|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ما قاله صحافي عربي عن بغداد ـــ عبد المنعم حمندي زائر بغداد من غير أهلها في هذا الزمان له محنتان, محنة الرعب التي تملأ قلب الزائر وعقله, من خلال ما قرأ وسمع وشاهد في وسائل الإعلام والفضائيات, أو من خلال ما تناقلته ألسن القادمين منها بعد غزوها واحتلالها... والمحنة الثانية هي شكل بغداد وصورتها وجمالها المطعون بالقبح والخراب, خصوصاً بالنسبة للذين زاروا بغداد من قبل وعاشوا سحر لياليها وعرفوا روعتها وسماحة أبنائها وكرم الضيافة فيها: قبل أيام زار صحافي عربي بغداد, وكان قد عاش فيها زماناً وعرفها معرفة العاشق للمعشوق, دفعته لهذه الزيارة رياح الشوق ومهمة صحافية. ولقد عرفت هذا الصحافي قبل ربع قرن من الزمن, عرفت محبته للعراق, وصدق انتمائه, كما عرفته رجلاً لا يفرط ببذرة واحدة من كرامته ومواقفه, حتى ولو على حساب لقمته ولقمة أطفاله!. قال: ما إن هبطت الطائرة في مطار بغداد الدولي ورأيت الجنود الأميركيين على أرض المطار حتى دمعت عيناي, وشعرت كأن النفس مجرحة وأن الخوار قد تمكن منها, ولكني تماسكت ولملمت الجراح واندفعت بالحزن الثقيل إلى طابور القادمين, وأكملت إجراءات الدخول. وبعد أن انطلقت بي سيارة الأجرة, التفت إلى سائقها الذي كان يراقبني عبر مرآته... من أي بلاد أنت؟ قلت له: مغربي من العراق... ولعله لم يفهم الجواب..! إلا أني تداركت استفهامه.. بعبارات مجاملة ومحبة لهذا الشعب الأصيل, وقلت أن بغداد لكل العرب فهي عاصمتهم! دخل السائق في صمت, ولم يتكلم لمسافة طويلة.. قلت وأنا أراقب من نافذتي شارع المطار ـ كم كان هذا الشارع جميلاً؟ هل تتذكر الأشجار على جانبي الطريق؟.. لقد كانت هنا في الجزرة الوسطية غابة مكتظة بالخضرة تظلل الشارعين بأشجارها وعذوبة أندائها.. واليوم لا ترى غير رماد حرائق وحطام آليات مختلفة, وخرائب أرصفة, وأسلاك شائكة وسدود ومصدات ترابية, وآثار معارك على الجانبين ومرور الدوريات الأميركية التي تحذر من الاقتراب. قال: كان السائق حزيناً شارداً في دخان سيكارته لم يعلق على شيء... وكانت عيناه تهربان من النافذة تتابعان دوران الأرض من حوله.. وبعد أن عبرنا نقطة سيطرة أميركية قبل الدخول إلى مركز العاصمة.. قال: أنصحك بعدم الخروج من الفندق بمفردك... وألا تتجول ليلاً..! أثارت كلماته في قلبي الرعب! واضطربت ذاكرتي واسترجعت شريط ذكريات عزيزة علي في هذا الشارع الذي أحب! وقلت لنفسي: أهذه بغداد التي أعرفها؟ كانت منطقة السعدون التي تحتضن الفندق بتفرعاتها وصولاً إلى منطقتي العرصات والكرادة نهر فرح في المدينة, لها مسراتها الخاصة, لم تعرف النوم في كل لياليها, ولها مواسم حب لا مثيل لها في عواصم الدنيا! واليوم أراها واجمة محاطة بالجدران الكونكريتية, ومطوقة أزقتها بالأسلاك الشائكة, وعلى حيطان بناياتها التي تنعى المقتولين اغتيالاً من مجهولين, وما إن يكلكل الظلام حتى تزدحم الشوارع بجنود المارينز وباعة المخدرات والخمور المغشوشة, وعصابات الخطف والسطو المسلح, في أقبية البنايات المحيطة أسرار واجتماعات وحركات, واتفاقات تجار ومقاولين وتواطؤات سياسيين ومهربين, وممارسة أبشع المحرمات والخيانات والمؤامرات... في الشقق المفروشة وفي فنادق الخمس نجوم تجد عقود صفقات من كل صنف ولون, بدءاً من صفقات السلاح والعقود المبرمة من قبل وسطاء الأمريكان في إعادة الأعمار إلى صفقات المخدرات وتجارة الرقيق والنساء! قلت هل كل هذا في منطقة السعدون والعرصات؟ قال: اقصد خاصرة المدينة, فبين الرصافة والكرخ جراح تتشابه, وكان بغداد تابوت يتمدد, وجثة كبيرة تتفسخ, ولا فرق بين السعدون والمنصور وشارع 14 رمضان والعرصات, وبين شارع فلسطين والحارثية وبين المأمون والصليخ وبين شارع الرشيد, وشارع الأميرات وبين الأعظمية وبغداد الجديدة. لقد دونت في عشرة أيام انفجار سبع وعشرين سيارة مفخخة, وخمس عشرة عبوة ناسفة, واغتيال سبعين شخصاً في عدد من أحياء بغداد, كانت الأشد عنفاً مدينة الحرية والدورة والعامرية والشعلة والأعظمية, ولعل منطقة الكرادة أخف من غيرها حيث لم تشهد خلال مدة مكوثي سوى افنجار سيارة مفخخة وعلى كل حال الإرهاب واحد, مهما تعددت أشكاله وألوانه وأساليبه, والإرهاب مرفوض ملعون لأنه يستهدف الأبرياء, وعليكم أن تعملوا على التفريق بين الأعمال الإرهابية وبين أعمال المقاومة التي تستهدف قوات الاحتلال وأذنابها, فالمقاومة حق مشروع لأي شعب يرزح تحت الاحتلال, والحديث عن المقاومة مرتبط بالحديث عن النضالات الكبيرة التي قام بها شعب العراق الذي يأبى الذل والاستسلام للمحتل مهما كانت هوية ذلك المحتل ومسوغاته. حدثني صديقي الصحافي الزائر عن أحزاني وجراحات مدينتي التي أسكنها وينزف قلبي معها كل يوم وقال رأيتهم بأم عيني شيباً وشباباً, نساء ورجالاً منهكين حزانى, ممزقي النفوس, مهلهلي الثياب, استوطنهم الفقر والجوع والمرض.. موزعين على أرصفة الطرقات في المدن والأحياء وقد نجد مثلهم في المحافظات والقرى والأرياف, ويربط بينهم حزن دفين كان يطل من أعماق أعينهم. هؤلاء هم فقراء العراق كسبة بلا كسب وعاطلون بلا عمل, أرامل وأيتام, جياع وظامئون, في أغنى بلد بثرواته محكومون ينظرون إلى حكامهم بعين الرجاء والأمل, والحاكم يغني بلغة خاصة لا تطرب سواه وهو يعزف على جراح شعبه المظلوم. ... لا ماء لا كهرباء والخراب في كل مشهد, والعين لا ترى غير العتمة, والدم المسفوك في الشوارع يستغيثون ولا يغاثون وينادون ولا حياة لمن تنادي! وبعد صمت ودموع قال: اكتبوا مشاهداتكم, دونوا كل شيء فأنتم حراس الذاكرة وأنتم الضمير والوجدان... اعملوا على وحدة الصف, ووحدة الموقف واستفيدوا من تجارب الشعوب في مناهضة الاحتلال, فلا يمكن لأي احتلال أن يدوم, ولابد للشمس أن تبزغ يوماً وتجلو عتمة الاحتلال, ويطل الربيع على بغداد يستنفر الجمال والألق. إن بغداد نهر الحرية... نبعه المتدفق ولا يمكن لهذا النهر إلا أن يواصل الجريان..! أحسست بالدموع تملأ عيني... وقبل أو أودعه... قلت: اطمئن أن هذا الشعب لا ينام على ضيم, ولم يركع في كل تاريخه لمحتل, ما زالت في أعماقه توجهات تشتعل ووطنية صادقة تتدفق, وطموحات تتفجر, وقريباً نلتقي في بغداد وقد استردت عافيتها وسحر جمالها تحت سماء صافية ترفل بالعز والأمان, وأرضها طاهرة من رجس الاحتلال موفورة الكرامة زاهرة بليلها, عامرة بأهلها تستقبل زوارها بالحب والطيبة وتبقى نبع العروبة وعاصمة العرب...! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |