جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ديزي الأمير سيدة القصة المهموسة ـــ عيسى فتوح

ديزي الأمير قاصة وصحفية ومربية عراقية, ولدت عام 1935 في الإسكندرية بمصر من أب عراقي هو الطبيب ميرزا الأمير وأم لبنانية من ضهور الشوير هي وداد تبشراني.‏

تلقت دراستها الابتدائية في مدرسة "البتاوين" في بغداد والإعدادية والثانوية في المدرسة المركزية للبنات, ثم دخلت دار المعلمين العالية في جامعة بغداد, فنالت منها شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها عام 1955, كما نالت الدبلوم في اللغة الإنكليزية من جامعة "كمبردج" في بريطانيا.‏

عملت بعد تخرجها في التعليم, فدرّست عشر سنوات في إحدى المدارس الإعدادية للبنات, ثم في دار المعلمات؛ بالبصرة, ولما انتقلت إلى بيروت عملت سكرتيرة للسفير العراقي من عام 1964 حتى عام 1969 ثم معاونة للمستشار الصحفي في السفارة العراقية , فمديرة للمركز الثقافي العراقي في بيروت.‏

***‏

تعرفت خلال زيارتها لأسرة والدتها في ضهور الشوير على الشاعر خليل حاوي (1925 ـ 1982) وتطورت المعرفة إلى صداقة فإعلان خطبة, لكن هذه الخطبة لم تستمر طويلاً لأسباب صحية ألمت بخليل, ثم تزوجت فيما بعد من الأديب حبيب صادق رئيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي, في وقت كانت بأمس الحاجة إلى بيت دافئ حنون, يخلّصها من زوجة أبيها الظالمة التي ذاقت منها الأمرين, ثم طلقت عام 1975 بعد مرور سنتين على زواجها منه, وبعد أن حاربت بعناد للتخلص من هذا الارتباط الذي لم يورثها غير التعب والضنى والإرهاق والعذاب.‏

لم تبارح بيروت طوال سنوات الحرب اللبنانية لتمسكها بالوظيفة التي كانت بحاجة ماسة إليها, وخوفها على بيتها الذي طالما حلمت به, ولزهدها في الحياة, بعد أن تأخر تحقيق أمنياتها, وحبها الشديد لبيروت التي احتضنت مسيرتها الأدبية, ورعت مواهبها, وعرفتها على عدد كبير من الأصدقاء والأدباء العرب بصورة خاصة, وكانت تقول عنها "إنها المدينة التي تضيّعك في البحث عن سر قلقها واطمئنانها".‏

آثارها الأدبية‏

أصدرت الأديبة ديزي الأمير حتى الآن سبع مجموعات قصصية هي:‏

1 ـ البلد البعيد الذي تحب 1964.‏

2 ـ ثم تعود الموجة 1969.‏

3 ـ البيت العربي السعيد 1975.‏

4 ـ في دوامة الحب والكراهية 1979.‏

5 ـ وعود للبيع 1981.‏

6 ـ على لائحة الانتظار 1988.‏

7 ـ جراحة لتجميل الزمن 1996.‏

نظرة في بعض قصصها‏

1 ـ الباكية(1)‏

بطلة قصة "الباكية" السيدة ديزي الأمير نفسها, ترويها بضمير المتكلم, وتحكي فيها عما جرى معها في إحدى الليالي العاصفة, حين استفاقت قبيل الفجر على صوت بكاء أنثوي لا تعرف طبيعته أو مصدره وكان يقوى ويشتد شيئاً فشيئاً... لم تشأ أن تسأل الجيران ما إذا كانوا يسمعون هذا الصوت الذي تحول إلى عويل ثم ندب.‏

أخذت تخرج من منزلها صباح كل يوم إلى الغابة الكائنة في ضاحية المدينة, كي لا تسمع الصوت, حتى أصبحت الغابة مصدر راحة لها.. وبينما كانت تتمشى في الغابة ذات يوم, اصطدمت بجذع شجرة صفصاف مائل, وكلما زارت الغابة وجدت الجذع يزداد ميلاً حتى لامس الأرض, ولما سألت الناس عن الأمر قالوا لها إن الشجرة مريضة وقد تموت, وفعلاً ماتت ورأت الحشرات تنخر جذعها.‏

قالت للأًصدقاء انتحرت الصفصافة الباكية حينما جثت على الأرض تتوسل إليها, فلا تجد النهر الذي اعتاد أن يرويها, ليلتها لم تنم, مع أنها لم تسمع بكاء, ولا عويلاً ولا ندباً, ولكن هي التي بكت دون نواح ولا عويل ولا استغاثة فلم يسمعها أحد.‏

****‏

رغم يقيني بأن التلخيص يفسد سياق العمل الأدبي, فإن قصة "الباكية" تظل غامضة وغير واضحة الهدف, خلطت فيها بين الرمز والواقع... وربما كانت الغاية منها وصف ما تعاني بطلتها ـ وهي الكاتبة نفسها ـ من حرقة ولوعة وقلق نفسي وألم روحي: فاتخذت من شجرة الصفصاف الباكية رمزاً لها.‏

