جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أضغاث أحلام ـــ يوسف جاد الحق

ـ 1 ـ‏

قال أبي محذّرِاً:‏

.. يا بنيَّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً..‏

أجبته مندهشاً:‏

ـ ولكنهم إخوتي يا أبتِ, فكيف يكيدون لي...؟‏

قال في تؤدة, أضفت على كلماته ظلالاً من الحكمة الرصينة التي عرفناها فيه على الدوام.‏

ـ ستعرف بنفسك جواب سؤالك, يا بني, عندما تبلغ سن الرشد.‏

قلت في حيرة ووجل معاً:‏

لكني رأيت حلماً غريباً, يا أبتِ.. لا أستطيع له تفسيراً من دونك.‏

ابتسم أبي موافقاً على الاستماع إليّ. وإن بدَا عليه أنه يفعل ذلك مسايرة لي ليس إلا, أو (ليأخذني على قدر عقلي)..!‏

رأيت فيما يرى النائم أنني أضرب في بيداء شاسعة, مترامية الأطراف حتى الأفق, تنتشر في بقاع متباعدة منها خيام هنا, وخيام هناك, يرتدي أهلها ثياباً بدوية كالتي نعرف. في سيماهم الطيبة, وعلى مظهرهم البساطة. اقتربت من إحدى الخيام, حيث جمع من الرجال يحتسون القهوة داخل صيوان فسيح.‏

يعلو هرجهم ولغطهم. وفي مكان قريب نساء, بعضهن يوقد النار, وبعض ينقل الحطب. وعلى مدى غير بعيد, حيث مددت بصري رأيت قطعاناً من الغنم وأخرى من الإبل, يرعى كلاً منها شاب, أو غلام, أو فتاة.‏

وكان ثمة رجل غريب الملامح, أشقر الوجه, أصفر الشعر, أزرق العينين, ثعلبي النظرات, من أين ظهر فجأة وسط هذه الصحراء, وما الذي جاء به؟ تساءلت ولكن أحداً لم يجب. غريباً كان في شكله وسمته وملامحه عن كل ما فيها, ثم رأيته ينتقل ما بين الخيام فأتابعه بنظري ما أمكنني ذلك. كان يقول شيئاً, لا أسمعه لهذه الجماعة, وشيئاً آخر في صيوان آخر, بعد أن يتناول القهوة السادة في كل خيمة, ولدى كل جماعة, وما يلبث القوم, عقب انصرافه عنهم حتى تتغير وجوهم. تكفهر, تحمر, وتصفر. أثار ذلك عجبي, ما الذي تراه يقول لهم حتى تفعل فيهم كلماته هذه الأفاعيل التي رأيت..‏

وبغتة اكفهرت السماء, يا أبي وغطتها السحب, حتى حجبت الشمس تماماً, وزمجرت رياح أثارت زوابع وسحب غبار. دبَّ الهلع في قلوب ساكني الخيام والأكواخ التي انتشرت في شتى الأرجاء. إذ كان المشهد جديداً عليهم, كما أخبرني أحدهم ـ ليس جديداً تماماً, لكنه غير مألوف, ولم يسبق له أن بدا على هذا النحو, وازدادوا رعباً حين تساقط المطر رذاذاً أسود, ثم انهمر قاتماً غزيراً, له رائحة غريبة, تساءلوا فيما بينهم عن ماهيته, فلم يجدوا بينهم من يفتي بشأنه, وهنا ظهر الغريب, ليقول لهم بصوت الخبير العالم بما يقول:‏

نظر بعضهم إلى بعض مشدوهين ولكن الرجل قطع عليهم دهشتهم ليضيف, محاولاً تبديد ما اعتراهم من خوف:‏

هذا الذي هبط عليكم من السماء اسمه (النفط) وهو نعمة كبيرة اختصكم الله بها, سيكون من شأنها أن تغير أحوالكم, حياتكم, ومآلَكُم. بل وتصنع لكل مستقبلكم.‏

