرد محكم هادف, وما يميز أسماء هو اللغة التي تتفاعل مع الموقف النفسي في تآلف يمنح القصة مصداقية إضافة إلى الجمالية الفنية, أسماء مع ذلك لم تستكمل أدواتها بعد في رسم التطور الدرامي للشخوص, وينقصها التخييل والخروج على النمطية, ننوه أيضاً إلى أن أسماء قرأت قصتين أخريين (وعد يكتبه المطر) و(بقايا الأمكنة المترهلة) تتشابه مع (غرابة الحنين) من حيث البناء الفني واللغوي.

ترتكز أماني المانع على أكثر الأساليب إثارة ولكنه في نفس الوقت أكثرها خطورة (الإدهاش) أي مفاجأة القارئ بخاتمة غير متوقعة, وهي ورغم تشابهها مع معظم زميلاتها في إبقاء الرجل محوراً لقصتها, إلا أنها تخلص نفسها بمهارة منطلقة إلى أفق أكثر رحابة, لا يخلو من الإدهاش حين تتماهى المرأة (الضحية) مع بغداد العاصمة العربية المستباحة.

سميرة بدران كتبت كامرأة محاطة بالمرايا, في كل مرآة تجل من تجلياتها, بوصفها الأنثى, سليلة عشتار, رمز الولادة والخصب, اتسم نصها بأنه حالم, شفاف, ومفعم بالرمز والحركية محاط بمنظومة لغوية مجربة.

ماذا كسرت سوى مرايا الخوف يا هذا الوصي

وهل فتحت سوى فضاء للممات

جفَّ ابتهاجك قبل أن يزهو وما جف الفرات

في (السبية الذبيحة) كانت تماضر الموح حارة بمضمونها القومي, الذي يندب بغداد العاصمة العربية الثانية التي سقطت خلال عقدين من الزمن, فالنبرة الخطابية الانفعالية واضحة ومتساوقة مع بساطة الطرح والمباشرة التي تقترب أحياناً من الإنشائية فبغداد امرأة عربية ماجدة يستبيحها الغزاة تحت سمع وبصر (وربما تواطؤ) أهلها وحماتها. هذا المضمون, رغم نبله وحرارته الإنسانية, هو أيضاً ما أرهق القصيدة وحولها في بعض المناطق إلى نص إخباري وهو سيملي علينا السؤال التالي:

إلى أي حد يمكن تزويد النص بطاقات سياسية دون أن يتحول إلى بيان سياسي؟

بغداد يا وجعَ العروبة يا نحيبَ الأبرياءْ

بغداد قد وطىءَ البغاةُ على قبور الأولياءْ

بغداد يا دمنا المباح بغداد يا مرَّ الشقاءْ

جانيت بازو وقعت في ما وقعت فيه زميلتها الموح, فقد عزفت على وتر قضية نبيلة, إنسانية في كل مناحيها وعادلة, لكن إضفاء البعد السياسي أيضاً على القصيدة أرهقها وحمّلها ما لا تطيق, فرغم صدق اللغة وعفويتها إلا أنها لم تستطع تحويل القصيدة من السياسي إلى الشعري, والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: إلام يظل الشعر قادراً على النهوض وعلى ظهره هذا الكم من الشعارات.

يا شرفاء العالم هبّوا كي تبزغ شمسُ الحرية

لتطهّر طبقات العفن الآتي من غرب الدنيا

يا شرفاء العالم هبّوا صدّوا الهجمات الوحشية

صدّوا ظلمَ التترية.

النص الذي قدمته هنادي كدو (قراءة خاصة في سيرة النبي يوسف) ذو نكهة خاصة, عودتنا عليها هنادي عبر نصوصها المتنوعة, لغة وبوحاً, كما ساهم الإلقاء الدافئ والمتميز في إيصال قصيدتها, مثلما كانت تشتهي, وقد تكون هي الوحيدة التي خرجت بعمق عن محور العلاقة بين الرجل والمرأة حيث كان الوطن اللوحة الأجمل وإن ظل متشحاً بالسواد:

رتل ليلك ترتيلا, وتهجَّ نزيفي..

فما زلتُ أخجل من يومي.. من شكل الطعنة في الظهر, من عين الذئب..

ما زلتُ أخطئ حتى الرحمة ويأكل في حلمي الشيطان.

الصنعة الشعرية عند لمياء سليمان متميزة, وهي شاعرة قادرة على شحن القصيدة التقليدية بجماليات غير معهودة كثيرة في هذا النوع من الشعر تفرض على القارئ الإنصات واحترام النص, إلا أن براعة الصنعة لا تخفي ظلال الآخرين في قصائدها ناهيك عن النضوب السريع لقاموسها اللغوي الذي بدا واضحاً في تكرار الكثير من المفردات في النص الوحد.

ما كنت عندك, إلا طيفَ عابرة

 

 

أرخت ضفائر نجواها على شجن

ما زال أمْسُك يُغري الحزنَ بي ثملا

 

 

فكيف تمضي, وبعض منك يسكنني؟

كلمة أخيرة:

في الحقيقة فإن ثمة تقاطعات كثيرة في مضامين وحمولات الشعر والقصة, بدا أن معظم الأديبات الفراتيات قد اشتغلن عليها, فالعلاقة مع الرجل (وهي المضمون الأبرز) هي العلاقة المحورية في معظم النصوص وهي سلبية بشكل عام, تُظهر الرجل كمستبد, قاس, وربما خائن.

القضايا الكبرى لا تلقى لها مكاناً واسعاً في هذه النصوص, وإن وجدت فهي خجولة وسريعة التناول إذا ما استثنينا هنادي كدو في هذا النص وفي النصوص السابقة.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244