ما يؤخذ على قصة "الباكية" أيضاً هو الاستطراد, فقد أسهبت الكاتبة كثيراً في الحديث عن الغابة المزروعة في ضواحي المدينة, وكيف أن العلم الحديث استطاع أن ينمّي أشجارها بسرعة وذلك "بنقل الأشجار السامقة المتكاملة النمو, بمداها الواسع وعلوها الشاهق, وهي تحمل معها جذورها المغروسة في التراب, لتجلس في الحفر العميقة الواسعة التي أُعدّت لسُكناها, وكأنها زرعت منذ ولادتها", وكان بالإمكان الاستغناء عن هذا المقطع الذي احتل صفحة كاملة من القصة.‏

****‏

قصص ديزي الأمير بالإجمال تكاد تكون اعترافات شخصية, وتسجيلاً أميناً لأحداث أليمة ـ غالباً ـ مرت بها, ووصفاً لمعاناة امرأة مأزومة قست عليها الحياة, فحرمتها من حنان الأم وعطف الأب الذي سارع إلى الزواج بامرأة أخرى, بعد وفاة والدتها, فأذاقتها هذه الزوجة الظالمة الأمرين, وكانت هذه التجربة القاسية أكبر مصدر استمدت منه أحداث قصصها.‏

2 ـ الضباب(2)‏

كذلك فإن بطلة قصة "الضباب" هي ديزي نفسها التي هربت من غرفتها الصغيرة الموحشة في بيروت إلى لندن لتتابع دراستها, وتلتقي صديقها الشاعر هناك وتغرق في ضبابها الكثيف "الذي يسمع فيه الفرد وقع خطى الإنسان الآخر دون أن يستبين وجهه".‏

وحين تتحدث عن ضحايا الثلج والجليد والمطر في بلاد العالم, سرعان ما ترتد لتتحدث عن ضحايا بلادها الذين يختلفون كل الاختلاف عن ضحايا العالم... "إنهم ضحايا للشمس, وضحايا للحنان, وضحايا للأهل... فلكل مناخ ضحاياه", وما ضحايا الحنان والأهل إلا ديزي نفسها التي فقدت حنان الأم قبل أن ترتوي من هذا الحنان, وعطف الأب الذي تنكر لابنته بعد زواجه الثاني, وقلب لها ظهر المجن, وأضحت كالقصبة الجوفاء في مهب الريح... وهذا ما دفع الناقد اللبناني عفيف فرّاج إلى القول: "إن عالم ديزي الأمير مقطب الجبين مكفهر, جده قاسٍ لا يُحتمل, ومعاناة المرأة فيه مضاعفة مزدوجة... وهو يفتقر إلى المرح والمتعة".‏

لكن الحياة في لندن لم تجلب لها المتعة والفرح والسعادة, كما كانت تتوقع, بل على العكس زادت نفسها اكفهراراً وتعقيداً حين "لم تستطع التكيّف والاندماج في لعبة التسلية والترفيه على الطريقة الأوربية", ولذلك سرعان ما بحثت عن أقرب مكتب شركة طيران لتحجز على أول طائرة تعيدها إلى مدينة الصليب والخلاص, وحقاًئب محشوة بقلق جديد...".‏

ولا يسعني أخيراً إلا أن أقول مع الناقد عفيف فراج: "إن الرائع من قصص ديزي الأمير يبرز براعة فنية في رسم عالم الأحاسيس الداخلية للشخصية, وحساسية شديدة الرقة تلتقط أبسط موجات الشعور المضطرب, وتلتقط الجرْس الخافت لحزن لا يعلن عن نفسه إلا للأذن التي تألف الهمس(3)... إننا نسمع في قصصها همس السواقي وليس هدير الشلالات, ومفارقاتها الدرامية تحدث الرعشة, وليس الارتجاف العنيف".‏

المصادر‏

1) عفيف مزاج, ـ الحرية في أدب المرأة ـ مؤسسة الأبحاث العربية ـ بيروت 1980.‏

2) روبرت كامبل ـ أعلام الأدب العربي المعاصر ـ المعهد الألماني للأبحاث الشرقية ـ بيروت 1996.‏

3) جوزيف زيدان ـ مصادر الأدب النسائي في العالم العربي الحديث ـ المؤسسة العربية للدراسة والنشر ـ بيروت 1999.‏

4) ذاكرة للمستقبل (موسوعة الكاتبة العربية) الفصل الرابع (العراق) ـ منشورات المجلس الأعلى للثقافة ومؤسسة "نور" لدراسات وأبحاث المرأة العربية ـ القاهرة 2002.‏

(1) من مجموعتها "على لائحة الانتظار".‏

(2) من مجموعتها "البلد البعيد الذي تحب".‏

3 وصفت ديزي الأمير نفسها بأنها "سيدة القصة المهموسة".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244