قال أحدهم متسائلاً:‏

ـ ولكن لماذا يأتي هذا من السماء...؟‏

ابتدره شيخ القبيلة مؤنباً, قبل أن يرد الغريب:‏

اسكت يا عبد السميع, أتراك نسيت أن "رزقكم في السماء وما توعدون"...؟‏

طأطأ عبد السميع رأسه مستخذياً, وهو يردد:‏

ـ بلى.. بلى يا شيخنا, لكأني أسمع هذه الآية لأول مرة..!‏

انتفخت أوداج الشيخ, وحمد لعبد السميع غباءه الذي أتاح له فرصة استعراض ذكائه, أمام عشيرته, مما يساعده على البقاء زعيماً لها.. ! ضم أطراف عباءته إلى صدره, ثم لمس بيده طرف عقاله. يتحسسه كي يتأكد أنه ما زال في موضعه من رأسه. ثم التفت إلى الضيف متبسِّطاً في القول:‏

ـ لا تؤاخذه يا ضيفنا. قل لنا الآن, أحسن الله إليك ورحم والديك, ما هي منافع هذا المطر العجيب, الذي قلت أن اسمه.. ماذا؟‏

ـ نفط... نفط يا طويل العمر...!.. واسمه عندنا... OIL...!‏

قال الضيف, وقد سرَّه, على ما يبدو أن يجد فرصة يدعى فيها للحديث ثانية:‏

منافعه كثيرة... كثيرة جداً يا شيخ العرب, سوف تخرجون من هذه الخيام لتقطنوا المباني الباذخة, وأنت وأضرابك, من علية القوم, تكون لكم الدور, والقصور, والحدائق, والحور تأتيكم من شتى أصقاع الأرض.‏

أخذ الجمع المحتشد يصغي للضيف باهتمام أكبر, حتى ضاقت الحلقة, وكاد الرجل يختنق فاقترح ابن أخ الشيخ أن يعتلي الضيف ظهر ناقة, لكي يراه الجميع ويسمعوه. كان الرجل مرناً, ومتفهماً على نحو جيد, إذ سرعان ما استجاب لرغبتهم فاعتلى ظهر الناقة, ليواصل تعداد منافع هذا النوع من المطر بقوله:‏

ـ سوف تستبدلون بالجمال مركبات من نوع آخر. تضغطون على أزرار فتنطلق بكم في سرعة لا تعرفها الجمال ولا البغال...!‏

ردد الشيخ ومعه عدد كبير منهم في دهشة واضحة:‏

.. ما شاء الله.. ما شاء الله..‏

أردف الغريب مقاطعاً همهمتهم وغمغمتهم:‏

ـ ليس هذا فقط. سوف تشربون ماءكم مثلجاً... وتتناولون طعامكم معلَّباً, وتستمعون.. وربما تشاهدون بأم أعينكم ما يجري في أقصى أطراف الأرض, فيما أنتم جلوس فوق بُسُطكم؟؟ وحين يرغب أحدكم في الانتقال إلى مكان بعيد سوف يمتطي بساط الريح, الذي يمكنه على متنه أن يتناول طعاماً وشراباً لم يحلم بمثلهما, في يوم من الأيام, تقدِّمه له فتاة لم يحلم بأن يراها إلا يوم يلقى وجه ربه.. إن كان من الصالحين..!‏

كان القوم ينظرون إليه تارة, وينظر بعضهم إلى بعض تارة أخرى, غير مصدقين حيناً, حالمين آميلن, حيناً آخر.‏

سأل سائل منهم, بعد أن رمق الشيخ بنظرة وجلة, خشية أن يثير غضبه..‏

ـ ولكن كيف يمكننا أن (نستفيد) من هذا المطر؟ وها هو ذا يتدفق فوق الرمال منساباً على وجه الأرض بدداً...؟‏

قال الرجل, وقد انفرجت أساريره, كمحاضر في مركز ثقافي يسعده أن يُسأل كي تتاح له فرصة استعراض معلوماته:‏

ـ سؤال جيد. لابأس سوف أتطوع لمساعدتكم على ذلك. سأفعل ذلك من أجلكم أنتم... لا أريد عليه جزاءً ولا شكوراً..!‏

قال شيخ القبيلة متحمساً:‏

ـ معنى هذا أنك ستقيم بين ظهرانينا.‏

رد الضيف الغريب:‏

ـ من الخير لي ولكم أن أقفل راجعاً إلى بلدي, بعد أن أعيّن أحدكم مسؤولاً واحداً (منكم وفيكم). ومن هناك أبعث إليه بالتوجيهات الضرورية, لمصلحتنا المشتركة. إضافة إلى عدد من الرجال, من أصدقائي لمعاونتكم.‏

