جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أمور عجيبة غريبة ـــ د.غالب خلايلي

بتنا نرى في عصرنا الحاضر أموراً عجيبة غريبة يصعب حصرها لكثرتها, ومن ذلك إمكانية إرغام طلاب إحدى جامعات النخبة العريقة أكسفورد على التوقيع على عقود مع الجامعة يتعهدون فيها بالدراسة والالتزام بحضور المحاضرات, إضافة إلى دفع الرسوم السنوية في موعدها (زهرة الخليج 11/2/2006). هذا الخبر أثار استغرابي وشجني, فحينما تصل مثل هذه الأمور إلى جامعة عريقة, فما الذي يمكن توقعه من أماكن أخرى هي في حالة فوضى أو شبه فوضى؟ ويتساءل المرء: لماذا إذن يسجّل الطلاب في الجامعة ما داموا لن يلتزموا بالحضور؟ أما قضية تأخير الأقساط عن موعدها فهي قضية عربية (معاصرة) بامتياز, حيث يماطل بعض الناس بالدفع حتى آخر يوم, فإذا استثنينا حالات العوز, نجد أن أكثر المماطلين أناس مقتدرون, وبعضهم رجال أعمال (محسوبون على فئات ظاهرها الصلاح), يودّون خزن أموالهم حتى آخر لحظة ممكنة, لأن فراقها صعب, طبعاً, لا تسألوا عن ذلك الأجير الذي يجف عرقه وحتى دمه قبل أن يعطى أجره, فكثيراً ما يغبن ويترك في مهب الريح.‏

تذكرني حالة طلاب أكسفورد بحالة بعض طلابنا, حيث اشتكت إحدى طالبات الأدب (وكانت في إجازة طويلة) من أنها مالّة حتى الزهق, ولما اقتُرِح عليها أن تقرأ رواية شائقة أجابت: مللي شديد, لكن ليس إلى درجة أن أقرأ!.. جامعية أخرى اشتكت من أن القراءة تسبب لها صداعاً شديداً, علماً أنها لا تعاني من نقص ولا خلل في القدرة البصرية, الخلل في مكان آخر.‏

فإذا كانت هذه حالة طلاب الجامعة فما هي حالة أهل الأدب والثقافة؟ الموضوع واسع لا يمكن تلخيصه بكلمات, لكننا نرى بأم أعيننا تركيز بعض من اعتلوا المنابر على أسماء أنثوية لا تستأهل أحياناً سوى صفة الابتداء, ونرى إهمالاً مقصوداً لأدباء وكتاب حقيقيين. والمشكلة أنه حتى أبناء هؤلاء الكبار يرفضون القراءة بحجة إضاعة الوقت وعدم الجدوى, ففي استطلاع نشرته صحيفة الخليج بعنوان: هل أبناء الحدّاد نافخو كير؟ طرح الكاتب حكيم عنكر تساؤلاً: هل يرث أبناء الأدباء والكتّاب والفنانين اهتمامات وتطلعات الآباء؟.. لماذا لم يخلف نجيب محفوظ روائيين من صلبه؟ أحد أبناء كبار الكتاب المصريين قال: أنا لم أقرأ مطلقاً لأبي, ولن أقرأه فليس لدي وقت أضيعه في هذه القراءة التي أراها مملة, وبصراحة لا أعرف معنى أن يضيع هو الآخر وقته في هذه الكتابات!. أفضّل على ذلك رياضة السكواش والسباحة. ابنة كاتب آخر تقول: لا أحب القراءة, فأنا أقرأ كتبي الدراسية رغماً عني, ويعلق الفنان التشكيلي محمد يوسف على هذا الأمر بقوله: يمكن لكل الأشياء أن تزرع إلا الفن والموهبة, وفي حال وجودها يمكن للأب أن يصقلها, إن التقنيات الحديثة أشد جذباً وإغراء لأبنائنا من إبداعاتنا, إن الفنانين المبدعين يعانون صعوبات شتى وما من مكانة محترمة أو تقدير إلا نادراً, أما الشاعر كريم معتوق فيقول: إن المبدع يعيش في الغربة في البيت والوطن, ومن ثم فإنه يعيش عزلة ربما تكون ضرورية لإبداعه. الزوجة والأولاد ينظرون إلى المبدع كمعيل عليه أن يؤمن احتياجاتهم (الخليج 27/2/2005). إن الإبداع هبة من عند رب العالمين, ولا يمكن ضمان وجوده عند الأبناء, علماً أن هناك من قام بإخصاب نساء أميركيات من مشاهير في العلم وغيره, لكنه فشل في أن يحصل على مبدع واحد.‏

وهكذا بتنا نرى في أجيالنا الصاعدة (إلى أين؟) جهلا مريعاً, وربما لا يتذكر أحدهم اسم شاعر أو كاتب, أو بيتاً من الشعر, ولا يعرف شخصية اللهم إلا هاري بوتر وبضع مغنين ماجنين وشخصيات كرتونية, فهل هذا هو أملنا؟ كتب الفرنسي "إيريك نووف" افتتاحية في مجلة "مدام فيجارو" الفرنسية مقالاً بعنوان: "الكتاب خير جليس", أكد فيه أن الكتاب أفضل ما في الوجود, وأن محاسنه متعددة أبرزها تثقيف الإنسان وجعله أكثر وعياً وانفتاحاً على العالم, حيث يعلمه كيفية التعامل مع الآخرين بحكمة وعقلانية, وأسف الكاتب كثيراً على ما آلت إليه مختلف الكتب اليوم, فأصبحت مجرد أداة زينة للمكتبات والمحلات, إذ أثبتت الإحصائيات أن القلة (وينتمون بغالبيتهم إلى الأجيال الماضية) يشترون الكتب, فيما توقف الباقون عن الشراء, وعند الاستفسار أكدوا أن الأمر لا يتعلق بالمادة, لكنه ضيق الوقت, إذ يصلون من العمل منهكين, والرغبة في القراءة شبه منعدمة, ويأسف الكاتب على حال الجيل الجديد الذي يفضل شراء الثياب واقتناء الأشياء التافهة من ملحقات الهواتف والسيارات على شراء كتاب ولو بثمن قليل, وينصحهم بالرجوع إلى الكتب لتوسيع معرفتهم, ومساعدتهم على حلّ المسائل العالقة والمشاكل التي يواجهونها في الحياة (المرأة اليوم 8/10/2005) وفي مكان آخر أشار الكاتب سلطان بخيت العميمي إلى أزمة القراءة في الوطن العربي, والتي تتعدد مظاهرها في سوء التوزيع وضعف التسويق, إضافة إلى فرض جمارك وضرائب ورقابة مبالغ فيها, فقد أشار (خبراء) عرب إلى أن معدل قراءة العربي على مستوى العالم هو ربع صفحة, بينما يصل متوسط قراءة الأمريكي إلى أحد عشر كتاباً والبريطاني إلى سبعة كتب, وتقدر الإحصائية أن متوسط القراءة سنوياً لدى العربي مقارنة بالقارئ العالمي لا يتجاوز نصف الساعة!!. يا لعارنا! (الخليج 16/5/2005).‏

ماذا يفعل قارئنا الرصين بعد إجهاد ربع أو نصف ساعة؟ هل يحصد غلال القمح التي ملأت البراري أم يتابع غزل الأقطان ونسجها وتفصيلها وخياطتها؟ لا هذا ولا ذاك, فإضاعة الوقت من أهم صفات شعوبنا (المعاصرة), والمواعيد من مثل (بين الصلاتين) والأمثال من مثل (الغايب عذره معه) تبرر ذبح الوقت وسفك دمه, صحيح أن نسبة كبيرة من الناس تبحث عن رزقها وتعمل حتى الإجهاد من أجل تأمين قوت أطفالها, لكن الصحيح أيضاً أن كثيراً منهم مغبونون في أجورهم, وأن كثيرين يسفكون دم الوقت بطريقة مؤلمة, فلا عجب أن تأتي إحصائيات الأمية في الوطن العربي مخجلة بل مخزية في نتائجها, أليست تلك من الأمور العجيبة الغريبة في أمة اقرأ؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244