صمت قليلاً, ثم أردف قائلاً, بصوت أكثر انخفاضاً, قريباً من أذن الشيخ:‏

ـ ولكن هذا, يا شيخنا, يتطلب أن تعقد اتفاقاً, فالشغل هو الشغل.‏

مدّ الشيخ يده على الفور لتصافح يد الضيف, وهو يقول:‏

ـ توكّل على الله يا رجل. وليُعقد الاتفاق, وليكن ذلك على وجه السرعة. الآن الآن وليس غداً..! وقبل أن تنجلي هذه الغيوم عن شمسٍ تبدد أحلامنا, وإن شئت نكتفي بما دار من حديث دون حاجة للكتابة.. فنحن كلمتنا كلمة وعهدنا عهد..‏

قال الرجل الغريب:‏

شكراً لك على هذه الثقة يا شيخ ولكن لا تخش ذلك. هذا المطر سوف يدوم لسنين طويلة, احتياطي الغيوم في سمائكم أكثر منه في أي مكان من العالم, ومع ذلك سوف نبادر إلى إنشاء مستودعات تستوعب هذا المطر. وكما قلت من الخير أن ننصِّب واحداً من وجهائكم قِيماً ـ لا أقول ناطوراً ـ على واحد من هذه المستودعات. أعني لكل مستودع قيّم, على حدة, ثم نتقاسم النتائج معاً على مرّ الأيام.‏

غمغم الشيخ, يريد أن يستفسر عن أمر ما أغلق عليه فهمه:‏

ـ لكأني بهذا المطر سوف يفعل لنا ما يفعله الذهب.‏

قال الغريب ضاحكاً:‏

ـ ولكنه ذهب أيضاً يا شيخي العزيز..‏

قال الشيخ مستغرباً:‏

ـ كيف؟ أليس للذهب لون أصفر يا هذا..؟‏

قال الغريب بلهجة الخبير العليم بكل شيء:‏

ـ للذهب ألوان عديدة, ومن بينها هذا الأسود. إنه الذهب الأسود.‏

رد الشيخ في ارتياح, وكأنه فهم ما يكفيه ويغنيـه؟‏

ـ حسناً يا ضيفنا, اتفقنا. بل نحن متفقون منذ البداية, ومنذ اليوم سوف نعتمد عليك بعد الله جلّ جلاله, في طعامنا وشرابنا, وشؤوننا جميعاً.‏

قال الضيف:‏

ـ نعم. نعم. لكم ذلك.. بل إني أبشركم منذ الآن بأنكم لن تحتاجوا بعد اليوم إلى رعي السائمة. كما لن تحتاجوا إلى زراعة أو صناعة أو رعي ماشية. توقفوا عن عمل أي شيء, ناموا واجنحوا إلى الدعة, ما دام رزقكم هذا يهبط عليكم من السماء, أو ينبع من الأرض. سوف أعمل على تأمين كل ما أنتم بحاجة إليه, والحساب يجمع بيننا, آخر الأمر. كما أنصح لكم بألا تفكروا ولا تستعملوا عقولكم.. سنفكر نحن بالنيابة عنكم في كل شأن..! الحساب سيسجل لكم أرقاماً في دفاترنا.. والعائدات ـ هكذا نسميها نحن ـ تبقى محفوظة لدينا أوَليس لديكم أماكن لحفظها وصيانتها من السرقة؟؟..‏

أخرج الرجل أوراقاً من حقيبته, بدأ يكتب فيها, ولكن شيخ القبيلة أمسك بيده التي يمسك بها القلم, وصاح بشهامة موروثة:‏

ـ لا بالله ما تكتب شيء الآن. هات أوراقك.. سأبصم لك على بياض, بأصابعي الخمسة في يدي اليمنى... وإن شئت العشرة مع يدي اليسرى.. ثم تكتب ما تشاء عندكم هناك وأنت مستريح في بيتك في بكسفور...‏

ـ أكسفورد يا شيخنا.. أكسفورد...‏

ـ نعم.. نعم... الثقة يا أخي لا تتجزأ.. (أمين وخاين ما بيصير...!).‏

تظاهر الضيف بالمنُّع أول الأمر, ثم تظاهر بالرضوخ استجابة لرغبة شيخ القبيلة فقط..! تناول يد هذا الأخير وغمس أصابعه في الحبر الأسود, ضغط بها على الورق, بين غمغمة الحضور استبشاراً وإعجاباً. ثم نادى شهوداً, فتتزاحم القوم حتى أوشكت أن تقوم بينهم معركة, فيما هم يتدافعون, يريد كل منهم أن يحظى (بالشهادة) على الورق... أليست هي إحدى الحسنيين..؟ ولكي يفاخر واحدهم, على الملأ لزمن طويل, بأنه كان واحداً ممن (بصموا) على الوثيقة التاريخية العتيدة, وحين انكفأوا إلى بيوتهم.. أعني خيامهم, لم ينم منهم إلا القليل تلك الليلة, وكان النائمون والصاحون, على حد سواء, يحلمون بما ينتظرهم من السعادة والرفاهية, في مقبل الأيام, حسبما صوَّر لهم صديقهم الجديد, الذي وصفه شيخ القبيلة, قبل أن ينفض الجمع الحاشد بأنه شهم, و(ابن حلال), وبأن (قدمَهُ) عليهم خير وبركة...!‏

ـ 2 ـ‏

بغتة يا أبي, وكأن أعواماً مرت, مثل شريط فيلم سينمائي خاطف, تغيرت معالم حياتهم. تحول الفقر المدقع إلى ثراء فاحش, والصحراء القاحلة إلى عمران يطاول السماء, والبداوة الأصيلة إلى مظاهر حضارية, ابتاع القوم أدواتها, ووسائلها, اقتنوها حتى دون أن يعرفوا طريقة تشغيلها, ناهيك عن جهلهم كيف صُنعت, بل كانوا يعجبون من طريقة أدائها, ويفكرون طويلاً في ذلك. مثلاً: كيف تكلم الحديد, دون أن يكون له لسان؟ كيف تجري العربة دون أن تكون لها أرجل وأصابع كالحمير والبغال والجمال؟ وكيف يطير هذا الكم الهائل من الحديد, بغير أجنحة, حتى دون أن يلهث أو يتصبب عرقاً...!‏

وكيف يبرد الماء في هذا الصندوق؟ وكيف تضاء الغرف والساحات بلمسة أصبع.؟ لكأنها أفاعيل الجان. على الرغم من ذلك, كان موضع المباهاة بينهم أيُّهم يقتني أكثر...!‏

وعلى ما يبدو, لم تكن الأيام كلها عسلاً صافياً, سواء فيما بين أفراد القبيلة, وأفخاذها, وبطونها, من جهة, أو بينها وبين القبائل الأخرى من جهة ثانية. كما أنها لم تخل من المنِّغصات بين هؤلاء والشريط الذي يقطن وراء البحار السبعة, ولكن الأمور كانت تسوَّى دائماً, بطريقة أو بأخرى, حفاظاً على الودّ والمصلحة المشتركة. وحين كان يظهر في القبيلة من يحاول الخروج على الاتفاق إذ رآه مجحفاً وغير منصف, سرعان ما كان يختفي عن الأنظار, في صمت مطبق, حتى يُنسى تماماً, أو في ضجيج صاخب يصُّم الآذان...!‏

ومما زاد في أواصر الرابطة توطيداً بين الشركاء أن القبيلة بعد أن أشبعت حاجاتها ومتطلباتها الغريزية على حدّ النهم, عمدت إلى وضع الفائض مع عائداتها بين أيدي شريكها وحفدته, أمانة مردودة (عند الطلب). ولكن هذا (الطلب) لم يحدث أبداً. بل ظلَّ جانب الإيداع لتلك الأمانات متواصلاً على مرِّ الأيام... ولم يعدم الشريك وأبناؤه وحفدته الوسيلة للاستيلاء عليها من حين لحين, بموجب كشوف حساب متقنة, لقاء مواد وأدوات أو مقابل خدمات... أو مجرد كلمات...!‏

وعاش الأطراف جميعاً, في سلام ووئام,,!‏

ـ 3 ـ‏

نظرت إلى أبي, كان مطرقاً, مغرقاً في تفكير عميق, أيقظه صمتي المفاجئ, اعتدل في جلسته.‏

وتنحنح قبل أن يقول:‏

اللهم اجعله خيراً..‏

أضغاث أحلام يا بني... أضغاف أحلام..! ومن الخير ألا تقصص رؤياك هذه على إخوتك..!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244